الأدب الروسي أدب عريق، إنساني، وعميق، أثر في آداب الأمم الأخرى، رواده القدامى حفروا أسماءهم على جدران التاريخ والثقافة والفكر، مقدمين للبشرية جمعاء أعمالاً ذات قيمة ومكانة عالية.
وتعتبر سورية من الدول العربية الناشطة منذ القرن الماضي في ترجمة الأدب الروسي، حيث تم نقل العديد من روائعه للقارئ العربي عبر العديد من المترجمين وعلى رأسهم الأديب والدبلوماسي الدكتور سامي الدروبي، الذي ترجم معظم أعمال دستويفسكي، تولستوي، بوشكين وغيرهم إلا أنه لم ينقلها عن لغتها الأصلية وإنما عن طريق لغة وسيطة.
إلا أنه برز مؤخراً جيل من المترجمين الذين قاموا بترجمة أعمال أدبية روسية من لغتها الأصلية، متجاوزين مشاكل الترجمة الوسيطة، لرواد ذاك الأدب ومعاصريه.
أسباب
وفي هذا الإطار، قال الأديب والمترجم الدكتور ثائر زين الدين لـ«البيان»: إن حركة الترجمة لم تكن ناشطة في بعض البلدان العربية بقدر نشاطها في سورية ومصر ولبنان والعراق حيث اشتغلت هذه البلدان حصراً على الترجمة.
وأشار زين الدين، الذي ترأس الهيئة العامة للكتاب في وزارة الثقافة، في السنوات الخمس الماضية، إلى أنه منذ بدايات القرن التاسع عشر والقرن العشرين ترجم الأدب الروسي بشكل جيد، لكنه بقيت في الظلال أسماء مهمة ونتاج مهم لم يترجم لأسباب كثيرة، لافتاً إلى أن «الفترة التي نشطت فيها حركة الترجمة عن الروسية في سورية كانت مدفوعة غالباً بأسباب إيديولوجية وسياسية... وكان السوريون سباقون في هذا المجال، والكتاب الكلاسيكيون أيضاً الذين طبعت أعمالهم في بلادهم بكثرة مثل ليف تولستوي خلال فترة الاتحاد السوفييتي وترجمت أعماله المهمة وتبنتها وزارة الثقافة السورية».
وتابع زين الدين: «إن الدكتور سامي الدروبي بدأ مشروع ترجمة الأدب الروسي، وأكمل هذا المشروع الأديب صياح الجهيم وقاما بترجمة الأعمال الروسية عن الفرنسية، والدروبي صاحب مشروع ضخم حيث نقل معظم أعمال دستويفسكي إلى العربية وجيلنا قرأها عن ترجمته مثل «الليالي البيضاء»، «الأخوة كارامازوف»، «الجريمة والعقاب»، و«مذلون مهانون»، «طبعتها وزارة الثقافة ودار ابن رشد».
فروقات
وعن الترجمة عن اللغة الروسية الأصيلة، قال زين الدين: بدأ جيلنا يترجم عن اللغة الروسية الأصلية، مثلاً أنا وبطلب من بعض دور النشر والدكتور فريد الشحف قمنا بترجمة أعمال دستويفسكي عن اللغة الروسية وهو مشروع جديد وأنجزنا منه إلى الآن مجموعة مهمة من الأعمال ومنها مثلاً «حلم رجل مضحك»، «زوجة رجل آخر»، «زوجة تحت السرير» وهي صدرت في الجزائر، و«الليالي البيضاء» ترجمتها لدار سؤال في لبنان.
وعن الفرق بين الترجمة عن اللغة الأصيلة والوسيطة، يقول زين الدين: إن ترجمة الدروبي رائعة ومهمة لكن دائماً الترجمة عن لغة وسيطة تعاني من مشكلات سببها الانتقال من لغة إلى أخرى ثم من لغة إلى أخرى وهذه لمسناها، والرافعة الأساسية لأعماله المترجمة كانت أنه أديب بلغته الأم، أي تستطيع أن تقول إنه قاص وروائي باللغة العربية وأديب مهم، ولذلك عندما نقل هذا النتاج فقد نقله بشكل جداً جميل، ومن يقرأ «الجريمة والعقاب» للدروبي يشعر وكأنه يقرأ عملاً مكتوباً أصلاً باللغة العربية، لكن الترجمة عن اللغة الأصلية تكون المطابقة أشد ما يكون، ولا نجد هناك اختلافاً كبيراً بين النص الأصلي والنص الذي ينتج بالعربية».
توجه رسمي
يضيف زين الدين: «إن الأدب الروسي في سورية حصراً أخذ حقه، وكان هناك اهتمام كبير من قبل المترجمين لنقله إلى العربية، وكذلك وزارة الثقافة السورية ولاسيما خلال السنوات الأخيرة وهذا كان جزءاً من عملي، حيث أطلقنا مشروعاً أسميناه المشروع الوطني للترجمة في سورية، نضع كل عام خطة وطنية للترجمة، حصة الأدب الروسي ليست قليلة بالإضافة للغات الأخرى».
ويتابع: «خلال السنوات الخمس الماضية ترجمنا عدداً كبيراً من الأعمال عن الأدب الروسي، واستطعنا أن نترجم لكتاب أحياء يعيشون في روسيا، فمن المهم الترجمة للأسماء الكبيرة التي تحدثنا عنها، لكن من الجميل أن ننقل أعمال كتاب معاصرين هذا ما فعلناه في الهيئة العامة السورية للكتاب».
حركة أدبية
وحول أهمية الأدب الروسي ونقله إلى العربية، قال الأديب زين الدين: إن الأدب الروسي أدب عريق وإنساني وعميق وأثر في آداب الأمم الأخرى، فعندما كان دستويفسكي ينتج أعماله كانت تؤثر ليس فقط في النخبة أو الخاصة الذين يقرأون أعماله، وإنما في العامة لأنها كانت إنسانية وشديدة العمق، وحتى سيغموند فرويد يقول بأنه استفاد من أدب دستويفسكي وما طرحه.
وتابع «هذا الإرث الكبير جعل الأجيال التي تلت تسترشد به وتستفيد من تجربته، وبرز كتاب كبار قدموا أعمال مذهلة مثل ميخائيل بولغاكوف الذي قدم «مذكرات طبيب شاب»، وعمله الرائع «المعلم ومارغاريتا».
وفيما يخص مسألة ترجمة بعض الأعمال الأدبية العربية إلى الروسية، قال زين الدين «هذا الأمر في غاية الصعوبة لأنك بحاجة إلى سوق هناك، وخلال دراستي في روسيا شاهدت عدد من الأعمال المترجمة للروسية ومن بينها بعض أعمال حنا مينا مثل «الشراع والعاصفة» وبعض أعمال محمود درويش، وبعض قصائد المتنبي وامرؤ القيس لكن هذه الأعمال تبقى قليلة وأنت بحاجة لمن يسوق لك هناك فهذا الأمر فيه صعوبة».






