تصاميمه وألوانه تحاكي «الجامع الأزرق» في إسطنبول

مسجد الفاروق عمر بن الخطاب معلم حضاري يشع نوراً وتنويراً

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

مساجد دبي لها مكانة خاصة في قلوب الناس، فمن بين جنباتها يشع نور الإيمان، وهي حواضر علمية وثقافية.

إنها بيوت أذن الله أن يذكر فيها اسمه، إذ يدخلها الناس من كل حدب وصوب ويجدون بين جدرانها السلام والطمأنينة.

كما تمتاز مساجد دبي بجماليات معالمها وتفاصيلها العمرانية الإسلامية، لتعيد إلى الذاكرة بعضاً من إبداعات المعمار التقليدي.

وأيضاً يتسم جزء مهم منها، بتصاميمه الحديثة التي تنطق بلغة العصر التي تثري عقد ألق وتفرد دبي.

«البيان» وعبر سلسلتها «مساجد دبي» تفتح العيون على جماليات بيوت الله تعالى في المدينة، التي تزينت بآيات من الذكر الحكيم، لتكون «نور على نور». ونحكي اليوم عن مسجد الفاروق عمر بن الخطاب.

مقام المساجد في الأرض وغايتها تصبو إلى السماء، فيها نصلي لرب كريم، يكرمنا برحمته الواسعة، وبين جدرانها نتضرع، ونرفع أكفنا إلى رب عظيم، وندعوه بإخلاص بأن يجمل حياتنا بالخير والبركة ويثبت إيماننا ويجعلنا مخلصين وثابتين في مسارنا على نهج الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام.

وتتجلى تلك الأجواء الإيمانية متميزة مفعمة بالقيمة والسكينة ونحن بين يدي الله جل وعلا، في مسجد الفاروق عمر بن الخطاب، الذي سمي تيمناً بثاني الخلفاء الراشدين، رضي الله عنه، والذي عرف بعدله وإنسانيته. ويقع المسجد في منطقة الصفا 1 بدبي.

تصميم فريد

5 ساعات هي المسافة الفاصلة بين دبي وإسطنبول، كلاهما مدينة تنبض بالحياة، وتشتركان معاً في «الجامع الأزرق»، حيث شيد على أرض الثانية «الجامع الأزرق» خلال الفترة 1609- 1616، وسمي بـ«جامع السلطان أحمد»، بينما شيد على أرض دبي في 1986 وسمي بـ«مسجد الفاروق عمر بن الخطاب».

حيث تعانق مآذنه السحاب، بينما طليت قبابه بلون أزرق فاتح، وبنيت جدرانه من حجر ناصع البياض، ما إن تراه حتى يهفو له الفؤاد، ويتعلق به سريعاً، فكل ما يحيط بهذا المسجد، الذي شيد على نفقة خلف بن أحمد الحبتور، ينطق بالجمال، لا سيما أنه يحاكي في تصاميمه المعمارية «الجامع الأزرق» في إسطنبول.

بين جنبات هذا المسجد تسكن رحمة واسعة، والتي تشعر بها وقد ملأت القلب، بمجرد أن تلج بواباته الضخمة، وتقف في محرابه الثري بالزخرفة، والمزين بقول رب العزة:

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). أمام محرابه ستقف طويلاً مذهولاً، مطلقاً العنان لناظريك لأن تتأملا تفاصيل الزخرفة، بينما لسانك يلهج بآيات الذكر التي تزين جدران المسجد، يخفق قلبك سريعاً وأنت تقرأ (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

حيث تشعر بأن النور قد ملأ فضاء المسجد، الذي أرسيت قواعده قبل 36 عاماً، آنذاك لم يكن على هيئته الحالية، فقد كان أصغر حجماً، ليتم توسعته لاحقاً وتحديداً في 2003، ليبقى على هيئته تلك سنوات قليلة قبل أن يصار إلى إعادة بنائه في 2011، ويصبح بذلك واحداً من أكبر المساجد في دبي، بعد أن مدت مساحته على نحو 8700 متر مربع، ليزيد ذلك من قدرته الاستيعابية.

حيث بات المسجد يتسع لنحو 2000 مصل، وقد تحول إلى منارة للعبادة، شيدت بتصاميم إسلامية عريقة، ونفذت بحرفية عالية، بعد أن جمعت في ثناياها بين العمارة العثمانية ونظيرتها المغربية، تشد ناظريك بتفاصيلها الدقيقة.

60 حِرفياً ونحاتاً

كل ما في داخل مسجد الفاروق عمر بن الخطاب، ينبض بالجمال، بدءاً من بواباته الضخمة، ومروراً بأعمدته الضخمة ومحرابه وجدرانه، وليس انتهاء بقبابه، التي يصل عددها إلى 21 قبة، وقد طرزت بألوان الجمال، وزخارف جصية صبغت بألوان بهية، قد زادت من ألق المشهد.

تصميم مسجد الفاروق عمر بن الخطاب يبدو لافتاً للعين، فهو يحاكي في شكله الخارجي الطراز العثماني، الذي أبدع فيه المعماري الشهير «سنان»، حيث لا تزال بصماته حية على عديد الأماكن في إسطنبول، في حين بدا التصميم الداخلي للمسجد مختلفاً.

حيث استلهم من الطراز التركي، ونظيره المغربي، ليس في زخرفته النباتية وحسب، وإنما في الخطوط العربية، التي كتبت بها آيات الذكر الحكيم، حيث تبين المعلومات المدونة في مدخل المسجد بأن أعمال نحت جدرانه الداخلية استمرت لنحو عامين، وقد نفذها نحو 60 حرفياً ونحاتاً أحضروا من المغرب خصيصاً لذلك.

يتميز مسجد الفاروق عمر بن الخطاب، الساكن بكل هدوء في منطقة الصفا 1، بنوافذه المصنوعة من الزجاج المعشق بألوان عدة.

وقد وصل عددها إلى 124 نافذة، ومع مرور الوقت تحول إلى منارة إيمانية بديعة، وهو الذي يحمل على ظهره 4 مآذن شامخة يصل طول كل واحدة منها إلى 65 متراً، لكل واحدة منها شرفتان، وقد بنيت تماماً على النسق العثماني الذي وضعه المعلم «سنان» للجامع الأزرق في إسطنبول.

منارة حضارية

مسجد الفاروق عمر بن الخطاب لم يشيد ليكون مجرد مسجد فقط، وإنما ليكون منارة حضارية تضيئ بتعاليم الإسلام، ومركزاً إسلامياً حضارياً قادراً على إظهار دور المسلمين في الحضارة العالمية، ومشيعاً للتحاور الإنساني، فهو يضم بالإضافة إلى قاعة الصلاة الرئيسية.

وتلك المخصصة للنساء، قاعة للمحاضرات، ومكتبة تضم ما يقارب 3 آلاف عنوان، وأخرى للقراءة والمطالعة وفصول دراسية، حيث يقدم دروساً للناطقين بغير العربية، وأخرى تتصل بالشريعة والفقه والتفسير، ما جعله وجهة لكل أولئك الذين يبحثون عن نور الإيمان.

 
طباعة Email