«لا تجعلوا إعاقتكم تمتد إلى أرواحكم كما وصلت إلى أجسادكم»، قول باح به عالم الفيزياء النظرية البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ، ذات يوم، حمل فيه الكثير من الأمل لأولئك الذين فقدوا في لحظة ما الشعور بأجسادهم، ولكنهم تجاوزوا محنتهم بعدم دخولهم حدود العزلة، وعدم الركون إلى الراحة، وقد انطلقوا نحو الحياة لاستكشاف جمالياتها وحيويتها. وكذلك هو الفنان الأثيوبي بروك يشيتيلا، الذي ما أن وصل إلى عتبة سن الـ17، حتى أصيب بمرض الاعتلال العصبي الوراثي المعروف باسم (شاركوت ماري توث) الذي أفقده الحركة والإحساس بأطرافه، لكن يشيتيلا الواقف حالياً على عتبة عقده الرابع، لم يدع للمرض مجالاً لأن يتغلغل في روحه، ليشهر في وجهه ألواناً وفرشاة، يستعين بها لتلوين نظرته نحو الحياة، ليضحى اليوم فناناً تشكيلياً وكاتباً ومتحدثاً مؤثراً.
لوحات جمالية
في مرسمه الخاص بـ«ميزيوم هاب» في سوق المرفأ بدبي، يمدد يشيتيلا جسده النحيل على سرير أسود، وفارداً على الأرض نصب عينيه ألواناً تعود سكبها على لوحات الكانفس، محولاً إياها إلى لوحات تنقط جمالاً. لا يبالي يشيتيلا بالمارون من حوله وبأولئك الذين تستوقفهم أعماله الفنية المعلقة على الجدران، ومن بينها لوحات لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وغيرها من الأعمال الأخرى، وكل تركيزه وعينيه منصب على إنجاز لوحة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقد قارب هو على الانتهاء منها، عبر وضعه لمساته النهائية عليها.
بيئة إبداعية
يخبرنا يشيتيلا بأنه مر نحو 5 أشهر على مغادرته مسقط رأسه في أثيوبيا، ليحط رحاله في دبي، حيث وجد فيها فرصته، وهو الذي تحمل «وجع المرض» وتحداه باحتراف الفنون التشكيلية وفنون الكتابة والخطابة أيضاً، ويقول: «وصلت إلى دبي منذ 5 أشهر فقط، ووجدت فيها ما كنت أبحث عنه طوال الوقت، حيث أشعر بأنها بيئة إبداعية لكونها واحة تلتقي تحت ظلالها ثقافات الدنيا التي فتحت دبي عيني عليها، لدرجة لم أعد فيها بحاجة إلى السفر لأي مكان آخر لاكتشاف الثقافات وتفاصيلها، فقد منحتني دبي فرصة التعرف على ملامح هذه الثقافات، وبناء جسور صداقة مع أشخاص ينحدرون من ثقافات مختلفة، الأمر الذي وسع من مداركي ومعرفتي».
معارض
يرسم يشيتيلا ابتسامة على ملامحه، وهو يتحدث عن إنجازاته في دبي، قائلاً: خلال 5 أشهر فقط استطعت العمل في مرسمي الخاص بـ«ميزيوم هاب»، أن أنظم وأشارك في 3 معارض فردية وجماعية في دبي، وهو ما أعتبره إنجازاً جميلاً، يزيد من قدرتي على تحدي حالتي الصحية، وتجاوزها لتحقيق المزيد، مضيفاً: «لقد منحني المرسم فرصة التركيز على أعمالي الفنية، التي أنجزها وأنا مستلق على صدري، بسبب عدم قدرتي على تحريك أطرافي». المعارض الثلاثة التي تحدث عنها يشيتيلا تعد جزءاً مهماً من سيرته المهنية، وهو الذي استطاع منذ احترافه الرسم قبل سنوات أن يقيم نحو 20 معرضاً فنياً جماعياً وفردياً جلها كانت في بلده أثيوبيا.
إرث ثقافي
جدران مرسم يشيتيلا عامرة باللوحات، جلها مستلهم من ثقافته الأصلية، وتنتمي إلى المدرسة التجريدية، ويقول: «الكثير من اللوحات مستلهمة من ثقافتي الأثيوبية وتحاول أن تبرز جانباً من الاعتقادات السائدة هناك، خاصة فيما يتعلق بتلك الحجارة التي يحملها الإنسان على رأسه، والتي تمثل اعتقاداً سائداً في بلادي التي تحمل إرثاً ثقافياً وتاريخياً كبيراً»، مبيناً بأن تلك الحجارة فيها رمزية عالية إلى «الخطايا» التي يحملها الإنسان على ظهره. لكن لوحات يشيتيلا تبدو مغايرة في طريقة صنعها، حيث تعمد ثقبها بمجموعة من الدوائر، التي قال عنها: «الفكرة من هذه الدوائر هي إظهار ما يوجد خلف اللوحة، ما يكسبها لوناً إضافياً خاصة عندما تكون معلقة على جدار أبيض اللون، حيث يسهم ذلك في كسر حدة الألوان».
طريق يشيتيلا ووصوله إلى الاحتراف لم يكن مزروعاً بالورود، وبحسب قوله، فقد بدأ العمل بالألوان الزيتية التي أضرت برائحتها صدره كثيراً، ليضطر إلى تبديلها نحو ألوان الاكريليك، مشيراً إلى أن الرسم وهو مستلق على صدره لم يكن هيناً، فكثيراً ما قد سبب له ذلك صداعاً في الرأس وتعباً في عينيه، ولكنه استطاع أن يتجاوز ذلك عبر تدريب نفسه على وضعيته الجديدة.
بروك يشيتيلا فنان أثيوبي يتحدى المرض بالفنونhttps://t.co/xqq3zNAGYM#البيان_القارئ_دائما pic.twitter.com/ZQoaBt7Wuq
— صحيفة البيان (@AlBayanNews) August 30, 2022

