هوية المترجَم، وإبداع المترجِم، إشكالية طالما أرخت بظلالها على ما يُقدم من نتاجات الترجمة، منذ بدأ الإنسان محاولاته الأولى لنقل نصوص الشعوب الأخرى في مجالات الأدب بأنواعها المتعددة، في حين لا تظهر هذه الإشكالية في الأبحاث والمصطلحات العلمية التي لا تحتمل الاجتهاد، ولا تتدخل المشاعر والميول فيها.
وتختلف الآراء إزاء دور المترجِم، في مجال الأدب، إذ يرى بعض المشتغلين في هذا الشأن ضرورة أن يبقى وراء الستار، وألا يطغى على المؤلَّف، فيما يرى البعض أن مهمته، هي إيصال صوت المؤلف على نحو دقيق.
يُنسبُ إلى الكاتب البريطاني تيموثي هارولد باركس، قوله: «إن على المترجِم أن يقوم بعمله ويختفي، فيما يقول الروائي الألماني غونتر غراس إن «الكتاب الأدبي يحتاج مترجماً يستطيع إعادة خلقة بلغته هو»، كما تقول لوري سانت - مارتن أستاذة الدراسات الأدبية في جامعة كيبك الكندية: «إن الترجمة تظل تجربة موغلة في الغيرية، حتى في الوضعيات التي يكون فيها صاحب العمل المتَرجم يشبهنا ثقافياً».
وانطلاقاً من أهمية دور المترجِم، لم يكن غريباً أن يُخصّصَ الثلاثين من سبتمبر من كل عام يوماً عالمياً للترجمة، احتفاء بالعاملين في هذه المهنة. وفي رسالتها بهذه المناسبة هذا العام، نقلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» عن المؤلف الفرنسي الأمريكي الراحل جورج ستاينر، قوله: «في عصر طغى عليه البحث عن الهوية، تظل الترجمة البلسم الذي لا سبيل للاستغناء عنه ضد الانكفاء على التراث، إذ بدونها سنعيش في مقاطعات محاطة بالصمت».
تعريف المصطلح
«البيان» استطلعت آراء عدد من المختصين في هذا الشأن، حيث أجاب مدير الترجمة في الهيئة العامة السورية للكتاب، د.باسل المسالمة على التساؤل عن مكمن الإبداع في الترجمة إذا كانت مهمة المترجم نقل النص بكل أمانة؟ قائلاً: «إذا كانت الترجمةُ فنَّ نقل النصوص من لغة إلى أخرى، فالإبداعية منها تتخطى ذلك، لتنقل الأسلوب والعاطفة والموقف والهوية».
ويتابع: «لا يمكن فصل الترجمة عن الإبداع، لا سيما في ترجمة الأدب عموماً، لا يكفي أن يعرف المترجِم لغتين ليكون مترجماً، فهو قد يحتاج إلى تغيير بعض الكلمات، وربما حذف أو إضافة بعض العبارات، أو إلى إعادة صياغة النص كله بما يتوافق مع هوية القارئ المستهدف».
ويخلص المسالمة إلى أن: «الهدف من أي إضافة لا بدّ أن يكون توضيحياً، للوصول إلى نص سهل الفهم للقارئ في اللغة الهدف، بالمقابل يساعد الحذف في تقويم العبارات وضبطها وإيجازها. وليتمكن المترجم من إنتاج ترجمة إبداعية، يجب ألّا يتعامل مع التراكيب والمفردات فحسب، بل أن يتوغل في المعاني ويستقرئ الرموز والصور».
حسام الدين خضور رئيس تحرير مجلة «جسور ثقافية»، يُعرِّفُ الترجمة الإبداعية بأنها «مصطلح مشتق من كلمتين، هما ترجمة وإبداع، استطاعت اللغة الإنجليزية أن تجد لهما اختصاراً في كلمة واحدة هي (Transcreation)، ولم نستطع أن نفعل ذلك في لغتنا الأم، إلا بالجمع بين كلمتين من دون حذف، أو إضافة «ترجمة إبداعية». ويضيف: «الترجمة الإبداعية مفهوم يُستخدَم في مجال دراسات الترجمة لوصف عملية تكييف رسالة من لغة إلى أخرى، مع الحفاظ على مقصدها، وأسلوبها، ونبرتها، وسياق كلامها. تثير الرسالة التي أعيد تكوينها المشاعر نفسها، وتحمل الآثار نفسها في اللغة الهدف، كما هي الحال في اللغة المصدر. وهي مرتبطة بمفهوم التوطين (Localisation)، الذي يتضمن بالمثل تكييف نص مترجم على نحوٍ شامل للجمهور المستهدف».
النص الفرانكوفوني
د.ريم شامية، عميد المعهد العالي للغات في جامعة حلب سابقاً، تشير إلى إشكالية الهوية في النصوص المترجمة، سيما «الفرانكوفونية» منها، من قبيل أعمال اللبنانيين أمين معلوف، وجورج شحاذة، على سبيل المثال، وتقول: «نصوصهما مشبعة بثقافة الآخر، فهي مكتوبة بلغة فرنسية، لكنها تحمل في طياتها ثقافة عربية. ومن هنا تبرز إشكالية ترجمتها. هل الإبداع محدود فيها كونها تقدم نموذجاً جديداً؟ أم هي مجرد مثاقفة، تمتد على طول النصوص وعرضها؟». وتخلص إلى أنه «على الرغم من كل ذلك، يبقى الإبداع في ترجمة النص حاضراً مهما كانت ثقافته».
الدكتورة، زبيدة القاضي، نائب عميد كلية الآداب في جامعة حلب، ترى أن الترجمة الإبداعية أصعب أنواع الترجمة، كون هدفها التعريف بروائع الأدب العالمي، فهي ليست كالترجمة العلمية التي تكتفي بإيجاد المكافئ الواحد، بل تتطلب جهداً أكبر، وتضع المترجِم أمام تحديات كبيرة.
المنهج الدلالي
وتقول: «الترجمة ضرب من ضروب الأدب المقارن، تعتمد في معظم الأحيان على منهج الترجمة الدلالية، بسبب تعدد المعاني، والوظيفة التعبيرية، وما ينتجُ عنها من تعددية التأويل»، مشيرة إلى أن أهمية هذا المنهج تكمن في توفير إمكانية نقل معاني النص الأدبي كاملاً، شكلاً ومضموناً، مع التركيز على نقل قيمته الجمالية، دون تنازلات إبلاغيه لصالح قارئ الترجمة.
وتختم: «الترجمة عملية صعبة، لا تقوم على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى فحسب، فكل لغة تختزن ثقافة شعب، يجب على المترجم أن ينقلها إلى المتلقي، بقدرة عالية من الإحساس والمرونة في التفكير والقدرة على إنتاج ترجمة تعكس محتوى النص وروحه وهويته».
فهرس الترجمة
لقد اهتمت دول العالم منذ ثلاثينيات القرن الماضي بهذه المسألة عندما أعلنت عزمها إنشاء فهرس الترجمة. الذي استعادته «اليونسكو» عام 1948، حيث سمح بإجراء أوّل إحصاء للأعمال المترجمة في العالم.
ومكنت إحصاءات هذا الفهرس من معرفة عدد الترجمات المنشورة في العالم حتى نهاية العقد الثاني، وقد توزعت أبرز هذه الترجمات بواقع 4296 ترجمة لوليم شكسبير، و4751 لجول فيرن، و2342 لفيودر ديستوفسكي، و1396 لغابرييل غارسيا ماركيز.
وعلى المستوى العربي، وعلى الرغم من قلة الإحصاءات، تشير تقارير المنظمة الدولية إلى ركود في الترجمة إلى العربية حتى مشارف القرن الحالي، ذلك أن كتاباً واحداً كان يترجم لكل مليون مواطن عربي، في حين تبلغ النسبة في إسبانيا مثلاً 920 كتاباً. هذا الأمر تصدت لها العديد من الجهات على الساحة العربية، يبرز من بينها مشروع «كلمة» للترجمة في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي انطلق عام 2007، وبلغت إصداراته حتى نهاية عام 2019 أكثر من ألف كتاب عن 17 لغة. وفي الختام تبقى كلمات الكاتب الإندونيسي إيكا كورنياوان، الذي ترجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، أفضل تعبير عن أهمية الترجمة الإبداعية حين يقول: «كم أتمنى أن أعيش محاطاً بأُناس يقرؤون أدب العالم بأسره».




