بعض المدن لا يعجزها التحدي، تتجاوزه وتحوله إلى فرص، وسرعان ما تحلق عالياً في الفضاء، وكذلك هي دبي، التي تعرف أن المستقبل ثقافة واقتصاد، وتحولت في غضون عقود معدودة إلى مدينة عالمية مبدعة، تستقبل ثقافة المستقبل واقتصاده، بينما تحافظ على أصالتها التي تبرز في تصاميم بعض مناطقها ومبانيها، واهتمامها أيضاً بحداثة التصميم الذي أدخلها شبكة «المدن المبدعة»، التابعة لمنظمة اليونسكو، لتكون أول مدينة عربية تنضم للشبكة العالمية التي تضم 246 مدينة حول العالم.

5 سنوات هي المسافة الزمنية الفاصلة بين انضمام دبي إلى شبكة المدن المبدعة وبين يومنا هذا، خلالها حققت المدينة قفزات نوعية على الصعيد الإبداعي زادت من ثراء مشهدها الثقافي والفني، الذي بات يعكس حيوية وتطور دبي بوصفها جاذبة للاستثمار الأجنبي والسياحة، وخلال هذه الفترة وضعت الإمارة أسساً لتطوير اقتصادها الإبداعي، الذي تسعى لأن تكون عاصمته في 2025، عبر تطوير أدواته وتنويع مصادره وتعزيز قوة الصناعات الثقافية الأساسية، التي ستلعب دوراً بارزاً في الإنجازات المستقبلية لدبي، في إطار سعيها لأن تكون مدينة إبداعية عالمية، وهي التي اعتلت العرش على مستوى الشرق الأوسط واحتلت المرتبة الـ17 على مؤشر «المدن العالمية القوية 2021»، الصادر عن معهد الاستراتيجيات الحضرية التابع لمؤسسة موري ميموريال اليابانية، لتتفوق بذلك دبي على مدن عريقة مثل كوبنهاغن ولوس أنغليس وبكين وبرشلونة وغيرها، فيما احتلت دبي المركز الخامس عالمياً في معيار التفاعل الثقافي ضمن نفس المؤشر.

مساحة

ويمتاز القطاع الثقافي في دبي بـ«حيويته»، وبمنحه مساحة جيدة للشركات الصغيرة والمتناهية الصغر، التي تلعب عبر إسهاماتها المتعددة دوراً مهماً في تنمية الصناعات الثقافية، تصل نسبته إلى 56% بحسب تقرير «دبي الإبداع: الصناعات الثقافية المتنامية في الإمارة» الصادر عن هيئة دبي للثقافة والفنون «دبي للثقافة»، في حين تترجم بيانات «مرصد دبي للاستثمار» التابع لمؤسسة دبي لتنمية الاستثمار، إحدى مؤسسات دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي، القفزة النوعية التي شهدتها دبي خلال السنوات الخمس الماضية بالأرقام، عبر رصد حجم تدفقات رؤوس أموال الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات الثقافية والإبداعية بدبي، التي وصلت إلى 50.9 مليار درهم، خلال الفترة من 2017 وحتى 2021، وفي الواقع أن هذا الرقم يعد دليلاً على مدى اهتمام دبي بالصناعات الثقافية والإبداعية التي تبدو بمثابة وسيلة ستمكن الإمارة من التربع على عرش المدن الإبداعية العالمية، ما يجعل الرهان عليها مستقبلاً عالياً.

بيانات «مرصد دبي للاستثمار» التي كشف عنها في مايو الماضي، تبدو مغرية للتحليل، فقد جاءت مؤكدة لما خلصت إليه بيانات فايننشال تايمز «إف دي آي ماركتس»، التي أشارت إلى احتلال دبي المرتبة الخامسة عالمياً من حيث عدد المشاريع، والمركز الثامن من حيث رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة في الاقتصاد الإبداعي، والمركز الرابع من حيث عدد الوظائف المستحدثة بفضلها خلال تلك الفترة، والبالغة 32,542 وظيفة قام بتوفيرها 787 مشروعاً جديداً شهدتها دبي خلال الفترة من 2017 – 2021.

جذب

تلك الأرقام تقودنا إلى معاينة طبيعة البيئة الإبداعية التي خلقتها دبي على أرضها، حولتها إلى «مدينة جاذبة» للمواهب المبدعة، التي تستفيد من جم التسهيلات التي تقدمها المدينة، وعلى رأسها «الإقامة الذهبية» والمناطق الإبداعية المختلفة، ومن بينها منطقة القوز الإبداعية والمناطق الحرة، ومنها حي دبي للتصميم ومدن «دبي للإعلام» و«دبي للاستوديوهات» و«دبي للإنترنت» و«دبي للإنتاج»، التي تتكاتف جميعها في سبيل تقوية عود اقتصاد دبي الإبداعي.

لتلمس طبيعة البيئة الإبداعية في دبي وفهمها، لا بد من فهم وتيرة حركة تأسيس وإنشاء المشاريع والشركات الإبداعية في دبي، بوصفها منطقة جاذبة لصناع المحتوى الإعلامي، والموسيقى والسينما ومعها بقية الصناعات الإبداعية الأخرى المتمثلة في النشر والفنون البصرية والأدائية والأدبية وغيرها، ولعل اللافت في هذا الجانب يكمن في تعاون الشركات العاملة في هذا القطاع مع بعضها، بهدف دعم القطاع والمواهب العاملة فيه، وهو ما يمكن قراءته في إطلاق شركة «جي إكس آر ريكوردز» (GXR Records) المتخصصة في نشر وصناعة تسجيلات للموسيقى المستقلة، حيث جاءت الشركة نتاج تعاون بين «غلاكسي راسير» (Galaxy Racer) المتخصصة في الرياضة الإلكترونية، وصنّاع المحتوى، والموسيقى، ونظيرتها «إمباير» (EMPIRE) المتخصصة في مجالات النشر وصناعة التسجيلات والتوزيع، وكافة هذه الشركات تتخذ من دبي مستقراً لها.

أسباب

الاستفادة من بيئة دبي الجاذبة، ومحاولة تطوير الصناعات الثقافية فيها، كان واحداً من أبرز الأسباب التي أدت إلى ولادة الشركة الجديدة التي يقول مديرها التنفيذي إيليا مساوير لـ«البيان» إن «دبي بنت نفسها بسرعة كبيرة من خلال تركيزها على تحقيق أهداف ضخمة، وهو ما مكنها من صنع التاريخ»، مضيفاً: «ندرك جميعاً أن الموسيقى تعد جزءاً أساسياً من الاقتصاد الإبداعي، وقد اهتمت دبي بهذا الجانب كثيراً، ونجحت في التأسيس لبنية تحتية قوية أسهمت في خدمة هذه الصناعة ومعها الصناعات الثقافية الأخرى، التي تعمل ضمن بيئة إبداعية جاذبة، بدت بالنسبة لنا مشجعة لإطلاق العنان لعملياتنا في دبي من خلال «جي إكس آر ريكوردز»، حيث سنعمل من خلالها على إنتاج موسيقى من الدرجة الأولى لم يسبق للعالم أن اكتشفها، وقد ساعدنا في ذلك طبيعة التنوع الثقافي وتعدد الجنسيات في دبي»، منوهاً بأن الشركة ستركز انطلاقاً من دبي، على تنمية المواهب في مناطق غرب آسيا وشمال أفريقيا، مع خطط لإطلاق مهرجان الموسيقى الخاص بها في المنطقة.

تأسيس «جي إكس آر ريكوردز» في دبي يبدو مثالاً حياً على التطور الملموس الذي يشهده قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في دبي، بوصفه واحداً من أهم القطاعات الجاذبة للاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة وكذلك المواهب، وبيانات مرصد دبي للاستثمار تؤكد ذلك عبر إشارتها إلى أن نسبة المشاريع الاستثمارية الجديدة خلال 2017 - 2021 بلغت %71،بينما شكلت مشاريع الاندماج والاستحواذ نسبة %12 من عدد المشاريع الكلّي، ووصلت نسبة مشاريع إعادة الاستثمار إلى %9، والمشاريع المشتركة إلى 2 %،وأنواع الاستثمار الجديدة إلى %5 من إجمالي عدد المشاريع الاستثمارية في الصناعات الثقافية والإبداعية.