لا تنتهي حدود الإبداع عند إصدار كتاب ما وتوزيعه على المكتبات، فهناك الأمسيات الثقافية والندوات، التي تعد مهمة في تجربة المؤلف والمبدع لمعرفة الصدى، الذي تركه إبداعه لدى الناس والتعريف بخفايا، لا يمكن للمطبوعة، التي أصدرها على اختلافها تناولها وشرحها للمتلقي.

إنها مواجهة مباشرة بين المبدع وبين الكثير من الجمهور من الذين قرأوا منتجه، فهو لن يعرف العدد، الذي قرأ هذا المنتج، لكنه بوجود شريحة من القراء يمكن لهم أن يطرحوا أسئلة تدور في ذهن غيرهم، وقد يكون لوسائل الإعلام القدرة في نقل هذه الأفكار، التي طرحت إلى جمهور واسع، وبهذا النقاش يمكن التعويض عن قلة حركة النقد في العالم العربي، كما يمكن يعرف الأجيال الجديدة بالأخص بين الموهوبين منهم، بقيمة ما تم إنتاجه. وبالنظر إلى الساحة الثقافية المحلية نجد أن الجائحة حدت من انتشار الفعاليات على مدار سنتين، لتعود هذه الفعاليات بشكل هجين في أحيان كثيرة، تجمع بين الواقعي والافتراضي، لأن بث الفعاليات عبر المواقع الإلكترونية يتيح للكثير من الجمهور من كل أنحاء العالم متابعتها، كما أكد عدد من المعنيين في حديثهم لـ«البيان».

فعاليات جماهيرية

أشار الأديب خالد الظنحاني رئيس مؤسسة الرخ الإماراتية إلى أن فعالية القافلة الثقافية، التي نظمتها هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، والتي أشرفت عليها ونفذتها مؤسسة الرخ، ذهبت بالفعاليات إلى الناس. وأوضح: «اختتمت فعاليات القافلة الثقافية أخيراً، وذلك بعد أن استمرت لشهر تطرقنا فيه إلى مواضيع متنوعة منها الإعلامية والثقافية والفلكلورية، وأقيمت هذه الفعاليات في مناطق مختلفة من إمارة الفجيرة مثل دبا ومسافي وغيرها من مناطق وجدنا فيها تفاعلاً كبيراً وشغفاً من قبل الناس من مختلف الأعمار»، وأضاف: «اكتشفنا أن هناك مثقف الطبيعة والصحراء، ويطرح هؤلاء أسئلة تدل على ثقافة عميقة، ولهذا كانت الفعاليات مميزة، فالناس في مكانها ونحن نحضر لهم الفعاليات، وهو ما جعلها بعيدة عن الرسمية والتقليد، والناس الحاضرة كانت تسأل عن الأدب وعن المفردات، التي لم تفهمها وعن أمور أخرى».

نقد المتلقي

من جهته بين الشاعر محمد البريكي مدير بيت الشعر بأنه «لا يمكن للمبدع من التعرف على مدى ما وصلت إليه تجربته دون الالتحام بالمشهد الأدبي، فالأمسيات الشعرية والندوات مناخ مناسب، يستطيع فيه المبدع من معرفة مقياس حرارة ما يكتبه، من خلال التفاعل مع منتجه الإبداعي، والمتلقي الواعي هو ناقد آخر يأتي بعد مرتبة نقد الذات، ثم تتوالى هذه العملية لتصل إلى النقد، الذي من خلاله تتم الإضاءة على أعماله، ومعرفة مدى ما وصلت إليه تجربته»، وأوضح: «إن الفعاليات التي تكون فرصة ملائمة للمتلقي للالتقاء بالمبدع عن قرب».

علاقة عفوية

أسماء صديق المطوع مؤسسة ورئيسة صالون الملتقى الأدبي المعتمد من «اليونيسكو» كأحد أندية القراءة رأت: «إن علاقة الكاتب أو الأديب أو الفنان أو الناقد أو الروائي أو المفكر مع القارئ هي علاقة خاصه خارج إطار مقاييس النقد الأكاديمي، وإنما علاقة عفوية حميمية، تقوم على التذوق الأدبي الانطباعي، لأن القارئ له نظره مختلفة- وهو المتلقي لفكر الكاتب- عن نظرة المتخصصين في الأدب والنقد»، وذكرت: «من طرف آخر تساعد الصالونات في الحراك الثقافي بفعالياتها المختلفة، وتسهم في بناء مجتمع قارئ».

وقالت المطوع: «يشرفنا أننا في صالون الملتقى قمنا بأنشطة حازت إعجاب وتقدير الآخرين وصار يحضر اجتماعاتنا الافتراضية جمهور كبير، خاصة أننا بدأنا هذه اللقاءات مع انتشار الجائحة، واستمرت لتصل إلى أكثر من 100 جلسة لغاية الآن»، وأضافت: «إن حضور الفعاليات الثقافية مهم جداً بالنسبة للجمهور، لأنه يصقل رؤيته ويعرفه على كل ما جديد في المشهد الثقافي، وبالنسبة لنا مثلاً في صالون الملتقى الأدبي تساعدنا الفعاليات الثقافية لمشاركتنا في معرض أبوظبي للكتاب وفعاليات مركز أبوظبي للغة العربية، ودائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وغيرها على معرفة الجديد على الساحة الثقافية».

وشددت المطوع: «على أن المؤلفين يكتبون لكي يقرأ الناس، ما يعني أن عملية الكتابة والإبداع عموماً عملية تواصلية، لها جانبان أحدهما مبدع أو مؤلف والآخر هو الجمهور، ومن هذا المنطلق تكون الفعاليات هي الفرصة الذهبية للقاء الطرفين لتكتمل عملية الإبداع».

آفاق الحوار

في بداية حديثه أشار الكاتب محمد شعيب الحمادي عضو مجلس الإدارة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات إلى أن: «معظم الفنانين والممثلين يفضلون العمل المسرحي على السينما والدراما التلفزيونية، وعند السؤال عن السبب، يكون الجواب دائماً إن وجود الجمهور يعطينا الدافع والحافز لبذل المزيد من الجهد حتى نخرج أقصى ما لدينا من إبداع في تجسيد الشخصية، كما أننا نتعرف على ردة فعل المتلقي في حينها دون انتظار»، «كذلك الحال بالنسبة للأديب، إذ تكون الندوات والأمسيات بمثابة الحافز والدافع للإبداع».

وبين الحمادي: «بأنه مما لا شك فيه أن الفعاليات الثقافية والمؤتمرات والندوات الأدبية بمثابة حلقة التواصل بين المبدعين والجمهور، أو المخضرمين من الكتاب والأدباء والجيل الصاعد صاحب الفكر الإبداعي والمواهب الأدبية الشابة، التي تحتاج إلى الاختلاط مع الكتاب، والمؤلفين والأدباء الذين كانت لهم تجارب كثيرة وفي أزمنة مختلفة، اختلفت خلالها الأدوات ومناهج في الكتابة الأدبية»، وتابع: «علينا ألا ننسى أن اللقاءات الأدبية تفتح آفاق الحوار والنقاش حول عمل ما، كذلك النقد الأدبي ينمي الفكر الابداعي، وأعتقد بأنه بمثابة التوجيه والإرشاد للمؤلف أو الكاتب المستجد في عالم الأدب»، وفي ختام حديثه شدد الحمادي على «أن الملتقيات الثقافية تعتبر أرضاً خصبة للتبادل المعرفي والعلمي والاجتماعي».

منتج حي

قال الباحث والشاعر مؤيد الشيباني: «من أسعد اللحظات في حياة المبدع أن يستضاف، في أمسية ما، والتي بدورها تحدث مشاركة تفاعلية مع الجمهور لتقديم منتجه، الذي يسهر ليالي، ويترك العالم من أجل أن يضيف من خلاله جمالية للحياة، ولما تدعوه إحدى الجهات يتهيأ لهذه اللقاء إنسانياً وفكرياً ومن كل النواحي، فالمنتج الثقافي يموت إن لم يرَ النور وحين لا يسمعه أحد، وهناك قصص عبر العصور تدل على هذا، فالشاعر أحمد شوقي «على سبيل المثال» حين كان يكتب القصيدة كان ينزل إلى الشارع لأجل أن يقرأها أمام الناس، وإن لم يجد أحداً يوقظ خادمه النائم ليقرأها له».

وأوضح الشيباني: «نكتب النص ولكن لا توجد حركة نقد ولا توجد مقاهٍ ثقافية، ومن هنا تصبح الأمسيات من أجمل ما يكون للمبدع، وأوجه دعوة للمؤسسات المعنية بإيجاد برنامج خاص بإنتاجات المبدع فهناك العشرات من المؤسسات الثقافية، ولكن الذين ينشطون باستضافة المبدعين بشكل منتظم لا يتعدون الاثنتين».