في صوت الاذان جمال خاص، وفيه إعلام للناس، بأن «حي على الصلاة.. حي على الفلاح»، يرددونه على مقامات عديدة، تريح النفس، فتقبل بكل جوارحها على الصلاة، والدعاء لرب كريم بأن يتقبل منهم طاعاتهم وقيامهم. وفي مسجد عبد الرحمن الصديق الواقع في نخلة جميرا يرتفع النداء خمس مرات في اليوم، مردداً صداه في تلك المنطقة بدبي، ليمتزج مع ما تختزنه من جماليات بصرية وتصاميم معمارية لافتة، طالما تميزت به المنطقة المحيطة بالمسجد الذي استغرق تشييده عامين، ليضحى أيقونة معمارية تمزج بين البساطة والأناقة والهدوء.
1000 مصل
لنحو 1000 مصل، تتسع جنبات مسجد عبد الرحمن الصديق، ذاك الذي اعتمد أفكاراً معاصرة في تصميمه، تكاد أن تكون قد تمردت على الأنماط التقليدية التي عرفتها المساجد عموماً، فيه بدا التصميم أكثر أصالة، وحاملاً لإشارات عديدة، وهو الذي يتخذ من الشكل التكعيبي المبسط طريقاً له، ما جعله متفرداً في هذا الجانب، وغير متكلف في عمارته وقد انسحب ذلك على مئذنته وقبته أيضاً، وقد بدا في تصميمه كأنه «تفكير خارج الصندوق».
بجانب اسمه الرسمي، يعرفه الناس بأسماء أخرى، أحدها مسجد نخلة جميرا، ومسجد العمود الفقري، حيث الأخير نابع من طبيعة المواد التي تم استخدامها في البناء، وقد جمعت بين الجدران الخشنة ونعومة الزجاج، ذلك التناقض كان كفيلاً بأن ينتج صرحاً معمارياً جميلاً يرتدي حلة أنيقة، ما أن تراها حتى تشعر لوهله بأنه يرتدي حلة زجاجية نقية جداً، وقد قطعت إلى شرائح يبلغ قياس اللوح الواحد منها 2.5X2.5 متر، فيما برزت من الأمام طبقة من الحجر الخشن، والتي تمركزت تماماً في المنطقة التي يقف بها الإمام، لينادي بالناس بأن «استووا.. اعتدلوا.. أقيموا صفوفكم وتراصوا.. وسدوا الخلل»، وهي تلك المنطقة التي توجه وجهها شطر المسجد الحرام.
49 متراً
مئذنة مسجد عبد الرحمن الصديق، عالية ترتفع برأسها نحو السماء مسافة 49 متراً، لتعانق النجمات ليلاً، بضيائها البهي، الذي يمكن رؤيته من مسافة بعيدة، ما يزيد من بهاء التصميم المعماري الذي تتميز به المئذنة وقد اختلفت فيه عن التصاميم السائدة في المساجد الأخرى، فهي ليست دائرية الشكل وإنما صممت على شكل برج مستطيل، يختلف في ارتفاعاته، مكسواً في بعض واجهاته بالزجاج المزخرف، بينما الواجهات الأخرى قد زينت بنقوش مستلهمة من الأشكال الهندسية، وهي نمط معماري إسلامي تقليدي، إن استطعت الوصول إلى أعلاها، حيث توجد واجهة زجاجية كاملة، ستمكنك من الحصول على مشهد لافت للنخلة وسعفاتها.
مصدر طبيعي للضوء
الجمال لا يسكن المئذنة فقط، وإنما يزين كافة تفاصيل المسجد الذي جاءت قبته زجاجية التي ترتفع عن الأرض مسافة 20 متراً، لتشكل مصدراً طبيعياً للضوء الذي يتسلل إلى الداخل مكسباً قاعة الصلاة جمالاً خاصاً، حيث تتجلى الشخصية الروحية في الضوء الطبيعي غير المباشر والمتسرب إلى الواجهة، ليزيد بذلك من الروحانية التي تسكن المكان الذي تجاوز بتصميمه المساجد التقليدية، مدشناً بذلك مرحلة جديدة من التصاميم المعمارية الخاصة بالمساجد الحديثة، التي تأتي عادة غير متكلفة بالزخرفة وتمتاز ببساطتها المعمارية، وهو ما يلفت الأنظار بمجرد قطع البوابة الرئيسية للمسجد، المنقوش فوقها الشهادة، تظهر الأنماط التكعيبية على الواجهة الزجاجية والمتماشية تماماً مع الباب الخشبي وشبكات النوافذ أيضاً، والتي تم زخرفتها بأشكال نباتية، ما منح المسجد مشهداً بصرياً ساحراً، في حين أن مصلى السيدات والواقع في طابق الميزانين قد تم تخبئته بحاجز المشربية، وهو ما يسمح لأن يكون هناك اتصال بصري وسمعي مع الإمام.
كل ما في هذا المسجد الذي يشتمل على وحدتين سكنيتين إحداهما للإمام والأخرى للمؤذن، يدعو للدهشة، بدءاً من خروجه العام عن النهج التقليدي في التصميم، التي تتواءم تماماً مع طبيعة التصاميم المعمارية التي تعمر بها نخلة جميرا، فيما يبدو فيه الاهتمام البالغ في التفاصيل والتي تتبدى من خلال أرفف المصاحب وطريقة توزيعها والمشربية والزخرفة الخاصة التي يحظى بها المحراب.




