في شوارع القاهرة المليئة بالتاريخ والعراقة، والنابضة بكل العصور التي مرت على مصر، ثمة حجارة إذا أمكنها النطق والحديث، ستخبر من يمر أمامها بالعديد من الحضارات المتعاقبة، التي مرت عليها ونشأت منها، راسمة سيرة عمارة لا تنتهي. 

هكذا نرى جزءاً من مصر رسمته الحضارة الفاطمية والمملوكية في إبان فترات تواجدهم في مصر، التي تركت بناء عليه آثار لا تحصى، وتاريخاً يبين الصراعات التاريخية والحضارة التي شهدتها تلك الأيام.

وكان من ضمن التاريخ الأثري لهاتين الحضارتين المساجد، التي تم إنشاؤها أثناء فترات تواجدهم، ومنها ما يعد من أشهر المزارات السياحية للمصريين والأجانب أيضاً الآتين لزيارة مصر، ومنها أيضاً ما ذهب في طي النسيان، ولم يتذكره أحد رغم قيمته الثقافية.

مسجد أبو حريبة

في أحد مناطق قاهرة المعز وتحديداً الدرب الأحمر، في باب زويلة أشهر العلامات في التاريخ المملوكي، وشارع يعج بالآثار، نجد أحد المساجد التي طواها التاريخ وهو مسجد«أبو حريبة»، وقام ببناء هذا المسجد الأمير سيف الدين قجماس الإسحاقي، وألحق به قبة وسبيلاً وكتاباً وحوضاً للمياه، وتم البناء عام 886هـ، أثناء حكم السلطان الأشرف قايتباي.

ويتسم المسجد بأنه أحد المساجد المعلقة، حيث بني أسفل واجهاته مجموعة من الدكاكين، التي كانت تؤجر ويستغل ريعها في الإنفاق على عمارة المسجد وإصلاحه، كما أنه كان غنياً بشتى الفنون الزخرفية والمعمارية، ولم يدفن منشئ الجامع في المقبرة التي أعدها لنفسه تحت القبة، ودفن بها أحد أولياء الله الصالحين، وهو الشيخ أحمد أبو حريبة، وبالتالي تغير اسم المسجد إلى اسمه.

الجامع الأزرق

يعد الجامع الأزرق كما يطلق عليه من أهم المساجد، التي تم بناؤها في العصر المملوكي، حيث إنه تميز عن غيره بعدد من الأشياء منها، المئذنة الخاصة به التي تميزه عن أي بناء آخر بُني في العصر المملوكي.

كما يتميز المسجد بجدرانه المغطاة بالرخام الأزرق ذات رسوم الأزهار في الجدران الداخلية، التي تتميز بذات اللون الأزرق، ما جعل المسجد يحمل ذلك الاسم، وبناه الأمير «آق سنقر الناصري» عام 747هـ، وأشرف بنفسه على أعمال البناء، وألحق بالجامع مكتبة وسبيلاً وقبة ليدفن بها.

مسجد الأمير مقبل

وهذا مسجد آخر أنشأ في العهد المملوكي، ولكنه يعاني من النسيان، ولكن جاء هذا النسيان نتيجة حاجته إلى الترميم، وأنه آيل للسقوط، وبالتالي قرر الجميع الابتعاد عنه، وإسقاطه من الحسابات الأثرية لدولة المماليك.

لم تكن تلك المساجد فقط رغم جمالها، ورغم مرور السنوات على جمالها وفنونها المعمارية المميزة من ذهب في طي النسيان، بل هناك أيضاً العديد من مساجد هذا العصر، التي أخفتها السنوات عن الأعين.

ويقول الخبير في مجالي السياحة والإرشاد خالد حسن، عن إهمال بعض المساجد سياحياً، إنه جاء نتيجة الاهتمام الأكبر، بالسياحة البحرية والشواطئ، على حساب السياحة الدينية، والتي أصبحت ليس لها مريدين كما كان الأمر في السابق، وأصبح اتجاه السياح بشكل أكبر تجاه المدن، التي تحتوي على بحار وليست داخل مدينة القاهرة.

وأضاف في تصريح خاص لـ«البيان»، إن هناك بعض الأماكن التي أصبح لديها قابلية أكبر عن الأماكن الدينية بالأساس، فالقاهرة والمدن الأخرى السياحية أصبحت أكثر تطوراً عن ذي قبل، وبالتالي أصبحت القابلية لديها بشكل أكبر.

وأشار خبير الإرشاد السياحي إلى أن هناك بعض الرحلات والأفواج، التي تأتي لأغراض بحثية ودينية وتستهدف مساجد دون غيرها، مما يجعلها أكثر اهتماماً بأمر المساجد الفاطمية والمملوكية، وكذلك المصريين المتعلقة دراستهم بهذا الأمر يكون اهتمامهم أكبر بهذا النوع من المساجد دون غيرها، والتي افتقدتها الذاكرة ولكن الأبحاث والعلم لم يفقدوها.

الإخفاء والطمس

أغلب مساجد الفاطمية تنال شهرة واسعة، حيث يتصدر الجامع الأزهر أول قائمة المساجد، التي أنشأها الفاطميون، ويليها الحاكم بأمر الله، ولكن هذا لا يمنع وجود مساجد ذهبت أيضاً في طي النسيان.

ومن بين هذه المساجد التي ذهبت طي النسيان جامع الأقمر، الذي اختفى وسط زحام شارع المعز، أحد أهم شوارع مصر الفاطمية.

ويعد «الأقمر» أصغر الجوامع الفاطمية على الإطلاق، ومع أهميته في عهد الفاطميين، تم إهماله منذ عهد الأيوبيين، وهو قد أنشأه الخليفة الآمر بأحكام الله ابن المستعلي، الذي تولى الخلافة وعمره 5 سنوات، واستمر خليفة لـ30 سنة بعدها حتى كان اغتياله سنة 254 هـ بسبب فساد حكمه واستهتاره.

ولا يختلف حال مسجد «محمد الأنور» عن سابقه، فهو يقع منزوياً بواجهته الضيقة ومساحته المحدودة، على بعد خطوات من ضريح ومسجد السيدة نفيسة حفيدة الإمام الحسين بن علي، وبالتالي ينساه الجموع وسط زحمة الأضرحة التي يقع بينها.

وعن ذهاب هذه المساجد في طي النسيان، قالت المؤرخة زبيدة محمد عطا، أستاذ التاريخ الإسلامي والوسيط والعميد الأسبق لكلية الآداب جامعة حلوان، إن التاريخ الفاطمي والمملوكي مليء بالمعمار المميز، والذي خلق تاريخاً حضارياً كبيراً في مصر، نظراً لاهتمام الدولتين بالمعمار لبيان أثرهم التاريخي.

وأضافت المؤرخة المصرية لـ«البيان»، إنه طبقاً لأن هاتين الدولتين قاما على أسس دينية، فكان لابد أن يكون هناك اهتمام أكبر بالمساجد، وبالفعل أنشأت الدولتان مساجد عديدة هامة، وما زالت تشتهر بها قاهرة المعز حتى الآن، وأيضاً هناك عدد لا بأس به من المساجد التابعة للدولتين في محافظات مصر.

وأشارت إلى أن بعضاً من هذه المساجد ذهب في طي النسيان، منذ آلاف السنين، نتيجة رغبة الدول التي تبعتهم مثل الأيوبية، التي تبعت الفاطمية في عدم الاهتمام بما قدموه وكان يصل الأمر إلى محاولة الإهمال الشديد، ليصل إلى الطمس.

بالإضافة إلى أن الاهتمام بزيارة المساجد كنوع من أنواع السياحة الداخلية أو الخارجية حالياً غير مرحب به بشكل كبير، كما أن هناك مساجد أصبحت محاطة بمناطق سكنية تعج بالمواطنين، وبالتالي أصبح الإقبال عليها ضعيفاً ونسيت مع الزمن.

وخلصت المؤرخة أنه بالرغم من أن بعض المساجد، وهذا التاريخ لم يعد واضحاً، كما كانت في السابق، إلا أن الأثر التاريخي سيظل محتفظًا بذلك التراث، الذي لن يقدر على محوه أحد .