تتنوع محتويات مؤثري التواصل الاجتماعي في العالم بين السلب والإيجاب، إلا أن دورهم يتعاظم في وقت الأزمات، وذلك نتيجة تأثيرهم على عدد متابعيهم الذين ينتظرون منهم كل جديد، ولا أحد يمكنه أن ينكر دورهم المهم والفاعل في رصد القضايا الإنسانية والعمل من أجل وضع الحلول لها. 

مثال ذلك يظهر في المؤثرين السوريين ودورهم في رصد قضايا مجتمعهم، وخصوصاً خلال الأوضاع التي يمر بها بلدهم. تأثير هؤلاء طال وعي المتلقي وساهم بتكوين الرأي العام حول قضايا المجتمع، إلا أن الأزمة السورية وتداعياتها أدت إلى ازدياد دور هؤلاء فيما يخص القضايا الإنسانية. وأظهرت أخيراً، إحصائيات أن هناك 9.25 ملايين مستخدم للإنترنت في سوريا، أي ما نسبته 49.2٪ من إجمالي السكان.

 

تأثير ودور

يقول الدكتور أحمد شعراوي أستاذ الإعلام الإلكتروني في كلية الإعلام بجامعة دمشق: «معروف تماماً اليوم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في العالم يقال إن اليوم هناك الإمبراطورية الزرقاء نسبة إلى فيسبوك».

وأضاف شعراوي «هناك سوريون مؤثرون تماماً داخل سوريا يسعون إلى الاستخدام الإيجابي لمواقع التواصل الاجتماعي من الناحية الثقافية أحياناً بإفادة الجمهور بالمعلومات، وهناك الكثير من الصفحات التي أراها مفيدة ومؤثرة بشكل كبير بكل المجالات كالاقتصاد، الثقافة، اللغة العربية، الفكر، الإعلام، الفلسفة وغيرها يكون أصحابها قادة رأي ومؤثرون».

ويتابع: في المقابل إن هناك مؤثرين يحاولون استغلال مواقع التواصل الاجتماعي بشكل ديماغوجي للعب على العاطفة للتأثير على الآخرين، هؤلاء يمكن وصفهم بأنهم تجار عاطفة يستغلون آلام الغير من أجل خدمة أهدافهم الشخصية.

ويضيف: «بالنهاية اليوم المتلقي هو إنسان واعٍ سيكتشف مدى زيف هذه المشاعر، وإنها استغلت لتوظيفها سياسياً أو غير ذلك، ولن يستطيع خداعه بشكل دائم».

بدورها، قالت أستاذة علم الاجتماع الإعلامي في جامعة تشرين يسرى زريقة: إن المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي موجودون وفي كل المجالات كالممثلين والناشطين وقادة الرأي والصحة والطعام الصحي، منهم من كانوا يتابعون حميات معينة ثم اشتهروا بها، ومنهم من في الأصل من مشاهير العالم في هذا المجال ومجال الطبخ وغيره.

وأضافت زريقة: إن بروز ظاهرة المؤثرين داخل سوريا أمر طبيعي بسبب تعاظم دور وسائل التواصل الاجتماعي في حياة السوريين التي أصبحت منبراً مهماً في التنشئة الاجتماعية وغيرها.

وترى زريقة أن الأزمة السورية أدت إلى وجود مؤثرين لعبوا دوراً إيجابياً كبيراً في التخفيف من معاناة الناس في ظل الظروف المعيشية الصعبة الناتجة عن تداعيات الأزمة والعقوبات والحصار الذي تشهده البلاد، ولسهولة التواصل على المنصات الاجتماعية وخصوصاً الفيسبوك الذي يعتبر من أكثر المواقع متابعة من السوريين.

وعن دور المؤثرين في القضايا الإنسانية قالت زريقة: «إن أهمية المؤثرين وخصوصاً بالقضايا الإنسانية يمكن قياس فشلها أو نجاحها من مؤشرات عدة منها زيادة التفاعل مع المحتوى الذي ينشره المؤثر (أي عدد الإعجابات والمشاركات والتعليقات)، جودة المشاركة، نمو جمهور وسائل التواصل الاجتماعي (أي عدد المتابعين)، مضيفة إنه بلا شك هناك مؤثرين من يحاول استغلال آلام الناس ومعاناتهم لتحقيق مكاسب خاصة به، لكن تحقيق الهدف بمساعدة الناس أثناء الأزمات يبقى هو العنصر المهم».

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية بشأن استخدام الإنترنت في سوريا إلا أن الإحصائيات المنشورة على مواقع عالمية متخصصة بهذا الأمر مثل Data Repotal أظهرت أن هناك 9.25 ملايين مستخدم للإنترنت في سوريا في يناير 2022، أي ما نسبته 49.2٪ من إجمالي السكان في بداية عام 2022، بزيادة بلغت 841 ألفاً (+10.0 بالمائة) بين عامي 2021 و2022.

وأشارت الإحصائيات إلى أن متوسط سرعة اتصال الإنترنت عبر الهاتف المحمول في سوريا انخفض بمقدار 4.40 ميغابت في الثانية (-27.8%) في الاثني عشر شهراً حتى بداية عام 2022، فيما زادت سرعات الاتصال بالإنترنت الثابت في سوريا بنسبة 0.49 ميغابت في الثانية (20.3%) خلال الفترة نفسها.

تنوع

بدوره قال الصحافي علي الأعور، وهو أحد المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي: «إن القضايا الإنسانية التي تم متابعتها لم تكن ضمن إطار محدود وإنما تنوعت لكثرة مكامن الوجع للمواطن الذي فقد الكثير خلال الأزمة، فشتات الأسرة وفقدان المعيل وضعف الإمكانيات المادية وإيقاف المستشفيات الحكومية للعمليات الجراحية الباردة نتيجة الحرب وكورونا وغيرها».

ويتابع: «هنا كان لابد من رصد الكثير من تلك الحالات بعد التقصي عنها ومعرفة الظروف المحيطة بها، ولم تكن ضمن نطاق جغرافي معين وإنما تخطت حدود المناطقية لتصل لكل السوريين عبر معارفنا من رفاق المهنة».

القضايا الإنسانية التي ظهرت على صفحات المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصاً الفيسبوك الذي يعتبر من أهم وسائل التواصل الاجتماعي المتابعة من قبل السوريين تنوعت بين جمع التبرعات لمساعدة المحتاجين لمواجهة ظروفهم المعيشية الصعبة والمساعدة في إجراء العمليات الجراحية، دعم الطلاب في كل مراحل التعليم، المساعدة في إيجاد عمل».

وعن دور المؤثرين في تعميق ثقافة المساعدة خصوصاً في الأزمة السورية الراهنة، قال علي الأعور: إن هذا الأمر حصل بالتأكيد خلال ما شهدناه منذ سنوات من خلال الترويج لأعمال المساعدة تحت عناوين عدة، منها نشر الفضيلة، قصة إنسانية أو حكاية وجع، حيث حرضت وسائل التواصل الموثوقة الكثيرين من المغتربين للدخول في إشهار عملهم، وإن كان من دون اسم للبعض وهو عمل سامٍ، أو من خلال الإشهار للبعض الذين يرغبون بتسويق شركاتهم ومصالحهم الاقتصادية أو جمعياتهم الخيرية أو حتى اسمهم.

وتابع: «هذا الشيء لمسته شخصياً من الكثيرين ومن العطاء بلا حدود، خصوصاً وأنهم كانوا يبحثون عن مصدر يثقون فيه بعد إحباط البعض منهم من الوسيط على حسب قولهم.. مع الإشارة إلى أن عملنا في هذا الإطار بعيد عن عمل الجمعيات كوننا نربط الجهة الداعمة بالحالة الإنسانية بشكل مباشر ونحن نتابع عن بُعد حتى إتمام المهمة الإنسانية».

على الرغم من أن المؤثرين في سوريا كانوا في كل المجالات، إلا أن تداعيات المحنة أدت إلى بروز دور إنساني لهؤلاء بالتزامن مع تدني مستويات المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، بسبب الأزمة والعقوبات التي جعلت المواطن السوري يلهث وراء تأمين قوت يومه.

وكان المدير السابق للمكتب المركزي للإحصاء زياد عربش في أواخر مايو الماضي قال لإذاعة محلية سورية إن معدل الفقر في البلاد بلغ 90% بين عامي 2020 و2021 وفقاً لإحصائيات رسمية حكومية، مشيراً إلى أن واقع الأمن الغذائي في البلاد وفقاً لإحصائيات أجريت بين المكتب وبرنامج الغذاء العالمي يظهر أن 8.3% من الأسر تعاني من انعدام شديد بالأمن الغذائي و47.2% من انعدام متوسط، في حين يتمتع 39.4% بأمن غذائي مقبول، ولكنهم معرضون لانعدامه مع أي صدمة تتعلق بارتفاع الأسعار.

تصريحات عربش تتوافق مع مؤشرات أممية، حيث أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقريراً جاء فيه أن 14.6 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، وأن 12 مليوناً يعانون من انعدام الأمن الغذائي وهم لا يعرفون مصدر وجبتهم التالية.

كما أشار البنك الدولي في آخر تقرير فصلي له (ربيع 2022) إلى أن التضخم المرتفع في سوريا أثر على الفقراء والضعفاء بشكل غير متناسب، حيث ارتفع معدل تضخم أسعار الغذاء وفقاً لمؤشر الحد الأدنى لسعر سلة الغذاء التابع لبرنامج الغذاء العالمي بنسبة 97% خلال عام 2021، بالإضافة إلى زيادة بنسبة 236% في عام 2020، متوقعاً أن تستمر الظروف الاقتصادية بالتدهور في سوريا.

يشار إلى أن موازنة الحكومة السورية لعام 2022 أقرت بمبلغ إجمالي قدره 13.325 تريليون ليرة سورية، أي ما يعادل أي ما يعادل 4.735 مليارات دولار أمريكي (الدولار بـ 2814 ليرة وفقاً للمركزي السوري)، فيما كانت عام 2010 نحو 747 مليار ليرة أي ما يعادل حينها (16.755 مليار دولار)، فيما يصل حالياً الحد الأدنى للأجور 92 ألف ليرة شهرياً أي ما يعادل 32 دولاراً.