«غرفة يوسف».. ذاكرة البيت ومراياه

ت + ت - الحجم الطبيعي

«في المرآة.. نتجنب وعورة السكوت ومشقة الكلام، وفي الليلة الماضية عشر، كانت المرآة وحدها جديرة بالابتهاج. الليل لا يزال قائماً، والأجواء ملبدة بأذان السؤال..».. (ع.م.س)

غرفة العنوان

«غرفة يوسف»، هو عنوان الكتابات الأدبية لمؤلفها الصديق الشاعر أحمد عيسى العسم؛ و«العنوان»، هي دار نشر تعود لصاحبها الصديق القاص محسن سليمان، والتي تولت إصدار وتوزيع الكتاب في النصف الأول من العام الجاري 2022.. فأين المحل من الإعراب المكاني والزماني لـ«غرفة يوسف» العنوان، في «غرفة يوسف» الكتاب..؟!

هل هي «غرفة البحر» الكائنة في المنزل القديم لعائلة العسم، بما فيها من أدوات مستغرقة في نومها، تعود في ملكيتها إلى أبيه وإلى أمه، وألبوم الصور العائدة إليه، وصدفات البحر المخبأة في صندوق منذ أربعين عاماً؟!

أم هي «غرفة وسط» التي أراد لها أحمد العسم (أن تكون بلا باب ولا نافذة، وأن يكون سقفها مفتوحاً للمطر والشمس والحياة، وأن تُضاء من القلب بالحب والسرور من الصدور. تدفعهم إلى اليقين، وتجعلهم متعددين متسامحين يقظين. لا ينظرون إلى الخطأ، ويتجاوزون الحالات الضيقة إلى الأفق الأرحب غير متأزمين. يحملون عناوين سعادتهم، ليكتبوها أغنية شتاء)..؟!

أم هي (الغرفة - الصالة) التي وضع فيها أحمد العسم ثلاجة صغيرة أهداها إياه ابن أخته المخرج الإماراتي حمد صغران.. الصالة التي خصصها العسم لكتابة السيرة: (في الصالة دفء المساحة. لا خوف من قلق شاعر. الإخلاص نصٌّ مفتوح يفيض. الحنين ذاكرة وأشياء. يبحث الماضي عن بصيص. ما الذي يتركه الاحتمال في ساعة اليد؟).

«إلى خالي يوسف: ربما أراكَ في أحلامي، وأشير لك في كتاب».

هكذا، بصريح العبارة، أهدى الشاعر أحمد عيسى العسم كتاباته الأدبية «غرفة يوسف» إلى خاله «يوسف»، ممهداً للدخول في مناخات الغرفة الأدبية بقوله: «خالي يوسف، ود. محمد بن يوسف هو خال أمي.. مات بعيداً وترك عظامَه في بلادٍ أخرى، ولم تكن له غرفةٌ خاصة في بيته، وكان له هذا الكتاب».

تُرى.. من هُو الخال يوسف؟ ومتى وأين مات..؟!

هكذا طَرقْنا الباب، وهكذا أتانا الجواب: «يوسف محمد بن يوسف الزعابي، وأظنه مات في أربعينيات القرن العشرين، وقيل في البحرين».

بيت إبداعي

«غرفة يوسف»؛ بيت إبداعي جديد يُنْسب إلى الأديب الشاعر أحمد عيسى العسم، فيه ما فيه من غرف واغترافات واعترافات وأعراف وطقوس في أزمنة متفرقة من الحياة، لتبقى «غرفة يوسف» هي الغرفة الاسم، والغرفة الأم التي تتناسل منها الحكايات على مدى 228 صفحة، بدءاً من العنوان المحرض على البحث والتحري في باطن حروفه الثمانية، ونقاطه السبع السابحات بين سطور الكلام القادم على صهوة الروح الشاعرة لصاحب البيت؛ وحتى مقولته النافلة، أو النافلة الحلم: (تعلمت أن الشجاعة ليست غياب الخوف، ولكن القدرة على التغلب عليه).

«غرفة يوسف»؛ فيها ما فيها من غرف ممتلئة بأحداث وأحاديث، وحكايات وحياكات، عبر أزمنة وأمكنة في مختلف مناسبات الحياة وما يصاحبها من مسببات وجد وأسباب وجود. هي غرفة مكتنزة بأسرار سيرة اجتماعية ومجتمعية وثقافية لأحمد عيسى العسم، بكل ما يكتنفها من غموض ورموز، وبكل ما تزخر به من أسماء ذات صلة وثيقة بالعسم الذي في كل عمل إبداعي يستدعي أسماء ذات خصوصية بمسيرته المكتنزة بقصص عائلية عالية الدقة وغالية القرب من العسم.. جد وجدة، أم وأب، وزوجة وبنين وبنات، وأخوة رحم ودم ونسب ورضاعة وأُنس وإنسانية.. وقصص صداقات أدب وعمل وأمل في حياة طمأنينة وراحة بال.

الغرفة الأم:

«حاولت أن أطفئ الضوء عن الغرفة، إلا أن الليل فتح النافذة».

هكذا؛ «غرفة يوسف»، الغرفة الأم؛ في أكثر من موضع، وفي أكثر من موضوع، تحدث الشاعر أحمد العسم فيها، عن أسماء ذات علاقة عالقة في الذهن، وفي القلب القابل للرضا والقبول، وعن منازل ما زالت حية في ذاكرته، وحيوية في دائرة اهتماماته، وعن غرف يطل عليها بين حين وآخر، ويزورها في واقع أيامه وفي عقر أحلامه..

فها هو يتحدث إلى والده الراحل في 871993: (آه، لو تعود ولو للحظةٍ كي أقبّل يدكَ الطاهرة وأتحدث لك عن أشياء تخصني وحدي، وعن سيرةِ مدينةٍ وغياب أمي ورحيلها السريع المر.. أيضاً أتحدّثُ لك عن إخوتي «إبراهيم وخولة وأديب»، والأبناء الجميلين، وأننا بعد رحيلكما أنتَ وأمي أصبحنا نجتمع كل جمعةٍ في منزل خولة أختي وجزى الله خيراً زوجها عبدالله الذي فتح لنا قلبه كي نواصل اللقاء، نطوف في الذكريات، نفتح الذاكرة ونملأ المُهج بالحب، ونقول للأولاد: نحن أبناء «عيسى العسم»).

يتحدث عن «فاطمة» الأخت: (في موت فاطمة رحمها الله، ألمٌ عريض مثل ذاك الذي أصابني وأنا أفقد والدي ووالدتي رحمهما الله ورحم أموات المسلمين). ويتحدث عن رحيل أمه وابنة خالته «فاطمة»، المحظوظة بمؤازرة حزن زوجته «مريم» لحزنه عليها: (مريم زوجتي متأثرةٌ، ترفع صوتَ بكائها وتترك دمعتها على ورق الجدران عند الفجر، وحين أعود تختبئ حتى تراني أضيف دمعتي إلى جانب دمعتها، حتى نصبح صوتاً واحداً مرتفعاً).

يتحدث العسم عن أبيه «خلفان» وأمه «شيخة» بعرفان: (الذين نحملهم على أكتافنا إلى دار هي خيرٌ من دارهم في الدنيا، فلا بدّ من الصبر والاحتساب).. (أبي خلفان.. وحدها لغة صمته كلام، والنظر إلى عيونه سلام. وأمي شيخة؛ فضة الروح وحارسة التفاصيل).

وها هو يوجه رسالة إلى صديقه الرجل اللطيف النبيل عبدالوهاب الحمر رحمه الله: (حوار هادئ صادق بعد الصلاة على كرسي مريح في «ليوان مسجد أم المؤمنين».. أفعالك الحسنة وأخلاقك الرفيعة حاضرة، و«برمسة» ضحوكة صافية منك، وإخوتنا الكرام، نسقي بها قلوبنا ونطمئن علينا).

ويكتب رسالة إلى رائد العمل التطوعي، الوالد علي عبدالله الدباني، رحمه الله: (معلمي العزيز: أكتب إليكَ والصمت يضع لاصقاً على الفم، تؤلمني الحياة من دونِكَ، والطريق الذي أقطعه إليكَ في لقاء السبت والأحاديث الجميلة، وصرّة البوح التي نتبادلُ الأحاديث فيها عن الأولاد، والأسرة، وسؤالكَ عن الصغير والكبير، وعن الثقافة، ومعارض الكتب، والحديث الشيق عن تراث الإمارات، الوطن العزيز، وعن آخر الإصدارات والعمل).

يكتب أحمد العسم رسائله إلى الراقد في مستشفى خليفة برأس الخيمة، الوالد سالم جاسم البغام، رحمه الله: (لم تَمُتْ والدي العزيز سالم؛ تركتَ لنا وعلّمتنا القبول والرضا، مهما عَظُمَ الألم وازداد. إذا أخلصنا، فليست هناك حدود للإخلاص. إذا نقضنا وضاقت بنا الحياة، نفتح صندوقاً كبيراً؛ نرمي داخله همومنا، ونذكر الله. الكثير الكثير منك.. الصدق، والعدالة، واللطف. أحبكَ أيها الأب والمعلم.. رحمك الله).

ويكتب عن ابن خالته الإعلامي الراحل سالم راشد الشرهان، رحمه الله: (رحل سالم الصحفي الخلوق الذي لم يجف قلمه ولم يجف قلبه من الحب والناس، أبو الهدوء والمستحيل الذي أخفى دمعته وأظهرها في صمته، الذي امتنع عن الرد على الإساءات الأكثر حدة في صداها وإتلاف الأعصاب، وسالمٌ الأكثر قيمة وتأثيراً ولمعاناً بقلبه، صافي النفس المنير في المكان الذي يحضره).

طباعة Email