العامية.. سلاح تأثير ثقافي في مصر

ت + ت - الحجم الطبيعي

اللغة كائن حي، يتشكل ويتطور، تموت فيها بعض الكلمات، وتولد أخرى جديدة، كما تتحور كلمات قديمة، وعلى الرغم من مرور 150 عاماً على دعوة رفاعة الطهطاوي، الذي يلقب برائد التنوير الحديث في مصر، إلى الكتابة بالعامية في مجالات محددة، لم يتوقف الجدل أبداً بين أنصار العامية والفصحى في إنتاج الأعمال الأدبية المصرية، الأمر الذي اعتبره البعض مقدمة لانعزال الثقافة المصرية، وتراجع تأثيرها في المحيط العربي.

وتشهد الساحة الثقافية في مصر خلال هذا العقد نقاشاً محتدماً حول الكتابة باللهجة العامية، بعدما ظهرت كتب بالعامية المصرية، من أشهرها ترجمة رواية الغريب للكاتب الفرنسي الشهير ألبير كامو، التي أصدرتها دار «هن» للترجمة والنشر، قبيل النسخة رقم 26 من معرض القاهرة الدولي للكتاب.

حصلت رواية «المولودة» للروائية نادية كامل، المكتوبة بالعامية المصرية على جائزة ساويرس الثقافية في دورتها الـ14 عام 2019، لكن الأكثر غرابة إصدار دار الكتب خان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري بالعامية المصرية عام 2016. لم يتوقف هذا اللون من الكتابة عند دور النشر الخاصة، لكن المؤسسة الثقافية الرسمية دخلت إلى الساحة للمرة الأولى، عندما أصدرت الهيئة العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة مطلع هذا العام، للمرة الأولى، رواية «بالختم الكيني» للكاتبة شيرين هلال، وهو نص سردي باللهجة العامية. الأديب المصري إبراهيم عبدالمجيد لم يبدِ انزعاجاً كبيراً من ظهور هذا اللون، رغم أنه لا ينحاز له. ويتابع: «بالنسبة لي بصفتي كاتباً، لا أرى أن الكتابة تتلخص في جانب واحد فقط، العامية أو الفصحى، لكن موضوع الكتابة يفرض نفسه، فعندما أقوم بتجسيد شخصية فَرّان في رواية، لابد أن يكون حواره بسيطاً، وبه بعض الألفاظ العامية، أمّا عندما تكون شخصية قاضٍ، فلا بد أن يختلف الحوار، فاللغة تسير مع الشخصية الفنية».

لغة معتدلة

في السياق، يقول أستاذ النقد والأدب المقارن بكلية الآداب، جامعة بني سويف، الدكتور شريف الجيار، إنه من المتعارف عليه أنّ الخطاب السردي، لا سيما الروائي منه، يعتمد في بنيته على اللغة العربية الفصحى، خاصة في المقاطع السردية، ولكنْ ثمة كتّابٌ يرون وجوب أن تأتي المشاهد الحوارية بلغة معتدلة، كما نرى عند نجيب محفوظ، أو بلغة عامية، لا سيما إذا كانت الشخصيات في المشهد الحواري بسيطة، لا تحمل ثقافة عميقة، ورؤية نقدية لمجتمعاتها، وبالتالي تأتي العامية مناسبة لثقافة الشخصية.

ويرى الجيار أن استخدام العامية في المقاطع السردية، وليس في الشعر فقط، ينتج عن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يعتقد أن على الكاتب الحفاظ على التجريب، من دون إغفال الاعتماد على اللغة العربية الفصحى المعتدلة، في بناء الخطاب الروائي بشكلٍ عام، ولا مانع من استخدام العامية في بنية الحوار فقط، لتلائم طبيعة الشخصية البسيطة، وتكون أكثر صدقاً.

من جهته، يقول الكاتب والصحافي المصري، أشرف راضي: إنَّ ثمّة أسباباً عدة تدفع إلى الكتابة بالعامية، أهمها سهولة التواصل والانتشار، والوصول إلى قطاع أكبر من الجمهور، كذلك سهولة استخدام اللغة من حيث المفردات والتراكيب اللغوية، والرغبة في أن يكون الأدب أكثر تعبيراً عن الهوية، والشخصية الوطنية.

طباعة Email