في عصر متسارع الأحداث والاختراعات أيضاً، لا يكاد الإنسان يتعرف على ماهية جهاز حتى يظهر الجهاز التالي، يبقى من عاشوا على إيقاع معين في حنين إلى ذلك الزمن الذي ترتبط بهم مشاعرهم مع الأدوات التي تساعدهم في تلك الإنجازات، حتى وإن كانت بدائية في حينها، فكيف إن ارتبط الأمر بحالة مشاعرية بحتة وهي الكتاب، فرغم مرور زمن طويل على الكتابة على الحاسوب، ومن قبل على الآلة الكاتبة، إلا أن سحر الكتابة على الورق لا يزال حاضراً وله رونق خاص، وهو ما أكد عليه عدد من المبدعين في حديثهم لـ «البيان»، خاصة وأن العربية لغة تتميز بجمالية خطوطها.

وفي هذا السياق، قالت الأديبة فاطمة المزروعي: «يتحدد استخدامي للورق على حسب الحالة، إن كنت في حالة من الاستعجال، أكتب «نوت» على الموبايل، ولكن عندما أكون في البيت يأتيني الحنين إلى الورق، وقد أكتب على قصاصات ملونة أفكاراً تحمل إحساسي وتفكيري».

ورأت المزروعي: «أن الكمبيوتر قد لا يكون آمناً وتصيبه فيروسات أو تحديث لا يجعله يتعرف على المكتوب سابقاً، ألجأ إلى الطباعة الورقية لما كتبته على الكمبيوتر ورقياً، وأذكر أني في أول رواية كتبتها طبعت منها نسخاً قبل التحرير، وما زلت أحتفظ بها في أدراجي لأني أعتبرها كتابة الروح». وأخيراً ذكرت: «ما زلت أحب الكتابة بيدي وأستحضر فيها ولعي بالخطوط العربية كالنسخ والرقعة، والتي كنت أجرب كتابتهما دائماً».

طريقة إلكترونية

بدوره، قال الأديب حارب الظاهري: «استغنيت عن الورق، وحالياً أكتب «نوت» على الهاتف الذكي أو على «اللابتوب» لأنه أسهل بكثير بالنسبة لي، ولكني بذات الوقت ما زلت أحتفظ بالقصاصات الورقية القديمة، حيث كانت الكتابة على الورق أكثر اتصالاً مع الحواس، والتي أعود أحياناً إليها لأنظمها».

وأضاف: «إن التقنيات الحديثة أسرع بالنسبة لنا من الكتابة على الورق، وبأي وقت يمكنني أن أكتب مستخدماً التقنيات، وأعتقد أن زمن الورق الآن يتجسد بالكتب المطبوعة، أو بالصحف التي أصبحت تنشط إلى جانب طباعتها الورقية على المواقع الإلكترونية، لقد تحول الورق كما أشياء كثيرة إلى الطريقة الإلكترونية».

الخط العربي

من جهته، قال الشاعر محمد عبد الله البريكي، مدير بيت الشعر في الشارقة: «حين أرى ما حل بالخط العربي من هجرة وجفاء سببتها الوسائل اللوحية المختلفة، وحين أتذكر بداياتي مع الطبشور أيام الدراسة، وما كان لتلك المرحلة من أثر في تحسين الخط وإظهاره بشكلٍ أنيق جاذب، أشعر أنني بحاجة دائمة إلى العودة إلى الورق ففيه روحٌ وحياة، ومن خلاله أستطيع أن أجوّد وأعدّل وأصحح، لأرى نتاج فكري أمام عيني وكأنه قطعة من القلب سقطت على الورق فخوفي على الخط العربي من الجفاء كبير».

وأوضح البريكي: «حين أرى اهتمام دولة الإمارات بوجه عام، وإمارة الشارقة بوجه خاص بالخط العربي، أشعر بسعادة عارمة، فهذه الجهود تحاول أن تقف سداً منيعاً أمام ضياع الخط العربي وتهميش دور الكتابة على الورق، على الرغم من أهمية الوسائل الحديثة التي لا ننكرها على الجملة، وأتمنى أن نوازن بين معطيات الحاضر وأصالة الماضي، فالخط العربي هوية وحضارة».

رائحة وملمس

وقال الناقد والكاتب عبد الفتاح صبري: «أصبحت الكتابة على الورق في مهب التغيير، بعد أن تبدلت أقنية الكتابة عبر الزمن بتطور الأدوات والتقنيات استقر وعاء الورق آلاف السنين منذ اكتشاف ورق البردي، إلى أن أصبح بشكله الورقي المعهود».

وأضاف: «لكن من خبرَ رائحة الحبر وملمس الورق سيظل شغفه بما تعلم غالباً، لأن الإحساس بالحرف والكلمة المطبوعة ولمسها مختلف، فالأجيال التي عاشت سطوة الورق صعب عليها التعايش مع الضوء الذي يخبو بمجرد إغلاق الحاسوب أو الهاتف الذكي، لأن الإحساس المختلف الذي يعيش مع ورق ملموس يتحول إلى كتاب ملء البصر والمشاعر، أكيد إحساس آخر لا يقل معايشة مع عناصر الحياة المحيطة».