القصيدة الشعبية.. توثيق الحياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

للقصيدة الشعبية في الإمارات أدوار وتجليات متعددة، فعدا أنها تحقق متعة سمعية وفكرية للمتلقي بجمال الألفاظ والصور التعبيرية، فإن لها دوراً كذلك في توثيق مفردات الحياة والبيئة والطبيعة، وحماية اللغة، باعتبار أن الشعر الشعبي هو ابن البيئة التي نشأ فيها، وحصيلة ما اكتسبه الشاعر من تلك البيئة، فهو يعكس حياة المجتمع، وينفذ إلى أعماقه.

مكانة وأهمية

وفي هذا الإطار، ذكرت الشاعرة شيخة جمعة الملقبة بـ«الحصباة»، مكانة الشعر وأهميته في المنظومة الثقافية للدولة، ودور الشعراء، بقولها «الشاعر ابن بيئته، وهو المترجم والناقل الحقيقي للموروث الثقافي والتراثي للبيئة التي ينتمي إليها، وبما أن لكل مجتمع مفرداته الأصيلة التي يفتخر أنها تميزه عن غيره، فالأولى أن يكون الشاعر منوطاً بهذه المهمة، ويجعلها قضيته الأولى، لأن كلمات الشعراء تبقى في ذاكرة الأجيال، يخلدها التاريخ. ويتعلم منها الأجيال القادمة، خصوصاً ونحن في عصر العالم المتسارع، والتكنولوجيا، والانفتاح على الثقافات الأخرى، بما تحمله من ثقافاتها، لذا، لزم على كل من له صلة بالعادات والتقاليد والتراث، أن يبذل جهداً للحفاظ على هذا الموروث، الذي قال عنه المؤسس، زايد، طيب الله ثراه «لا حاضر من لا ماضي له»، ماضينا أصيل، بما يحوي من مفردات أصيلة، على الشعراء توظيفها في أشعارهم للأجيال القادمة، حتى لا نفقد هويتنا.

وتطرقت الشاعرة في حديثها إلى تجربة شعراء الرعيل الأول، وكيف ساهموا من خلال قصائدهم بالحفاظ على الموروث، فقالت: «شعراء الرعيل الأول، لم يستخدموا قط أي مفردة خارج نطاق بيئتهم، فكانت أشعارهم تمتاز بجزالة المعني، وعمق التعبير، أمثال الشاعر الكبير بن ظاهر، وحتى جيل سالم الجمري وراشد الخضر وربيع بن ياقوت وعلى بو رحمة وراشد طناف وغيرهم كثير، ثم تلاهم جيل اقتدى بهم وسار على نهجهم، مثل راشد شرار وغيره، نحن الآن في زمن الجيل الجديد، حيث يحاول إدخال مفردات غريبة على لهجتنا، وحجته من باب التجديد، وهو لا يعلم أن هذه هوية وطن، يجب الحفاظ عليها».

لغة الشعر

وقالت الشاعرة هنادي المنصوري: «إن القصيدة ابنة الزمن، تتغير منذ بدء تدوينها في التاريخ البشري الشعري، بدءاً من العصر الجاهلي إلى يومنا هذا، فلا يمكن للشاعر أن تبقى لغته الكتابية، كما هي منذ كتابته، حتى الأجيال التي تأتي من بعده، لا يمكننا تخيّل أن تتساوى لغة الشاعر الذي كتب القصيدة في الستينيات- مع لغة أحد أحفاده الشعراء مثلاً». وتضيف «في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، لدينا جيل واحد تقريباً في مفردته الشعرية، ولكن منذ السبعينيات حتى يومنا هذا، لا يمكن أن تجد قصيدة نبطية شبيهة تماماً بوزنها ومفرداتها، بمفردة الجيل الذي يسبقها. وهناك مجموعة رائعة من الشعراء ينتهجون كتابة الشعر، وفق مدرسة الشعر النبطي المحلية القديمة، ولكنه منهج مكتسب، فبطبيعة الحال، الأصول للأفراد في الخليج بشكل عام، ولدينا، قد تعددت جذورها، فمنها العربي والإماراتي، بل والأجنبي أيضا، فتجد تحديداً بعد عام 2000، قد اختلفت المفردة المحلية، وخالطتها مفردات عديدة، وفق أصول الشاعر، فإن كانت أم الشاعر من إحدى الدول العربية، فستلاحظ وجود بعض المفردات العربية في أبياته، وإن كانت أجنبية، فلا بد أنك ستقرأ المفردة الأجنبية في أبياته، أي أن الشاعر لا يمكنه الانسلاخ من المفردة التي اعتاد التحدث بها في القصيدة التي سيكتبها، فلا بد من هذا التغير، وأنا أؤمن جداً أن المفردة الشعرية تتغير بمرور الزمن، ولا يمكن إطلاق وصف تخريب لأي تغيير يطرأ في القصيدة المحلية، فالقصيدة ابنة الزمن، ولسان من يعايش كل حقبة زمنية. من الشعراء الذين ما زالوا يكتبون بالمفردة المحلية، من هم يواظبون على قراءة القصائد القديمة، والمتأثرين بمدارس الشعر الإماراتية القديمة كثر، يعز علي حصر أسمائهم هنا».

أدب شاسع

ويتناول الباحث في التراث والأدب الإماراتي، راشد المزروعي، مفهوم الشعر، فيقول «يعرف الشعر الشعبي بأنه ذلك الأدب الشاسع في الطبقات التي تسمى عادة «شعب أو العامة». فهو يستعمل اللغة المحلية أو شبه الفصيحة السهلة المليئة بالتعابير العامية. فهو ابن البيئة التي ينشأ فيها، وحصيلة ما كسبه الأفراد من تلك البيئة، وهو الذي يصوّر حياة المجتمع، وينفذ إلى أعماقه». ويضيف «تعد صورة الشعر الشعبي، أكثر ميلاً لوصف الحقيقة، أو التعبير عن المدح والحب والحزن والآلام والآمال. وهو كذلك مرتبط بالعادات والتقاليد. لذلك، كانت قراءة النص في الشعر الشعبي، لها أهمية كبيرة، فالقراءة في مضامينه، تجد فيها متعة لا حدود لها، بل كلما بحثنا في أعماقه، اكتشفنا حركية الإبداع، ومدى قدرة هذا الإنتاج الشعري على التمدّد والتشكيل. لذلك، كان المكان وثيق الصلة بهذا الشعر الشعبي منذ القدم، فهو حاضن للوجود الإنساني على مر العصور.

وتشكيل المكان، يعد من العناصر المهمة في النص الأدبي، فقد امتاز الشعر الشعبي عندنا منذ القدم، بكونه شعراً مكانياً، في ارتباطه بالبيئة التي أنتجته، والإنسان الذي أبدعه، وجب النظر إليه نظرة جمالية خاصة، وأننا نجد تميز ظاهرة الوصف في شعرنا الشعبي القديم بصورها الجمالية، سواء في وصف الطبيعة أو الصحراء أو الآثار.

فكان الارتباط المباشر بالمكان، فمن خلاله، يستعيد الشاعر ذكرياته وأيامه ومواقفه. وقد مثّلت صورة المكان الشعري هذه لوحات، منقولة بدقة وبراعة، عن البيئة التي يعيش فيها. وخير مثال على ذلك، أشعار شاعر الإمارات الحكيم، الذي عاش قبل 400 عام، الشاعر الماجدي بن ظاهر، وكذلك الشاعر محين الشامسي ويويهر الصايغ وسعيد بن عتيج الهاملي وغيرهم».

أما في الشعر الشعبي الحديث في الإمارات، فقد ذكرت أماكن كثيرة، كانت لها صلة وثيقة بتجارب الشعراء الإماراتيين، إذ اتخذوا المكان مجالاً واسعاً من شعرهم، وتناولوا أدق التفاصيل لهذه الأماكن التي عايشوها.

تجارب

ويستعرض الباحث راشد المزروعي، عدداً من التجارب التي اشتهرت في الإمارات «وسنكتفي هنا بالتعرّض إلى أغنية شعبية معروفة، اشتهرت على مستوى دولة الإمارات، على الأقل. وهي عبارة عن قصيدة للشاعر سالم الجمري، رحمه الله تعالى، وقد غناها الفنان علي بالروغة. حفلت هذه القصيدة المغناة، بالعديد من المسميات المكانية، لكثير من المواضع والمناطق في أرض دولة الإمارات العربية المتحدة».

عنوان القصيدة (من ضميري)

وهي من قصائد المرحوم الشاعر سالم بن محمد الجمري. وقد غنّاها الفنان علي بن روغه عام 1968، وتعتبر من أشهر أغانيه، وتعد من أوائل الأغاني الشعبية التي شهرته، كالفنان الجماهيري الأول في الإمارات.

تقول بداية هذه الأغنية:

من ضميري دار دولاب المثل

شفت ظبيٍ يا ملا ما له مثيل

….::…

وعندما يتعرّض للأمكنة يقول:

ليت من شلّه وقفّى وارتحل

في خطات الجيب لي ما له مثيل

 

سرد رحلة

ويشير المزروعي إلى أن القصيدة غزلية خيالية، يسرد فيها الشاعر الجمري رحلته، متتبعاً درب السيارات القديم، الذي ينحدر من بادية أم القيوين جنوباً، باتجاه فلج المعلا. وكان هذا طريقاً للقوافل القديمة. كما كان طريقاً أيضاً للحضّار القادمين من الحمرية، ومناطق الشارقة الشمالية، وأم القيوين، إلى الواحات والمناطق الداخلية من الدولة، أو العابرين منها إلى واحة العين والباطنة بسلطنة عمان. ويعبر الشاعر، بسيارته الجيب، ويعدّد الأماكن التي مرّ عليها، وكانت تمثل مناطق معروفة له، مرّ عليها من قبل، ويعرف أهلها، وله فيها ذكريات، ربما جعلته يتذكرها في قصيدته تلك. فيمر عليها، ويذكر أسماءها منطقةً منطقة، ومكاناً مكاناً، حتى يصل إلى منطقة العين.

لذلك، فنرى هنا أن تخليد مسميات الأمكنة في القصائد الشعبية، كان ولا يزال من الأساسيات الهامة في دراسة الجغرافية المكانية. والسبب في ذلك يعود إلى توثيق هذه الأماكن من قبل الشعراء الشعبيين في قصائدهم. وهذا ينطبق على جلّ الشعراء، أينما كانوا. وهنا، لدينا في الإمارات سجّل كبير من المسميات المكانية التي استقيناها من أشعار شعرائنا الشعبيين منذ القدم. وبذلك تتضح لنا أهمية الشعر في حفظ المفردة المكانية، بالإضافة إلى المفردات العامية الأخرى.

طباعة Email