الكتابة الساخرة، هي بنت الموقف أو الحالة العامة، لها قواعدها، وأسسها، مثلها مثل أي نوع من الأنواع الأدبية، فقد تجدها في الرواية أو القصة القصيرة، أو الأغنية، أو الشعر. هذا النوع الأدبي الذي شهد تراجعاً كبيراً في الآونة الأخيرة مقابل ما يعرفه علماء الاجتماع بـ«ثقافة الإفيه»، ولسنا نعرف هل طبيعة الزمن الذي نعيشه وراء هذا التراجع في الكتابة الساخرة، أم أن هناك عقماً في الكتاب الساخرين؟
تتنوع فروع الأدب وتختلف لكي تعبر بشكل مفصل عن كل ما يدور حولنا، ولكن لا خلاف على أنَّ تحول الكاتب إلى الكتابة الساخرة واحد من الأمور الصعبة للغاية، خاصة أنها تتطلب قدرة على تناول الواقع بصورة كاريكاتورية، وربط المفارقات ببعضها البعض، وقولبتها في شكلٍ ساخر.
ولعل من أبرز الكتاب الساخرين في العصر الحديث كان جلال عامر الكاتب المصري الراحل، الذي قال ذات يومٍ ليعبر عن حال وواقع المجتمع المصري: «كان نفسي أطلع محلل استراتيجي لكن أهلي ضغطوا علي لأستكمل تعليمي»، ساخراً من الأشخاص الذين يظهرون في قنوات التلفزيون ويكتبون على مواقع التواصل الاجتماعي آراءهم وهم ليسوا على دراية بما يحدث أو يدور.
وأنجبت مصر العديد من الكتاب الذين كانوا يزنون الكلمة بميزان السخرية المقننة التي ليست فقط تضحك ولكن تبكي أيضاً، كما قال أبو الطيب المتنبي «ولكنه ضحك كالبكا».
وأشهر من كثف الكلمات في العصر الحديث كان عمود الكاتب الصحفي الراحل أحمد رجب في نص كلمة، فمصر أنجبت محمود السعدني وأحمد فؤاد نجم والمئات من الساخرين، وأول نص ساخر في منطقة الشرق الأوسط كتبه مصري، على لسان العبد الذي يسخر من سادته، وقد وجد النص محفوظاً في مخطوطات الفراعنة قبل خمسة آلاف عام.
خيط سريع
دائماً هناك خيط رفيع بين الكتابة الساخرة، والكتابة الهزلية، ويصفه الكاتب السوداني جعفر عباس بأنه: «مثل الخيط الذي يفصل بين التواضع والوضاعة، فالكتابة الساخرة ليست رخصة لاستخدام لغة مبتذلة لتوصيل فكرة أو النيل من أي شخص، وعلى من يكتب هذه الكتابة أن يعرف أن الجمهور المتلقي، هو الذي يحدد أي كاتب يستحق النجاح، وأيهم مجرد فقاعة تتوهج لبعض الوقت ثم تصبح هباءً كأن لم تكن».
على الجانب الآخر؛ فإن البرامج الساخرة أيضاً أصبحت جزءاً من مصادر المعلومات، حيث أشارت دراسة عن مركز بيو للأبحاث إلى أن 60 % من الشباب الأمريكي يحصل على المعلومات من البرامج الساخرة، كبرنامج «لاست ويك إند» الذي يقدمه جون أوليفر، حيث يبحث عن معلومات حقيقية ويقدمها بطريقة ساخرة.
وقال الكاتب الصحفي المصري والباحث في التراث الثقافي، إيهاب الملاح، لـ«البيان»: إن الكتابة الساخرة شكل من أشكال الكتابة المعروفة في العالم كله وتعتمد على المفارقة، ترصد التناقض بين الأشياء وسلوكيات البشر وتعاملات الناس.
وذكر أن هذه المفارقة هي روح الكتابة الساخرة، التي تصنع الكوميديا أو الفنّ الهزلي، ومع رحلة التطور البشري في الإبداع من العصور القديمة إلى العصور الحديثة تطور الإحساس بعنصر المفارقة وأخذ أشكال عديدة.
وأضاف: إذا أردنا الحديث عنّ الكتابة الساخرة في الثقافة العربية في المئة عام الأخيرة، فإنها تعني شيئاً آخر غير التي يعتمدها البعض الآن، منتقداً الكتابات الموجودة في الوقت الحالي واصفاً إياها بـ«كتابة الاستخفاف».
مواصفات
وأضاف: «من يكتب الكتابة الساخرة لا بد أن يكون مثقّفاً، وله وجهة نظر، ولديه موقف من الحياة والفنّ والأوضاع السياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى الموهبة التي تمكّنه من بلورة موقف يستطيع إبداعه في كتابة ساخرة».
وأشار إلى أنَّ مصر- على سبيل المثال- تمتلك إرثاً عظيماً، في هذا الصدد، فهناك عبد الله النديم، خطيب الحركة العرابية، والذي تغنّى بـ«أنا الأديب الأدباتي» وتم وصفه بأديب الشعب.
ولفت إلى أنَّ «النديم» ارتبط بحراك سياسي معيّن واستطاع أن يكون هو صوت هذا الحِراك، ويصوغ هذا الموقف في إبداعات جعلت التاريخ وجعلت الأمة المصرية تضعه في مكانة خاصّة، وجعل للسخرية شكلاً من أشكال المقاومة، ووسيلة من وسائل الإصلاح والمطالبة بالتغيير.
وانتقل الباحث في التراث الثقافي إلى مراحل أخرى بعد ذلك، مع ظهور المدارس الصحفية، وتعدد الكتابات الصحفية، وظهور عدد من الكُتّاب الذين يقدمون هذا اللون من الكتابة التي تنتقد الأوضاع الاجتماعية أو المواقف السياسية أو حتى كلون من ألوان الإبداع الذي ينفّس عن هموم وآلام الناس.
واستشهد بأحد أسماء وكبار الكتاب الصحفيين ورائد مدرسة صحفية في الصحافة وهو الكاتب المصري الراحل فكري أباظة وكان من ملوك الكتابة الساخرة، ثم إنّ أسماء كجلال عامر ومحمود السعدني وأحمد رجب هي آخر ما تبقى من خيط الشمعة المضيء.
فوضى الكتابة
وتابع الملاح: «الطبيعي أنّ التطوّر الذي حدث بالتزامن مع ثورة المعلومات، أن تتطور الثقافة والوعي بنفس المقدار، ولكنّ ما حدث هو العكس».
واستطرد بالقول: «منذ 1995 وثورة الفضائيات، ثم 2011 وما تلاها مع الحراك الكبير الذي وقع في ذلك الوقت؛ سنجد أنَّ انفجار السوشيال ميديا أتاح لفوضى عارمة أن تندلع وهو ما أسميه فوضى الكتابة، وفوضى البحث عن الشهرة، وفوضى استغلال ما حققته هذه الشهرة من عوائد مادية أو اجتماعية. وحتى الأسماء التي ظهرت في هذا العصر؛ إنتاجها لا يمكن أن يرقى لفكرة التصنيف، لأن هذا الإنتاج غير مكتمل الثقافة، ويعتمد على الألاعيب اللغوية التي لها علاقة بدمج العربية بحروف أجنبية، وابتداع ما يعرّفه علماء الاجتماع بـ«ثقافة الإفيه»، التي تبدو في النهاية ظواهر اجتماعية ودالة على ما يحدث في المجتمع».
وأنهى حديثه بالقول: ليس هناك عقم في الكتابة الساخرة، إلا أنّ المبدعين الساخرين لم يكتب لهم الظهور، فلن نعدم مواهب حقيقية وأسماء جديدة، ولكن من يمكنه تجاوز هذه الكثافة المعيقة للظهور، مع غياب دور الصحافة وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي.
مؤشر للمزاج العام
وترى سلمى أنور، الباحثة والكاتبة المصرية أن الكتابة الساخرة تمتلك جذوراً قديمة في المجتمع العربي لوجود الأدب الساخر في كلاسيكيات الأدب العربي، حتى إن بعض المؤرخين والباحثين يعيدون جذور الأدب الساخر إلى الحقبة الفرعونية، على جدران المعابد المصرية القديمة التي سخروا فيها من أوضاع اجتماعية غير مرضية بالنسبة لهم.
وقالت لـ«البيان»: إن الكتابة الساخرة تحتاج إلى كاتب ذكي ومتلقٍ ذكي أيضاً، يستطيع أن يفهم المقصود هذا النوع من الأدب، وخاصة أنه في المجتمع المصري هناك نسبة أمية مرتفعة، فحتى وإنْ لم يستطع الناس القراءة، فكان هناك بديل وهو «النكتة العامية».
ولا تتوقع الباحثة المصرية التي تمتلك كتاباً ساخراً نشر في مصر في عام 2009، أن يخفت هذا النوع الأدبي أو يتلاشى في حقل الكتابة المصرية، والدليل على ذلك هو الاستعاضة عنه بـ«الكوميكس» أو الصور الساخرة، وترى أنها تؤدي نفس الغرض الذي تفعله الكتابة الساخرة، خاصة في ظل وجود إحساس عام بالفراغ، فلا بد من سد هذا الفراغ تلقائياً ويتم ذلك من من خلال الجمهور.
وعن علاقة العنصر النسائي بالكتابة الساخرة، قالت إن الأقلام النسائية تكاد تكون معدومة في هذا النوع الأدبي لأن المزاج الغالب على القلم النسائي هو الأدب والفن، وقليل من النساء من فعل ذلك، وحين جربت قلمي في الكتابة الساخرة كان في بدايات المدّونات.
تأسيس
بدأ فن الكتابة الساخرة في مصر في النصف الثاني من القرن الـ19 على يد الكاتب عبدالله النديم في صحيفتيه اللتين أسسهما تحت اسم «التنكيت والتبكيت» و«الأستاذ»، إلا أن هذا الفن شهد تراجعاً كبيراً، بعد مرحلة النديم إلى أن ذاع صيت الصحافة والصحافيين الساخرين، أمثال محمود السعدني، إسماعيل النقيب، أحمد بهجت، أحمد رجب، ونضيف إليهم الروائي محمد مستجاب، والكاتب المسرحي لينين الرملي، ويوسف معاطي، وجلال عامر.





