نصوص الغربة مواجع حنين وأزمة اندماج

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

الهاجس الأدبي يحدد توجه القصيدة والقصة والرواية، وكثيراً ما يخلق موضوعاته. لكن تجربة الهجرة والاغتراب لها وقع يشبه الصدمة أحياناً، وهذه التجربة الصعبة قادرة على زلزلة الهاجس الأدبي، وبالتالي تغيير الموضوعات. وهنا يكون التساؤل الأكثر إلحاحاً: عم يكتب الأدباء العرب المغتربون في الوقت الراهن؟ وهل ينجون من ثنائية الحنين إلى الأوطان، والرغبة في الاندماج في المجتمعات الجديدة؟

«ما إن نبدأ ببناء حياتنا في مستقرنا الجديد حتى نكتشف أننا مسكونون بالوطن، بالأهل، بالأصحاب، بالأماكن، ويبدأ الحنين يستعر في مواقده». هكذا يفتح نادر حاج عمر، كاتب فلسطيني مقيم في ألمانيا، مواجع الحنين، لكنه سرعان ما يلحقها بحلم سعادة التلاقي الإنساني، إذ قد تصيبهم الرّهبة في الإقدام، لكنهم يمضون. يقتربون من الآخر، ويتعاطون أساليب حياة جديدة، ويحملون تحت الجلد موروثهم الثقافي، وتبدأ مسيرة التوافق بين المد والجزر في الطريق للاندماج والتكامل.

يكتبون في كل القضايا الإنسانية، لكن الغربة تظهر عمق الشرخ في أرواحهم، يجلسون هنا ويكتبون عما هناك، أو يكتبون عما هو هنا ليقارنوه بما هو هناك: «كل شيء يقاس وفقاً لدمشق، الهواء والماء والنساء والرجال، التراب والصخر، البؤس والشقاء، الفرح والحياة.. كل شيء.. كل شيء..».

ويقول: «نكتب عن النساء والحرب والحب، عن الظلم والجوع والمرض والعزلة، عن الوطن والهزيمة والنصر، والخذلان. نكتب عن كل شيء، ما يختلف زوايا الرؤية، ومساحة الحرية، والمعرفة الجديدة، إضافة إلى ندوب الغربة الروحية التي استجدت».

رابط قوي

«لا أنفك أكتب عن الوطن. ففي أعمالي الأدبية العربية، أو المترجم منها ترى الوطن ساطعاً في ثنايا كل قصة أو سرد». بهذا الرابط القوي يعزز حسام رمضان، كاتب فلسطيني مقيم في ألمانيا، تمسكه بالوطن في كتاباته. ويقول: «ليس لدي شك أن الوطن في العمل الأدبي، وخاصة في ذلك الأدب الذي يكتب خارج حدود الوطن، ويزيد الكلمة قوةً، والحرف جمالاً، والوصف إسهاباً، والمعنى عمقاً».

ويكاد يجزم أن كل كاتب هجر عن وطنه عنوةً، أو رحل بإرادته باحثاً عن مستقبل أفضل له، لا يستطيع أن ينجو من الحنين لوطنه. ومهما حاول الاندماج في مجتمعه الجديد أو ادعى أن بإمكانه الإفلات من مدار بلده الأم، تظهر له أعمال أدبية جديدة تكشف سرائره وتفضح مشاعره المكنونة الصادقة، مشيراً إلى أن الوطن يعيش داخلنا ولو كنا نعيش خارجه.

صدمة

لم يتسنَ لمنصور المنصور، كاتب سوري مقيم في السويد، الوقت للشعور بالحنين، ليس لأن الوطن سيئ إلى حد نسيانه، بل لأنه وحسب وصفه فإن ما ارتكب بحقه وأمثاله كبشر ووطن هائل جداً. ويشبه حالته بالعائلة التي فقدت عزيزاً عليها ولم تدفنه بعد، فكيف تشعر بالحنين إليه. يضاف إلى ذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت كل شيء في متناول الإنسان.

أما بالنسبة للاندماج فقد كتب رواية «الحي الشرقي» حاول من خلالها تفسير سبب فشل الاندماج في الدول الأوروبية عموماً وفي السويد خصوصاً.

الاندماج من وجهة نظره ككاتب موضوع شائك ومعقد ومقلق، نظراً لحجم المشاكل التي يتعرض لها المهاجر، ولأن الاندماج بحد ذاته يشكل صدمة لكلا الطرفين: الضيف والمضيف.

يوجه المنصور النقد للحكومات الأوروبية لأنها ركزت على تعلم اللغة وسوق العمل والقوانين ذات الصلة، لكنها لم تركز على الجانب الثقافي الذي يشكل جوهر وعصب الاندماج، ومنه تنطلق كل التناقضات بين ثقافتين متناقضتين جداً.

قلق

سحر زيناتي، كاتبة وشاعرة ومترجمة فلسطينية مقيمة في فرنسا، ترى أن الكاتب يواجه مشاكل معقدة في الغربة، حين يصعب تقديم نفسه وأفكاره في البيئة الجديدة. وأن وجوده في تلك البيئة، يؤثر على مضمون الكتابة، إذ يستحوذ هذا الجديد على موضوعاته لتلامس تفاصيله وتعكس اهتماماته. وهذه مشكلة حسب وصفها ذات وجهين، فقد تتنامى مع الزمن، أو العكس، حيث يخف تأثيرها ويصير التواصل والتعبير أكثر سلاسة.

في المقابل تجد أن صعوبات الإنتاج باللغة الأم تزيد المشكلة تعقيداً، مع صعوبة الطباعة والنشر والتوزيع، بسبب الكلفة العالية جداً، تقابلها صعوبة الطباعة والتداول عن بعد، ومشاكلها في أوطاننا. الأمر الذي يزيد من الإحساس بالغربة في مهنة الكتابة، وبالتالي بذل جهد أكبر في هذا الاتجاه.

وعليه، فإن الكاتب في قلق دائم من احتمال فقده لقرائه، بسبب الغربة وبسبب غلاء أسعار الكتب الورقية والإلكترونية.

عزلة

نجوى جمعة، كاتبة فلسطينية مقيمة في ألمانيا، كتبت عن شقاء النساء وعن أحلامهن، وعن الطبيعة وصدمة جمالها وعدم احتمال سحرها وسكينتها في قصر العزلة في مدينة شتوتغارت في ألمانيا وهي ابنة الضوضاء وهدير الطائرات.

وتقول: إنني هنا مع عزلتي بعيدة عن كل ما يثير الكآبة في النصوص ووصولي حد التشبع من الكتابة عن الوجع وددت لو أكتب شيئاً مختلفاً، لا خوف فيه ولا قلق، ورغم أنني شعرت أنني أخون واقعي وذكرياتي إن فعلت، إلا أنني بدأت الكتابة عن قصر العزلة مزيج من أدب الرحلة والمغامرة واخترت اسم «مائة ليلة في قصر العزلة» للكتاب، وعقدت العزم على الكتابة كل يوم شيئاً عن قصر العزلة، بما فيه من جمال وأسرار وأشباح.

إعادة توازن

أما فواز قادري، شاعر سوري مقيم في ألمانيا، فيرى أن المكان سوف يكون الشغل الشاغل للكاتب المغترب، سيطول الزمن أو يقصر، حتى يستطيع أن يتوازن ويتجاوز أثر الزلزال النفسي والروحي، في الحالتين سيكتب العيش والحلم، باختلاف المكان سيكون المحمول ثقيلاً.

يصف الحنين بأنه جلاد ظالم، يحجب وضوح الرؤية في الحالات العادية، فكيف بحالة المبدع السوري الأكثر من استثنائية. وعن تجربته يقول: مرّت سنوات كثيرة لم أستطع تقريباً كتابة أي شيء مهم عن ميونيخ التي عشت فيها، أنا الذي يحب كل الناس والأمكنة التي لا يعرفها، حتى لو كانت محطة في الطريق تحتضنه لدقائق عابرة.

بعد ذلك يضيف بأنه أحس بخطيئته وخجله من الناس الذين تعرف عليهم، وكتب ديوان «أناشيد ميونيخ المؤجلة» عن تجربة ومفهوم العيش في القصيدة والحياة معاً، وهو يعني له الكثير.

طباعة Email