أدباء العرب في الخارج.. توطين الغربة

ت + ت - الحجم الطبيعي

شكل الأدباء العرب المغتربون في مطلع القرن الماضي حركة أدبية مهمة، لا يزال صيتها وأثرها موضع اهتمام دارسي الأدب ونقاده. واليوم هناك المئات من الكتاب والأدباء العرب المغتربين في الخارج منهم من يواجه التحديات والبعض يبحث عن مستقبل أكثر إشراقاً، لكن لا يبدو أنهم يشكلون حركة أدبية، بل يظهرون مجرد حالات إنسانية مغتربة.

لماذا نشأ في بداية القرن الماضي تيار «شعراء المهجر»، ولِمَ لا نرى مثل هذه التيارات الأدبية في المغترب، اليوم؟

«البيان» طرحت هذه الأسئلة على مجموعة من الكتاب العرب في أوروبا، والبداية كانت مع جبر الشوفي، الكاتب المقيم في ألمانيا، الذي يؤكد بأنهم يشكلون ظاهرة اغتراب ثقافي ووجداني متعدد الأبعاد، ولاسيما مع تقدم الزمن وفقدان الأمل بالخروج من مجرى الزلزال الذي دفع بهم إلى هوامش البلدان ليعانوا اغتراباً ثقافياً ووجدانياً ويناطحوا جدران الاغتراب ومشكلات اللجوء وصعوبة التأقلم مع واقعهم الجديد.

يعود بنا الشوفي إلى زمن الأدب المهجري في الأمريكيتين ويصفه بأنه أدب المغامرين الذين شقوا البحار مختارين، طلباً للقمة العيش، خارج ظروف الفقر والمظالم، وقد ارتبطت غربتهم بتحديات وجودية دفعت بهم لإثبات هويتهم الثقافية وتأكيد انتمائهم، ولم يشكلوا روابطهم إلا بعد أن استقر بهم المقام، وتفاعلوا ثقافياً واجتماعياً مع المجتمع الجديد، ثم انتهت هذه الظاهرة بانتهاء ظروفها ووفاة روادها.

 

تغيير هوية

أما محمد زادة، الشاعر المقيم في ألمانيا، فيرى أن الظروف الاجتماعية كانت سبباً في ظهور تيار شعراء المهجر في بداية القرن الماضي، إذ كانوا قلّة قليلة معدودين على الأصابع في بلاد الاغتراب ما جعلهم يتوادون لبعضهم أكثر.

يعيد زادة بوصلة الزمن إلى اليوم، مشيراً إلى أنه بات في كل قرية أوروبية مئات النازحين واللاجئين والمغتربين والمهاجرين وانتشرت ظاهرة تأسيس الجمعيات الثقافية في كل قرية ومدينة ما يعني أن أدب المهجر تغيّرت هويته ولم يبق اسمه مهجراً.

وعن تجربته الشخصية يقول: فقدت الإحساس بالاغتراب، عائلتي هنا، أقربائي هنا، أصدقائي هنا، ولم يبق لي في الوطن سوى بعض المعارف وأقرباء من الدرجة الثالثة قد لا أعرفهم، وبدأ الشعور بالانتماء إلى هنا يسيطر على الروح، حتى إننا منذ سنين ندفن موتانا هنا، أي ذلك الشعور والحنين للوطن صار يتلاشى، ومن هنا صار لقصائدنا وكتاباتنا توجه آخر يلغي صفة الاغتراب ولا يسهم في بناء أو إحياء ما سمي سابقاً بأدب المهجر.

 

اندماج

نتائج هذه المقارنة مختلفة لدى طاهر البكري، الشاعر المقيم في فرنسا، إذ يرى أن الكتاب العرب يتوافدون منذ عقود طويلة إلى البلدان الغربية كلما تأزمت البلدان العربية، والأسباب ليست نفسها بالنسبة إلى الجميع وليست اللغة التي يكتبون بها هي نفسها، بالتالي فإنه رغم بعض المحاولات في جمع الشمل فالمشارب والعقائد والطموحات والاهتمامات والانتماءات مختلفة.

ويفسر البكري رغبة بعضهم بالاندماج في الواقع الأدبي للبلدان التي يقيمون فيها، كي لا يبقوا منعزلين في جبهة أو جمعية دون التأثير في مسار الأمور والحركة الأدبية، وليكونوا على احتكاك بالأدباء الآخرين من كل صوب، وهو ما جعل الكثير من الكتاب العرب يحتلون مكانة مرموقة واحتراماً لا يستهان به، وأصبحت لأصواتهم آذان صاغية ولمؤلفاتهم قرّاء فعليون.

 

شللية

أما البقية وحسب رأي وفائي ليلا، الكاتب المقيم في السويد، فإنه رغم وجود أسماء كثيرة إلا أنها حالات فردية تشكل تجمعاتها إن حدثت جزراً متباينة الحجم.

ويفسر ذلك بقوله: إن المشهد الثقافي يحتمل وجود شعراء يتقنون العلاقات العامة أكثر من الشعر، وفي التالي اجتياحهم أو استئثارهم على الحضور الدائم والنجومي في أغلب العواصم والمهرجانات كان حاضراً على الدوام. ويوضح أنهم يملكون شبكة علاقات عابرة تشكل بالنهاية مشهداً يعكس مناطقية بعضهم أو فئويته أو مزاجه الأيديولوجي أو الانتماء لجغرافية مكانه أو حيه السكني حتى، ففي كل عاصمة أدبية مهمة تبرز أسماء خالدة مثل أب خالد لا يموت.

ورغم عدم توافر جو عام مناسب للمشهد الثقافي حالياً لكنه يؤكد أن هذا لا يعني عدم وجود نشاطات وأسماء لافتة من كل المشارب والأجيال تشكل بالنهاية صوتاً آخر وحضوراً متميزاً وإن كان خافتاً إلا أنه قد ينتشر على نطاق أوسع على المدى المتوسط أو البعيد.

 

تيارات أدبية

ينسف علي سفر، الكاتب المقيم في فرنسا، كل ما ذكر بأنه لا يمكن البحث عن وجود تيارات أدبية خاصة بالمهجر أو المغترب، لأن الوجود المكاني للكاتب لم يعد مهماً بفضل ثورة الاتصالات.

ويقول: هناك روابط إبداعية تجمع بين الكتاب لأسباب جغرافية، كأن نجد رابطة الكتاب العرب في ستراسبورغ. وهذه سوف تشبه الرابطة القلمية افتراضياً، ولكن حتى الرابطة القلمية لم يكن الأعضاء فيها على قلب رجل واحد إبداعياً، وهذا يؤدي فعلياً إلى نقض فكرة أن المكان يجمع المبدعين لجهة طبيعة ما يبدعون.

حسب رأي سفر فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجمع الكتاب لجهة الانتماء والموضوع وليس تقنيات الكتابة وبنيتها هو المنفى. ويتابع قائلاً: المنفى كما وصفته في كتابي «الفهرس السوري» هو حادثة، بمعنى أنك تقع فيه دون إرادتك، فأنت تبحث عن النجاة ويؤدي بك ذلك لأن تصبح منفياً.

 

جُبّ التاريخ

نجم الدين سمان، الكاتب المقيم في فرنسا، يقول: كنت قد دعوت منذ 2013 إلى تشكيل اتحاد للمبدعين السوريين في أوروبا، كخطوة أولى، قد تثمر بالعمل الدؤوب عن رابطة عربية شاملة.

ويشير إلى أن الأمر قد يحتاج إلى مخاض طويل ليتبلور تجمع شامل لهم، ربما يكون في نواته التأسيسية «البيت العربي في برلين» مثلاً وسواه من التجمعات المغاربية المتناثرة كحال تلك البلدان.

ويضيف: كأنما يحمل الأدباء العرب في حقائب تغريبتهم السلبيات ذاتها التي في بلدانهم وبين كل بلد عربي وآخر، ويحتاج الأمر إلى وعي وإلى تصميم لتجاوزها. كما يحتاج إلى زمن قد يطول للأسف الشديد، كحالنا مع كل قضايانا المصيرية العالقة في «جُبّ تاريخنا» العصيب ذاته.

طباعة Email