الموسيقى هي لغة التواصل غير المنطوقة بين الشعوب، التي يمكن أن يفهمها جميع الناس، وكما يعرّفها علماؤها؛ هي فن التأليف بين الأصوات بتجانس يجعل الأذن البشرية تتقبلها وتستحسنها، ومن بين أنواع الموسيقى المختلفة، ثمة نوع، لم يحظ بالمعرفة الكافية في عالمنا العربي، وهو «موسيقى الشعوب»، الذي يعد علماً، ولوناً موسيقياً له جمهوره. فضلاً عن أهميته في حل النزاعات بين الشعوب وبناء علاقات الوئام بين الناس.
ويعرف مصطلح «موسيقى الشعوب» أو «الإثنوميوزكولوجي» بأنه علم الموسيقى العرقي، وهو الدراسة المقارنة للأنظمة الموسيقية والثقافات أو الدراسة الأنثروبولوجية للموسيقى، وفقاً لمجلة «مجتمع الموسيقى العرقية»، ويفحص علماء هذا العلم الموسيقى - ليس فقط بوصفها عملية اجتماعية؛ ولكن أيضاً ما تعنيه لممارسيها وجمهورها.
هذا المجال كانت له سوابق في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر؛ إلا أنه بدأ في الانتشار مع تطور تقنيات التسجيل في أواخر القرن التاسع عشر، وكان يعرف باسم علم الموسيقى المقارن حتى عام 1950، عندما تم تقديم مصطلح علم الموسيقى العرقي في وقت واحد من قِبل الباحث الهولندي للموسيقى الإندونيسية «ياب كونست».
ارتباط بالتاريخ
ويقول الدكتور أيمن عبدالله، أستاذ علم اللغويات والباحث في علم الموسيقى العِرقية «الإثنوميوزكولوجي»، إن الإثنوميوزكولوجي هو علم تأريخ الموسيقى العِرقية، فالعلم يرتبط بالتاريخ؛ وبالتالي فهي ممارسة ثقافية اجتماعية لها علاقة بعلم الاجتماع، وهذا العلم يعتبر منطقة التقاطع بين علم الاجتماع والتاريخ والموسيقى.
ويشير في تصريحات لـ «البيان» إلى أن أهمية دراسة هذا العلم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمقياس مدى ثقافة المجتمع وتوجهاته والمنظور الإنساني الخاص به، بالإضافة إلى قياس مدى تطوره أو تقدمه إنسانياً.
ويضيف: «على سبيل المثال حين كان يثور هذا المجتمع ماذا كان يفعل.. هل كان يغني أم يكتب شعراً أم ينتج موسيقى؟، فمثلاً قوة عرق ما أنه في فترة استعباده أنتج موسيقى حالية هي موسيقى (الجاز)».
وعن مدى قدرة موسيقى الشعوب على بناء علاقات الوئام بين الشعوب ونسج الوئام بين الناس، قال عبدالله إن فكرة تقارب الشعوب لها أكثر من زاوية ولكن أكثرها سلاسة هي الموسيقى على مدار التاريخ، فكان هناك دائماً تواصل بين الشعوب وبعضها من الناحية الثقافية مما يسرع من وتيرة الارتباط الثقافي بين الشعبين.
أفضل من الدبلوماسية
ويسترسل الباحث في القول: «مثلما كان يحدث ذلك بالشعر، حين كانت بعض القبائل الصغيرة أو الدويلات الصغيرة تخاطب ود الملوك كانوا يرسلون شعراً وفناً، وبعد ذلك وخصوصاً في عصر الأندلس حين كانت مزدهرة كانوا يرسلون أكثر الأصوات جمالاً وأكثر مهارة في العزف للملوك، وكان ذلك أكثر شيوعاً في عصر زرياب وهو أحد أساطين العزف في العصر الأندلسي»، وشبه ذلك بقوله: «إرسال بعض الفرق الموسيقية الشعبية لبعض الشعوب أياً كان خلفياتها العرقية أسهل بكثير وأكثر فاعلية».
بينما انتقد «عبدالله» تفاعل العرب مع موسيقى الآخر أو موسيقى الغرب، واعتبر أنها لا تصل إلى مدى عمق أنواع الموسيق الأخرى، مضيفاً: «صحيح أن الغرب لا يعرف عنك كثيراً كموسيقى شرقية أو عربية، ولكنهم يبذلون جهداً كبيراً في ذلك، لكن في الوطن العربي هناك جهد غير واضح أو غير مجدٍ في معرفة الموسيقى الغربية».
ويسهب قائلاً: «دراسة موسيقى الآخر ليست موجودة في الوطن العربي إلا فيما يخص المعهد العالي للموسيقى العربية ويحدث في دراسة الموسيقى الكلاسيكية وبعض الأنواع الموسيقية الأخرى ولكن بشكل نظري أكثر منه عملي».
ويذكر «عبدالله» أيضاً معهد صفاقس بتونس الذي يعتبر من المعاهد الموسيقية التي لها شأن في الوطن العربي، لكن الأمر يقتصر أيضاً على الموسيقى الكلاسيكية، لذلك لا يوجد مجهود لاكتشاف أو التعرف على الموسيقى الشعبية.
ويعدد الباحث في علم الموسيقى العِرقية قائلاً: «لا يوجد أحد يحاول فهم الموسيقى البلغارية، أو حتى البايب ميوزك، أو حتى الموسيقى الشعبية الأمريكية، ألمانيا وفرنسا تمتلكان موسيقى شعبية في قمة الجمال، أفريقيا أيضاً لديها الموسيقى حدِّث ولا حرج عن موسيقى الشعوب في أفريقيا».
لذلك يرى «عبدالله» أن الموسيقى ستسهم في حل النزاعات بين الشعوب حين تكون هذه الشعوب على مستوى رقي ثقافي واجتماعي.
وعن عدم معرفة العالم العربي بموسيقى الشعوب، قال إن الغرب يؤسس قسماً أو مجالاً علمياً للإثنوميوزكولوجي، متمنياً أن يرى هذا العلم منتشراً بشكل وبصورة أكبر في المجتمعات العربية.
الموسيقى الماكارونية
وتتفق الدكتورة ياسمين فراج، أستاذ النقد الموسيقي بمعهد الموسيقى المصري أن الموسيقى والغناء هما أداة مهمة من أدوات الثقافة في أي بلد كان، وتقول: «عندما نتحدث عن الثقافة فنحن نتحدث عن سياسات إقليمية أو دولية، لأن ما هو سياسي يتبع ما هو ثقافي، مؤكدة أن انحياز الأنظمة السياسية لاتجاه ثقافي بعينه هو الذي يحدد شكل المجتمع ومستقبله، وبناءً على ذلك فإننا عندما نتحدث عن الموسيقى والغناء فإننا نتحدث عن سياق سياسي ومجتمعي، انعكست صورته على فنونه خصوصاً موسيقاه وأغنياته».
وتشير في كتابها دراسات في النقد الموسيقي الصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، وفي دراسة تحت عنوان «الموسيقى الماكارونية»، أن الأغنية هي عمل فني ينتج عن امتزاج نصين مع بعضهما، هما النص الشعري والنص الموسيقي يكملهما صوت يشدو به فنان موهوب، أو يؤديه أي شخص.
تدريبات خاصة
يتلقى الأفراد الذين يتخصصون في علم الموسيقى العِرقي تدريباً في الموسيقى، أو الأنثروبولوجيا الثقافية، أو الفولكلور، أو دراسات الأداء، أو الرقص، أو دراسات المنطقة، أو الدراسات الثقافية، ودراسات النوع الاجتماعي، والدراسات العرقية أو الإثنية، أو مجالات أخرى في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وسائل بحثية
تشيلسي جرين، وهي مدرسة في قسم الموسيقى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تقول:
«هناك وسائل بحثية في موسيقى الشعوب والتي تتشابه إلى حد كبير مع الوسائل المستخدمة في قسم علوم الاجتماع والإنسان والنفس والمصريات، بل ووسائل أخرى تكون مألوفة لدى العلماء، وبالتالي، حينما نمعن النظر في دراسة الحالات الخاصة بعلم موسيقى الشعوب نركز فيه على الثقافة».




