النحت العربي وعود دون وفاء

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يزال فن النحت، يعاني من عزوف دارسه ومتلقيه، الأمر الذي يحد من تطوره وانتشاره، مع أنه يتقدم الفنون البصرية الأخرى في قيمه الجمالية، وقوة تأثيره، والأدوار المهمة التي يمكن أن يلعبها في حياة الإنسان، هذا ما أكده عدد من المتخصصين في المجال لـ«البيان»، مشيرين إلى أن المحاولات المطروحة للتجديد والنهوض به كما الوعود دون وفاء، فلم تثمر شيئاً.

ينتمي فن النحت إلى الفنون التشكيلية التي تنتمي بدورها إلى الفنون الجميلة، وهو ينهض على فرعين: الأول حُجري أو صالوني، وتمثله المنحوتة الصغيرة التي تأخذ طريقها إلى فراغ مغلق، والثاني نصبي يسكن الفضاءات المفتوحة كالحدائق والشوارع والساحات وواجهات الأبنية. كما يعد هذا الفن الأقدر على التعبير عن أحاسيس البشر وإرادتهم، لكونه يقارب الواقع، ويستحوذ عليه.

يرى الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريتش هيغل (1770 - 1831م) أن فن النحت هو ثاني الفنون في الظهور تاريخياً، وهو فن يُحوّل المادة الثقيلة الكتيمة إلى شكل حي، ونتاج حر لروح الفنان.

ويرى الأديب القرغيزي جنكيز إيتماتوف (1928 – 2008م) أنه لا شيء يستطيع أن يعكس انسجام الروح الإنسانية بنفاذ ويقين مثل عمل النحات، الذي بوساطة النحت يُوقف اللحظة إلى الأبد.

ويرى أحد رواد الفن التشكيلي في مصرأحمد أمين عاصم (1918 - 1989م) أن النحت هو الفن الذي خلّد لنا القيم الحضارية بإمكاناته وخاماته التي عايشت الزمن، وتحدت القرون، لتحفظ للإنسان شخصيته القادرة دائماً على صنع الحضارة، بما فيها من قيم مادية وروحية.

عرفت بلادنا العربية فن النحت منذ القدم، رافق حضارتها، ولا تزال آثاره موجودة حتى الآن في أرض الواقع، وفي قاعات وأروقة المتاحف المحلية والعالمية، لكنه في العصر الحديث خجول الحضور في الحركات التشكيلية، وفي العمارة وتنظيم المدن، وفي بيوت ومكاتب المواطن العربي.

تطور رغم التطور الكبير الذي شهدته الحركة الفنية التشكيلية في الإمارات، لا يزال النحاتون فيها يُعدون على أصابع اليد الواحدة، وحتى النحاتون العرب المقيمون فيها (وهم كثر) عزفوا عن ممارسة هذا الفن الذي تخصصوا فيه، وتوجهوا لفنون أخرى، أبرزها التصوير.

في طليعة التشكيليين الإماراتيين الذين درسوا النحت عبدالرحيم سالم، الذي أكد لـ«البيان» أنه لم يقرر هجرة النحت، إنما دفعته ظروفه في مرحلة من المراحل إلى كنف الرسم والتصوير، لقدرة وسيلة التعبير هذه على تجسيد أفكاره أكثر من النحت الذي يعيش حالة من العزلة والإقصاء، يمارسها عليه المتلقي العربي، الأمر الذي جعل هذا المتلقي ينأى عن مشاهدة الأعمال النحتية، لا سيما التشخيصية منها. والنتيجة كما يقول سالم، فإن الجهد المُضاعف المبذول في العمل النحتي يقابله استحسان أقل من قبل الناس قياساً بما تناله اللوحة.

أما الدكتورة نجاة مكي المتخصصة أيضاً في فن النحت وغادرته إلى التصوير، فقد أكدت لـ«البيان» أنها حملت الكثير من خصائص فن النحت إلى الوسائل الجديدة التي اشتغلت عليها، وظاهرة تحوّل «النحات» إلى «مصوّر» في بلادنا العربية تتعلق بنظرة مجتمعنا إلى فن التماثيل وعلاقته بالأصنام التي حُرمت مطلع الإسلام، يُضاف إليها جملة من الأسباب الموضوعية لخصتها مكي بعدم توافر مواد وخامات فن النحت، وغياب التقني المتخصص بعملية القولبة وصب المنحوتات، وصعوبة التعامل مع أوزانها الثقيلة، وضعف تسويقها، مؤكدة أن بإمكان «النحات» التحول إلى «مصوّر»، لكن هذا الأخير يجد صعوبة في ممارسة النحت.

أقطاب مؤثرة وفاعلة

وقال الدكتور فؤاد دحدوح رئيس قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق: إن جميع المحاولات الأولى في النحت العربي المعاصر (رغم وجود بعض الطروحات الفردية في مصر والعراق، عند بعض النحاتين كمحمود مختار وجواد سليم) بقيت محدودة الأثر والتأثير، وهذا يعزى إلى قلة عدد المبدعين العرب في هذا المجال، على عكس ما كان عليه الحال في التصوير الزيتي الذي برزت فيه أقطاب مؤثرة وفاعلة، أمثال (فاتح المدرس، محمود حماد، محمود سعيد، ضياء العزاوي، شاكر حسن آل سعيد... وغيرهم)، بينما بقيت كل المحاولات المطروحة للتجديد والنهوض بالنحت العربي وعوداً دون وفاء ودون أن يثمر عن شيء، وثمّة عامل رئيس ساهم مساهمة فعالة في تخلف هذا الفن وعدم نهوضه، هو العامل الديني الذي كان له عميق الأثر في كبح كل مظاهر التجسيد، يُضاف إلى ذلك أن فن النحت العربي المعاصر ليس له من الخصائص ما يميزه عن سائر النشاطات الفنية الأخرى، فهو كان وما زال أكثر ابتعاداً عن تراثنا وأصالتنا، وأشد ارتباطاً بالنموذج الغربي، وأصبح تابعاً يدور في محوره دون أثر أو إبهار، وعندما حاول الانفراد والتميز وجدناه مشتتاً، لغياب الدراسات النقدية المعمقة له، وفقدان العلاقات المتبادلة بين الفنانين أنفسهم، على المستويين المحلي والعربي.

عوامل مختلفة

النحات وعميد كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق الدكتور إحسان العر أكد لـ«البيان» أن في مقدمة الأسباب التي حدّت من انتشار فن النحت في المجتمعات العربية، العامل الديني. مصر تميزت عن باقي الدول العربية في هذا المجال، حيث توافرت الظروف لقيام نهضة عامة فيها، شملت فن النحت الذي استمر وجوده في المؤسسات التعليمية، وفي الحياة العامة، بدليل انتشار آثاره في الساحات والشوارع، ووفرة النحاتين الذين تمكنوا من خلق نحت حديث، يحمل أصالة النحت المصري القديم، ومعطيات النحت الأوروبي الحديث، ومن أبرز هؤلاء محمود مختار، وعبدالهادي الجزار. أما في باقي الدول العربية، فقد اقتصر حضور هذا الفن على عدد محدود من التجارب الفردية التي لم تتمكن من تحقيق تيار نحتي له هويته الخاصة. ويشير العر إلى أن موضوع تحريم هذا الفن لاقى الكثير من الجدل في مصر، لكن الغالبية دعت لتطويره ونشره، ما دام يخدم العمارة وتنظيم المدن والسياحة.

قصور الرؤية

النحات الدكتور سمير رحمة أستاذ مادة النحت في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، أكد لـ«البيان» أن حضور النحت في المجتمعات العربية الحديثة يبدو محدوداً بالمقارنة مع فن التصوير، وهذا يعود لعدم وجود تصوّر صحيح لدى غالبية الناس، لأهمية فن النحت وما يكتنزه من قيم وظيفية وجمالية، فالمواطن العربي يجتهد في البحث عن لوحة ليزيّن بها مسكنه أو مكان عمله، بغض النظر عن مضمونها أو سويتها الفنيّة، فالمهم عنده أن تتوافق ألوانها وألوان أثاث المكان، بينما يعزف عن ترك حيز لمنحوتة تُحيي فراغاً داخلياً أو خارجياً في مملكته، ما يؤكد وجود نقص في ثقافته الفنية. ويُشير رحمة إلى أن النظرة الدينية للنحت قد تكون من الأسباب التي دفعت الناس للعزوف عنه، لكن غياب الثقافة الفنية لديهم هو السبب الرئيس في هذا العزوف.

طباعة Email