محمود سامي البارودي (2).. الشاعر «الوزير» المتيم بمصر

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لم نستطع اختصار مسيرة الشاعر العربي لبداية عصر النهضة الحديث محمود سامي البارودي في صفحة واحدة، ولذلك نجد أنفسنا مندفعين بشغف، لمعرفة المزيد عن حياة وشعر ذلك الشاعر الكبير محمود سامي البارودي، ونكمل مع الشاعر حوارنا السابق.

 

 

 

- الخديوي توفيق استلم العرش سنة 1879، ومدحته أنت بقصيدتك الطويلة داعياً إياه إلى تحكيم الشورى وإصدار الدستور وتحقيق العدل، فهل أصغى إليك وعمل بما أشرت؟

 

 

 

قال: مع الأسف، ضاع شعري على أبوابه، ونكص الخديوي توفيق على عقبيه، فقبض على جمال الدين الأفغاني ونفاه من البلاد، وشرد أنصاره ومريديه.

 

 

 

قلت: ولكنك مع ذلك تمسكت بالوظيفة بعد أن أجبر الخديوي توفيق شريف باشا على تقديم استقالته وأخذ مكانه في الوزارة.

 

 

 

قال: هو الخديوي الذي أبقاني في منصبي وزيراً للمعارف والأوقاف.

 

 

 

قلت: ألا يدل ذلك على شيء؟

 

 

 

قال: تتهمني بالممالأة وتأييد الطغيان؟

 

 

 

قلت: حاشا لله أن أقصد ذلك.. ولكن

 

 

 

قال: السياسة أخذ وعطاء لين وشدة، المهم محاولة تحقيق الصالح للوطن والشعب.

 

 

 

قلت: أصبحت وزيراً للأوقاف في وزارة رياض، فماذا فعلت؟

 

 

 

قال: بذلت جهداً كبيراً في تنقيح قوانينها، وقمت بتشكيل لجنة خبراء للبحث عن الأوقاف المجهولة وجمع الكتب والمخطوطات الموقوفة في المساجد ووضعها في مكان واحد.

 

 

 

قلت: يقال إنك توسطت لصديقك الكاتب والمفكر والعالم محمد عبده ليتولى رئاسة تحرير جريدة الوقائع المصرية.

 

 

 

قال: لم تكن واسطة، بل كانت وضع الرجل المناسب في المكان الصحيح، ففي عهده بدأت الصحافة في مصر عهداً جديداً زاهراً.

 

 

 

قلت: ولكنك لم تقنع بوزارة الأوقاف، وعدت إلى قاعدتك التي انطلقت منها.. العسكر.

 

 

 

قال: لم أترك الأوقاف رغم تسلمي لوزارة الحربية خلفاً لرفقي باشا.

 

 

 

قلت: ولماذا ترك رفقي باشا الوزارة؟

 

 

 

قال: كان عزله عنها مطالبة لحركة الجيش المصري الوطنية، بقيادة أحمد عرابي، ولكنني لم أبقَ طويلاً في هذه الوزارة، فقد قدمت استقالتي منها في 22 أغسطس 1881.

 

 

 

قلت: ولماذا خرجت؟

 

 

 

قال: سامحه الله.. رئيس الوزارة السيد/ رياض أخذ يدس لي عند الخديوي، ويحرضه ضدي.

 

 

 

قلت: ولم تعد إليها بعد ذلك؟

 

 

 

قال: بعد مظاهرة عابدين الكبيرة، التي قام بها الجيش في التاسع من سبتمبر 1881، قمت شخصياً بتشكيل الوزارة الجديدة في 24 فبراير 1882، وقمت بتعيين أحمد عرابي وزيراً للحربية، وقد أطلق على وزارتي اسم وزارة الثورة، لأنها ضمت ثلاثة من زعمائها.

 

 

 

قلت: حسناً.. ها أنت أصبحت المسؤول الأول عن حكومة ذلك الزمن فماذا فعلت؟

 

 

 

قال: أعددت الدستور ليكون محققاً لآمال وأهداف الشعب، وحافظاً لكرامتها واستقلالها.

 

 

 

قلت: وهل وافق الخديوي عليه؟

 

 

 

قال: قدمته له فلم يعترض، ووضع ختمه عليه.

 

 

 

قلت: ولكن الأحداث توالت، وانقلب الخديوي عليك ورفض نفي بعض الضباط الشراكسة، الذين أرادوا اغتيالك.

 

 

 

قال: هذا جعل الجميع معي وضد الخديوي، ولكن تدخل الاستعمار البريطاني حمى الخديوي، ودخل الإنجليز مصر، وقبضوا على زعماء الثورة العرابية وحكم عليّ مع ستة من زملائي بالإعدام ثم خفف الحكم إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سرنديب.

 

 

 

قلت: وكم أقمت في منفاك الجديد؟

 

 

 

قال: سبعة عشر عاماً.

 

 

 

قلت: وماذا كنت تفعل لقضاء الوقت؟

 

 

 

قال: تعلمت اللغة الإنجليزية حتى أتقنتها.

 

 

 

قلت: واللغة العربية.. نسيتها؟

 

 

 

قال: بل قمت بتعليم أهل جزيرة سرنديب هذه اللغة العظيمة، ليتمكنوا من قراءة القرآن، ومعرفة أحكام الشريعة الإسلامية التي كانوا يتبعونها.

 

 

 

قلت: والشعر؟

 

 

 

قال: كان شعري مستمراً لا يتوقف، وكنت أبث في شعري حنيني لوطني مصر، وأرثي من يموت من الأهل والأصحاب.

 

 

 

قلت: هل شعرت بأي نوع من السعادة في المنفى؟

 

 

 

قال: أصدقك القول: كنت أصنع سعادتي بنظم الشعر والخطابة فوق منابر المساجد، أشرح من خلال تلك الخطب عظمة الدين الحنيف وروعة وجمال اللغة العربية، ولكن في ذلك المنفى مضت الأيام بطيئة وثقيلة، وتراكمت في جسدي العلل والأمراض.

 

 

 

قلت: وبالطبع صورت ذلك في شعرك.

 

 

 

قال: ونتيجة لهذا التصوير علت الأصوات في الوطن مطالبة بعودتي إلى مصر.

 

 

 

قلت: وعدت؟

 

 

 

قال: عدت في سبتمبر 1899.

 

 

 

قلت: عدت بلا وظيفة هذه المرة.

 

 

 

قال: اعتزلت العمل السياسي، وفتحت بيتي للأدباء والشعراء، أسمعهم ويسمعونني.

 

 

 

قلت: ومَن مِن الشعراء كان يزورك؟

 

 

 

قال: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وإسماعيل صبري.

 

 

 

قلت: لم تطل حياتك بعد عودتك من المنفى، فقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى في الثاني عشر من ديسمبر 1904.

 

 

 

قال: المعاناة لا تطيل العمر كثيراً، كانت وفاتي عن عمر لا يتجاوز السبعين عاماً.

 

 

 

قلت: يعتبرك بعض النقاد رائداً للشعر العربي في العصر الحديث، هل توافق؟

 

 

 

قال: أعتقد أنني أعطيت الشعر العربي مفهوماً جديداً حيث حررته من قيود البديع ومن ضيق الأفق، واستعدت روائعه القديمة وصياغته المحكمة، كما ربطت الشعر بحياتي وحياة أمتي.

 

 

 

قلت: يقول أحد النقاد:

 

 

 

نظم محمود سامي البارودي الشعر في كل أغراضه المعروفة من غزل ومديح وهجاء وفخر ورثاء، غير أن شخصيته كانت واضحة في كل ما نظم، فهو الضابط الشجاع، والثائر على الظلم، والمغترب عن الوطن، والزوج الحاني، والأب الشفيق، والصديق الوفي.

 

 

 

قال: أعتقد أنه أصاب كبد الحقيقة.

 

 

 

قلت: وما أهم أعمالك التي بقيت في هذه الحياة؟

 

 

 

قال: الأهم هو ديوان شعر يزيد عدد أبياته على خمسة آلاف بيت ويقع في أربعة مجلدات.

 

 

 

قلت: وأهم قصيدة لك؟ ما هي؟

 

 

 

قال: شعري كله مهم، ولكن قصيدة كشف الغمة لها مكان خاص في قلبي، فقد عارضت فيها البوصيري في بردته التي مطلعها

 

 

 

أ مِنْ تذَكُّــرِ جيــرانٍ بِـذِي سلمِ

 

 

 

مزجـتَ دَمعـاً جرى مِنْ مُقْلَةٍ بِـــدَمِ

 

 

 

أمْ هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ

 

 

 

وأوْمَضَ البَرْقُ في الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

 

 

 

قلت: هذه قصيدة طويلة.. ولكن اختر لنا بعض أبياتها لنسجلها ختاماً لهذا الحوار المثير.

 

 

 

قال: أقول:

 

 

 

يَـا رَائِـــدَ البَرْقِ يَمِّـمْ دَارَةَ العَلَــمِ

 

 

 

وَاحْــدُ الغَمــامَ إِلى حَيٍّ بِــذِي سَلَــمِ

 

 

 

أَدْعُو إِلى الدَّارِ بِالسُّقْيَا وَبِي ظَمَأٌ

 

 

 

أَحَقُّ بِالـرّيِّ لَكِنِّــي أَخُــــو كَـــــــرَمِ

 

 

 

مَنَــازِلٌ لِهَـواهَــا بَينَ جَــانِحَتِــي

 

 

 

وَدِيعَــةٌ سِــرُّهَـــا لَم يَتَّصِــلْ بِفَمِــي

 

 

 

إِذا تَنَسَّمَــتُ مِنْهَــا نَفحَـــةً لَعِبَتْ

 

 

 

بِيَ الصَّبَــابَـــةُ لعبَ الرِّيــحِ بِالعَلَـــمِ

 

 

 

فَما عَلى الدَّهْــرِ لَوْ رَقَّتْ شَمَائِلُهُ

 

 

 

فَعَــادَ بِالوَصْلِ أَوْ أَلْقَى يَـــدَ السَّلَـــمِ

 

 

 

إِذا تَلَفَّتُّ حَــوْلِــي لَمْ أَجِــدْ أَثَـــراً

 

 

 

إِلاَّ خَيَــالِــي وَلَمْ أَسْمَعْ سِوَى كَلمِي

 

 

 

فَمَنْ يَـــرُدُّ عَلى نَفْسِي لُبَــانَتَهَــا

 

 

 

أَوْ مَنْ يُجِيرُ فُؤادِي مِنْ يَـــدِ السَّقَــمِ

 

 

 

لَيْتَ القَطَا حِينَ سَارَتْ غُدْوَةً حَمَلَتْ

 

 

 

عَنّي رَسَــائِــلَ أَشْـواقِـي إِلَى إِضَـــمِ

 

 

 

لاَ تُدْرِكُ العَيْنُ مِنْهَا حِينَ تَلْمَحُهَا

 

 

 

إِلاَّ مِثَــــالاً كَلَمْـعِ البَــرْقِ في الظُّلَــــمِ

 

 

 

لا شَيْءَ يَسبِقُهَــا إِلاّ إِذا اِعتَقَلَت

 

 

 

بَنَــانَتِــي فِي مَــديـحِ المُصْطَفَى قَلَمِي

 

 

 

مُحَمَّدٌ خاتَمُ الرُّسُلِ الَّذِي خَضَعَتْ

 

 

 

لَهُ البَــرِيَّــةُ مِن عُــــربٍ وَمِنْ عَجَـــمِ

 

 

 

قَدْ أَبلَغَ الوَحْيُ عَنْهُ قَبْلَ بِعْثَتِــــهِ

 

 

 

مَسامِــعَ الرُّسُلِ قَــوْلاً غَيْرَ مُنْكَتِــــــمِ

 

 

 

قَدْ كَانَ في مَلَكُـوتِ اللَهِ مُــدَّخَـراً

 

 

 

لِدَعْـــوَةٍ كَـانَ فيهَــا صَـاحِــبَ العَلَـــمِ

 

 

 

حَتّى استَقَـــرَّ بِعَبْــدِ اللَهِ فَانْبَلَجَتْ

 

 

 

أَنْــوَارُ غُــرَّتِــهِ كَالبَــدْرِ فِي البُهُـــــمِ

 

 

 

وَاختارَ آمِنَةَ العَــذْراءَ صَــاحِبَةً

 

 

 

لِفَضْلِهَـا بَيْنَ أَهْـــلِ الحِـــلِّ وَالحَـــرَمِ

 

 

 

كِلاهُمَا فِي العُلاَ كُفْءٌ لِصَاحِبِهِ

 

 

 

وَالكُفْءُ فِي المَجْــدِ لاَ يُسْتَـامُ بِالقِيَـمِ

 

 

 

وَحِينمَا حَمَلَتْ بِالمُصْطَفَى وَضَعَتْ

 

 

 

يَــدُ المَشِيئَــةِ عَنْهَـــا كُلْفَــةَ الوَجَـــمِ

 

 

 

وَلاَحَ مِنْ جِسْمِهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا

 

 

 

قُصُورَ بُصْرَى بِأَرضِ الشَّأمِ مِن أمَمِ

 

 

 

وَمُذْ أَتى الوَضعُ وَهُوَ الرَّفعُ مَنزِلَةً

 

 

 

جَـــاءَتْ بِــرُوحٍ بِنُـــورِ اللَهِ مُتَّسِــــمِ

 

 

 

وَحَبَّــذا لَيلَةُ الإِسْرَاءِ حِينَ سَرَى

 

 

 

لَيْلاً إِلى المَسْجِــدِ الأَقْصَى بِـلاَ أَتَــــمِ

 

 

 

رَأَى بِهِ مِن كِرامِ الرُّسلِ طَــائِفَــةً

 

 

 

فَأَمَّهُــــمْ ثُـمَّ صَلَّى خَــاشِعـــاً بِهِـــــمِ

 

 

 

بَلْ حَبَّذَا نَهْضَةُ المِعْرَاجِ حِينَ سَمَا

 

 

 

بِهِ إِلى مَشهَــــدٍ في العِــــزِّ لَمْ يُــــرَمِ

 

 

 

سَمَــا إِلى الفَلَك الأَعْلَى فَنَــالَ بِــهِ

 

 

 

قَـدْراً يَجِــلُّ عَنِ التَّشْبِيهِ في العِظَــــمِ

 

 

 

يُحيِي البَرَايَـا إِذا حَانَ المَعَــادُ كَمَا

 

 

 

يُحْيِي النَّبَـــاتَ بِشُؤبُــوبٍ مِنَ الدِّيَـــمِ

 

 

 

يَـا غَــافِــرَ الذَّنبِ وَالأَلبَـابُ حائِرَةٌ

 

 

 

في الحَشْرِ وَالنَّارُ تَرْمِي الجَوَّ بِالضَّرَمِ

 

 

 

وَامنُنْ عَلَى عَبْدِكَ العَانِي بِمَغْفِرَةٍ

 

 

 

تَمحُـو خَطَــايَــاهُ في بَـــدْءٍ وَمُخْتَتَـــمِ

طباعة Email