من الظواهر التي تتكرر كثيراً تحوير وتبادل تسميات أنماط الموسيقى التقليدية، إذ يطرأ على هذه التسميات بعض التصحيف والتبديل بين الاسم وبين هيئته الأصلية والمحورة، ويتطور ذلك عبر الزمن، ومما يحدث مثل هذه التحويرات النقل الشفاهي من جيل إلى جيل.

كما يحدث في الوقت نفسه تعدد تسمية النمط الواحد، واختلاف التسميات باختلاف المواقع الجغرافية التي يعرف فيها هذا النمط. بالإضافة إلى أن تسمية تلك الأنماط ربما يشار إلى مجموعة منها بمصطلح واحد يسميها كلها. إلا أن المؤدين الكبار السابقين لم يشغل بالهم تفسير المعنى أكثر من انشغالهم بأداء الفن نفسه. وربما لم يدركوا كُنه معناه، ولم يدخلوا في متاهات تفسيراته التي ربما خاض فيها الباحثون المعاصرون.

ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من الأحداث الهامة والكبرى قد دُونت وسُجلت على أيدي عدد من المتخصصين في التاريخ والوثائق والاجتماع، إلا أن كثيراً من الفنون الشعبية اندثرت أو هي في طريقها إلى الاندثار. وبقي بعضها اسماً دون أن يكون له واقعاً ملموساً.

ومن هنا وجب جمع ما تبقى من موروث فني قبل فقدان ناقليه، ومهما كانت بعض المحاولات غير دقيقة أو غير ممنهجة في الجمع الميداني، إلا أنها تظل مع قصورها تحافظ على الموروث الفني من خلال تدوينه وتسجيله.

ألوان وارتباط

يمكن اعتبار ألوان الفنون الشعبية المختلفة معبراً عن الجانب الفكري. وتبقى أثيرة لدى القلوب رغم التطور المذهل للفنون الأخرى، وهي الأكثر قُرباً من النفوس والأعمق تأثيراً في الأمزجة. كما تبقى أصيلة، مترفعة، معتزة بنفسها، ويفتخر بها كل من مارسها وأداها. كما إن التراث الفني لونته البيئة المادية، وصاغته البيئة الاجتماعية، وأثرت به في حياة الإنسان بصفة عامة من الناحيتين العقلية والوجدانية.

ورغم انحسار الكثير من العناصر المكونة للتقاليد الفنية التراثية بسبب فقدانها لبعض أجزاء الخزين المكون لها، وشيء من حيويتها الأصيلة أو من أسلوب أدائها، إضافة إلى فقدانها لأبرز مؤديها الكبار والأوائل، ومع ذلك فإن استدراك ما تبقى منها، هو على درجة كبيرة من الأهمية. مع الانتباه إلى جمهورها المتعلق بها، والمدرك لتقنياتها ووظائفها ومعانيها.

وهو جمهور لا يزال على صلة بتلك الفنون، ولا يزال في الوقت نفسه يشعر بالحاجة إليها، فهي بالنسبة إليه تحقق رغبته في تذوق الجمال الفني. وتعزز عنده مشاعر الانتماء الاجتماعي. ومع وجود مثل هذا الجمهور إلا أنه مع مرور يكاد يتقلص شيئاً فشيئاً إذا لم نتدارك فوائت هذا الفن قبل أن ينتهي وجوده، ويختفي جمهوره.

قوانين الجمال

وكما يقول الأديب والمفكر والمؤرخ المصري، أحمد أمين: إن قوانين الجمال واحدة مهما اختلفت مادتها الأولية، فقد تكون المادة حجراً فتكون تمثالاً، أو لوناً فيكون تصويراً، أو صوتاً فتكون موسيقى، أو يكون شعراً أو نثراً. ويضيف: وقد ندرك الجمال بأعيننا، وقد ندركه بآذاننا. وأن كل الفنون مرجعها عند الفنان والسامع والرائي إلى الشعور بالجمال.

الجمع الشفاهي

يجب أن ترافق عملية الجمع توثيق جهود الآباء وحفظها في ميدان الفنون الشعبية المعرفة والخبرة والدراية والدُربة. ويتم من خلالها التعرف على أداء الفنون، وأشعارها، وتوثيق أصولها وقواعدها، وأسماء مسؤولي الفرق الأقدمين. ولا يتم ذلك إلا بإجراء مقابلات مع كبار المؤدين والرواد أو مع من عاصرهم ونقل عنهم.

وفي الوقت نفسه يمكن الاستعانة بما نُشر حول هذه الفنون في الصحافة المحلية، وما تم حفظه في الصور والفيديوهات. ويتطلب ذلك أيضاً إعداد قائمة بأسماء الرواة، وتوزيع التسجيلات، وتدوينها. وفي نهاية المطاف تنتج عن كل تلك الجهود دراسة علمية موثقة.

ومن الجدير بالإشارة إلى أن الجمع الميداني للموسيقى والفنون يكشف عن تنوع ثري يختزنه واقع الثقافة الفنية الشفهية والحركية في ميادين شتى. ويساهم أيضاً في اكتشاف لهجات الفنون وألفاظها.

كما يتعرف الباحث في العمل الميداني في الفنون على الظروف المعيشية التي مر بها المجتمع، ويتلمس من خلال الأغاني القيم والعادات والتقاليد السائدة قديماً. كما أن كثرة الفنون التقليدية التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل تدل على اهتمام الجماهير بهذه الموروثات.

وتحتل هذه الفنون الأصيلة بالتالي مكانة خاصة في حياة الآباء والأجداد، ولا تزال تواكب الوجدان، وتعبر عن الأحاسيس والشجون والتطلعات. وفي اعتقادي أن الغوص في أعماق التراث الفني الشعبي هو بمثابة التقاط اللآلئ الأصيلة الراسخة في أعماق المجتمع.

وتقوم على أساس متين ومكين ضمن المنظومة المتكاملة للحركة الثقافية والأدبية والفنية في الإمارات. وأي عمل جمعي ميداني هو ترسيخ لأسس قوية لأية نهضة ثقافية وفكرية. مع الانتباه إلى أن استلهام التراث بما فيه من عناصر لا يمكن أن يتم دون دراسة وتمحيص وتدقيق وتوثيق.

المنهجية العلمية

إن تخليد الفنون الشعبية وحفظها لا يتأتى فقط من خلال جمع بعض القصائد من هنا وهناك بدون خط عملي واضح، بل هو عمل متكامل يعتمد جزء منه على الميدان والالتقاء برموز الفنون، ويعتمد الجزء الآخر على تأصيل المنهجية العلمية في الكتابة والتأليف.

وبناء عليه فيجب اعتماد المقابلات كمصدر توثيقي رئيس لأنها تكاد تكون هي المصدر الأول وربما أحياناً الوحيد. وفي الوقت نفسه يجب أن تتضمن المقابلات معلومات اجتماعية وبيئية وفنية واقتصادية، وأحاديث شخصية حول الرواة.

وهو أمر طبيعي للتعرف على الراوي من خلال حياته وعلاقاته مع الناس في المجتمع بكل أشكالها، وإبراز ما كان يتمتع به الراوي من مهارات عملية، وكفاءات حرفية. كما أن الحياة الاجتماعية التي كان يعيشها الراوي تعد جزءاً من حياة المجتمع بشكل عام، وهي أيضاً تعتبر جزءاً مكملاً لا بد منه لاستكمال الحياة العامة في المجتمع في الماضي التي لم تشهدها الأجيال المعاصرة.

أبعاد إنسانية

وبصورة عامة فإن المقابلة الشفهية بحد ذاتها توضح أبعاداً إنسانية نفسية ومباشرة، كما تفسح المجال أمام جميع الفئات الاجتماعية كي تعبر عن مكنوناتها ومشاعرها. وفي الوقت نفسه فإن الباحث الحصيف أثناء إجراء المقابلات يلاحظ الانطباع العام لدى الراوي، وتأثير الأحداث عليه من خلال تعبيرات وجهه، وحركات يديه، وإشاراته، وتلميحاته.

على أن تُفرغ المقابلات وتدون بلغة عربية واضحة أو مفهومة على الأقل على القارئ العادي، ولا يمنع من تضمينها بعض الفقرات باللهجة المحلية إن تطلب الأمر ذلك، مع تفسير بعض الألفاظ في الهوامش.