إذا كان الشاعر أحمد شوقي قد اشتهر بلقب أمير الشعراء، فإن الشاعر محمد حافظ إبراهيم، الذي عاصره وعاش معه في مصر، حظي بألقاب متعددة، أشهرها شاعر النيل وشاعر الشعب.
ولد الشاعر محمد حافظ إبراهيم فهمي المهندس المعروف بحافظ إبراهيم في الرابع والعشرين من فبراير عام 1872 في قرية ديروط بمحافظة أسيوط، من أب مصري وأم تركية، وكانت ولادته بعد سنتين من مولد الشاعر أحمد شوقي، ولكن توفيا في عام واحد هو عام 1932، وكانت وفاة حافظ إبراهيم قبل وفاة أحمد شوقي، الذي رثاه بقصيدة عظيمة مطلعها:
قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي
يا مُنصِفَ المَوتى مِنَ الأَحيــاءِ
وحول هذه القصيدة حدثني المرحوم الدكتور محمد عبدالوهاب، الموسيقار العربي الكبير الذي كان صديقاً حميماً للشاعر أحمد شوقي، قال:
-: كانت علاقة المحبة والصداقة بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم متميزة وقوية حتى إننا أخفينا عنه نبأ وفاة صديقه حافظ إبراهيم شفقة به، لكنه عرف، وبدأ بنظم قصيدة رثاء له، وعندما التقيت به قرأ لي المطلع، وكان كالتالي:
قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي
يا مُنصِفَ الأمْــوَاتِ وَالأَحيَــاءِ
ولما وجدني صامتاً أدرك أن المطلع يجب أن يكون أقوى، فنهض وعاد بعد ساعة ومعه المطلع الذي اعتمد
قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي
يا مُنصِفَ المَوتَى مِنَ الأَحيَــاءِ
مات أبواه وهو صغير فانتقل للعيش في القاهرة حيث رعاه وأشرف على تنشئته خاله الذي كان يعمل مهندساً في مصلحة التنظيم، والذي ما لبث أن رحل إلى مدينة طنطا، فرحل معه ودرس هناك في الكتاب مبادئ الكتابة والقراءة والقرآن.
وعندما شعر أن خاله ضاق ذرعاً بكفالته، رحل عنه وعاد إلى القاهرة.
لماذا...؟
ولا بدّ لنا من لقاء هذا الشاعر للتعرف إليه عن قرب، وتمكنا من استحضار روحه، ودار بيننا حوار صريح:
-: هل كنت حقّاً عبئاً على خالك عندما رحلت عنه؟
-: أشعرني خالي أنني عبء عليه وأنه ضاق بي، لذلك تركت له أبياتاً من الشعر تسجل ذلك.
-: وماذا قلت فيها؟
-: قلت:
ثقلت عليكَ مَؤُونَتِي
إنِّي أرَاهَـا واهِية
فافرحْ فإنِّـي ذاهِـبٌ
مُتَوَجِّهٌ في دَاهِية
-: وكيف استطعت أن تدبر نفسك وأنت ما زلت صغيراً؟
-: في البداية عملت في مهنة المحاماة.
-: دون دراسة القانون؟
-: كانت مهنة المحاماة حرّة لا تشترط إجازة في القانون، بل كانت تكتفي بوجود المحامي العارف للقوانين، والذي يستطيع أن يكتب بشكل جيد ويلقي مرافعته بطلاقة ولغة سليمة، واعتمدت على قدرتي الكلامية وحفظي للشعر العربي ونظمه، ومع ذلك لم أكن مرتاحاً لهذا العمل.
-: فماذا فعلت؟
-: عدت إلى القاهرة والتحقت بالمدرسة الحربية وتخرجت فيها عام 1891 ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ في الجيش المصري.
-: وهل كنت مرتاحاً لهذا التوجّه العسكري؟
-: كان هذا العمل يشكل الفرصة الوحيدة للعيش، فأنا كما تعلم من أسرة فقيرة، وفوق ذلك عشت يتيماً، ولكن لم أقم في العمل العسكري طويلاً، فبعد إرسالي مع الحملة المصرية إلى السودان شاركت في احتجاج ضد القيادة استنكاراً لوضعنا المعيشي البائس، ما جعلهم يستغنون عني ويحيلونني إلى الاستيداع براتب ضئيل جدّاً.
-: وما حكايتك مع دار الكتب المصرية؟
-: في عام 1911 عينت رئيساً للقسم الأدبي في دار الكتب ثم ترقيت حتى أصبحت وكيلاً لها.
-: ولكنك عرفت كشاعر قبل دار الكتب، وقد أعطيت البكوية ولقب شاعر النيل بعد أقل من عام من عملك في دار الكتب المصرية.
-: هذا صحيح.
-: وهل صحيح أن شعرك قبل هذا العمل كان سياسياً بامتياز وفيه ثورة على الاستعمار البريطاني وعندما توظفت في دار الكتب تغير الاتجاه وهدأت الثورة الشعرية، هل كان ذلك خوفاً على الوظيفة؟
-: كانت وظيفتي كمسؤول في دار الكتب تشكل بالنسبة إليَّ حلماً تحقق، ففي دار الكتب أستطيع أن أجد كل الكتب والمراجع التي أحتاج إليها لتثقيف نفسي، على الرغم من أن الراتب لم يكن شيئاً يذكر، بل كان متواضعاً جداً.
-: هل نستطيع أن نعرف أسماء الذين كان لهم فضلٌ عليك وأثر في إجادتك الشعر؟
-: كان لديّ حرص شديد على حضور مجالس العلماء والشعراء، فأسمع منهم وأزداد ثقافة، ومن هؤلاء توفيق البكري الذي كنت أحرص على زيارته في بيته في حي الحرنفش، وهناك كنت ألتقي بكثير من العلماء الذين يتحدثون في الأدب واللغة.
-: كان معروفاً عنك القدرة غير العادية على الحفظ.
-: هذا ساعدني كثيراً في الإلمام بمفردات اللغة وتراكيبها من خلال الاستماع إلى من يتردّدون إلى بيت توفيق البكري.
-: أتذكر بعض هؤلاء المتردّدين؟
-: أذكر الشيخ الشنقيطي والشيخ محمد الخضري والشاعر اللغوي حفني ناصف.
-: وهل بيت توفيق البكري هو الوحيد الذي كنت تزوره؟
-: لا طبعاً، كنت أزور عدة مجالس وبيوت، ولا أنسى بيت إسماعيل صبري شيخ الشعراء.
-: ومن كان يتردّد إلى هذا البيت غيرك من الشعراء؟
-: كان يتردّد إليه أمير الشعراء أحمد شوقي وخليل مطران وأحمد نسيم وغيرهم.
-: ومَن مِن هؤلاء تأثرت به أو أثر فيك؟
-: إنه شيخ الشعراء إسماعيل صبري، لقد أفادني كثيراً في نضج شعري وصقله.
-: ومن غيره؟
-: الشاعر محمود سامي البارودي، والإمام محمد عبده.
-: عرفنا عنك يا شاعر النيل أنك عشت حياتك وحيداً.
-: نعم.. رغم أنني تزوجت.
-: هل يمكن أن تشرح لنا هذه الأحجية؟
-: الأمر بسيط، تزوجت عام 1906 من ابنة أحد أغنياء حي عابدين، ولم يستمر هذا الزواج إلا أربعة أشهر ثم تمّ الانفصال، ولم أتزوج بعد ذلك.
-: لماذا؟
-: أعتقد أنني تعلمت من تجربة الزواج الأولى أن الذين ينشغلون عن العالم بالشعر أو الأدب، لن تكون لهم حياة مستقرة مع الزوجة، الزوجة بحاجة إلى الوقت الكافي لتشعر بالرضى، ومثلي لا يمتلك هذا الوقت.
-: حافظ إبراهيم، شاعر النيل، شاعر الشعب هناك لقب آخر أراك تستحقّه.
-: وما هو؟
-: شاعر اللغة العربية.
-: لم يعطني أحد هذا اللقب، ولكن شعري في مدح اللغة العربية يؤهلني لهذا اللقب.
-: فما هي القصيدة التي تختارها لنا لننهي هذا اللقاء؟
-: هل مللت منّي؟
-: بالعكس.. أنا مستمتع بالحديث معك، ولكن على ما يبدو أنك بدأت تتعب، ولا بدّ لنا من لقاء آخر لنستكمل الحديث عن شعرك وتاريخك.
-: كما تشاء.
-: والقصيدة؟
-: أختار لك أبياتاً من ملحمة شعرية عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.
قلت: كنت سأطلبها منك.. تفضل.
قال: قصيدة ملحمية طويلة زاد عدد أبياتها على مائتي بيت.
قلت: ولكنها تحكي سيرة هذا الخليفة العادل.
قال: أنشدتُ هذه القصيدة في حفل خاص أقيم لسماع هذه القصيدة في مدرج وزارة المعارف في درب الجماميز مساء الجمعة الثامن من فبراير سنة 1918.
قلت: قلبي يصغي لك يا شاعر النيل العظيم.
قال:
حَسْبُ القَوَافِي وَحَسْبِي حِينَ أُلْقِيهَا
أَنِّي إلَى سَاحَةِ (الفَارُوقِ) أُهْـدِيهَا
(مقتل عمر)
مَوْلَى المُغِيرَةِ، لاَ جَادَتْكَ غَـادِيَـةٌ
مِنْ رَحْمَةِ اللَهِ مَا جَـادَتْ غَـوَادِيهَا
طَعَنْتَ خَاصِرَةَ (الفارُوقِ) مُنتَقِماً
مِنَ الحَنيفَــةِ في أَعْلَى مَجَــــالِيهَا
فَأَصْبَحَتْ دَولَةُ الإِسْـــلاَمِ حَـائِرَةً
تَشْكُـو الوَجيعَـةَ لَمّا مَــاتَ آسِيها
مَضَى وَخَلَّفَهَا كَـالطَّـوْدِ راسِـخَـةً
وَزانَ بِالعَـدْلِ وَالتَّقْـوَى مَغَـانِيهَا
(المَدِيحُ والتَّهَاني)
يَـا لَيْتَهُـمْ سَمِعُــوا مَا قَالَهُ (عُمَـرٌ)
وَالرُّوحُ قَــدْ بَلَغَـتْ مِنْهُ تَـرَاقِيهَا
لا تُكْثِــرُوا مِنْ مَوَالِيكُــمْ فَإِنَّ لَهُمْ
مَطامِعاً بَسَمَاتُ الضَّعْفِ تُخْفِيهَا
(إسلام عمر)
رَأَيتَ في الدِّيــنِ آراءً مُــوَفَّقَـــةً
فَـأَنْــــزَلَ اللَهُ قُــــرْآنـاً يُـــزَكِّيهَا
وَكُنْتَ أَوَّلَ مَنْ قَـرَّتْ بِصُحْبَتِــــهِ
عَيْنُ الحَنِيفَةِ وَاجْتَازَتْ أَمَـانِيهَا
قَد كُنتَ أَعْدَى أَعَادِيهَا فَصِرْتَ لَهَا
بِنِعْمَـةِ اللَهِ حِصْنـاً مِنْ أَعَــادِيهَا
خَرَجْتَ تَبْغِي أَذَاهَا في مُحَمَّـدِها
وَلِلحَنيفَـــةِ جَـبَّــــــارٌ يُـــوَالِيهَا
فَلَمْ تَكَــدْ تَسْمَعُ الآيَـــاتِ بَالِغَــةً
حَتّى انْكَفَأْتَ تُنَاوِي مَنْ يُنَاوِيها
سَمِعْتَ (سُورَةَ طَهَ) مِن مُرَتِّلِهَا
فَزَلزَلَتْ نِيَّــةً قَـدْ كُنْتَ تَنْــوِيهَا
وَيَوْمَ أَسْلَمْتَ عَزَّ الحَقُّ وَارْتَفَعَتْ
عَن كاهِلِ الدِّينِ أَثْقَـالٌ يُعَانِيهَا
(عمر وبيعة أبي بكر)
وَمَوقِفٍ لَكَ بَعْدَ (المُصطَفى) افْتَرَقَتْ
فيهِ الصَّحَابَةُ لَمَّا غَابَ هَادِيهَا
بايَعْـتَ فيهِ (أَبَا بَكْــرٍ) فَبايَعَـــهُ
عَلى الخِلافَةِ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا
وَأُطفِئَتْ فِتْنَةٌ لَوْلاَكَ لَاسْتَعَرَتْ
بَيْنَ القَبائِلَ وَانْسابَتْ أَفَاعِيهَا
(مثال من رحمته)
وَمَن رَآهُ أَمَـــامَ القِــدْرِ مُنْبَطِحاً
وَالنَّـارُ تَـأخُــذُ مِنْهُ وَهُوَ يُـــذْكِيهَا
وَقَد تَخَلَّلَ في أَثْنَــــاءِ لِحْيَتِــــهِ
مِنها الدُّخـانُ وَفُوه غابَ في فِيهَا
رَأى هُنَــاكَ أَميرَ المُؤمِنينَ عَلى
حَــالٍ تَــرُوعُ - لَعَمْرُ اللَهِ - رَائِيهَا
يَستَقبِلُ النَّارَ خَوْفَ النَّارِ في غَدِهِ
وَالعَيْنُ مِن خَشْيَةٍ سَـالتْ مَـآقِيهَا
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
القصيدة
(عمر ورسول كسرى)
وَراعَ صاحِبَ (كِسرى) أَنْ رَأى عُمَراً
بَيْنَ الرَعِيَّـــةِ عُطْــلاً وَهُــوَ رَاعِيهَا
وَعَهْدُهُ بِمُلُوكِ الفُرْسِ أَنَّ لَهَا
سُوراً مِنَ الجُنْدِ وَالأَحْرَاسِ يَحْمِيهَا
رَآهُ مُستَغـْرِقاً في نَوْمِهِ فَرَأى
فيهِ الجَــــلالَةَ في أَسْمَى مَعَـــانِيهَا
فَوْقَ الثَّرَى تَحْتَ ظِلِّ الدَّوْحِ مُشتَمِلاً
بِبُــرْدَةٍ كــادَ طُـــولُ العَهْـــدِ يُبْلِيهَا
فَهَــانَ في عَيْنِـهِ ما كَــانَ يكْبـــرُهُ
مِنَ الأَكَــاسِــرِ وَالدُّنْيَـــا بِـأَيْـــدِيهَا
وَقالَ قَـولَـةَ حَقٍّ أَصْبَحَـتْ مَثَــــلاً
وَأَصْبَحَ الجِيـلُ بَعْـدَ الجِيـلِ يَرْوِيهَا
أَمِنْتَ لَمَّا أَقَمْتَ العَـــدْلَ بَينَهُــــــمُ
فَنِمْتُ نَـــوْمَ قَرِيرِ العَـيْــنِ هَــانِيهَا
إذا كان الشاعر #أحمد_شوقي قد اشتهر بلقب أمير الشعراء، فإن الشاعر محمد حافظ إبراهيم، اشتهر بلقب #شاعر_النيل وشاعر الشعب..الإعلامي الدكتور #خليل_عيلبوني يسرد أبرز محطات شاعر النيل.#البيان_القارئ_دائما pic.twitter.com/00BfQTjwYa
— صحيفة البيان (@AlBayanNews) September 27, 2022
