«منارة معرفية تعانق فضاءات الإبداع وترسم مسارات نوعية لمبادرات استئناف الحضارة العربية التي يحرص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على إحياء وهجها وتألقها».

هكذا وصف المشاركون في جلسة «مساحتكم عبر البيان» النقاشية على «تويتر space»، مكتبة محمد بن راشد، مؤكدين في حوارات وإضاءات هذه الجلسة التي نظمتها «البيان»، أول من أمس، تحت عنوان «مكتبة محمد بن راشد.. منارة استئناف الحضارة العربية» بمشاركة كوكبة مثقفين إماراتيين وعرب، أن المكتبة كنز فكري وصرح غني بتفاصيله المعمارية وذخائره، يهديه فارس وشاعر العرب، للأجيال المقبلة ولكافة الفئات والشرائح المجتمعية، لتعزيز تطور مجتمعاتنا والنهوض بمستوياتها وبآفاق تطورها.

كما شدد المثقفون في حواراتهم ونقاشاتهم، على أن المكتبة صرح فكري أذهل الجميع فور أن شرع أبوابه، بفضل محتوياتها الثرية ومقتنياتها المهمة وحجم ما تمتلكه من مخزون معرفي مسكون بين دفتي أكثر من مليون كتاب.

وأكد المشاركون في الجلسة أن المكتبة تذهب نحو فضاءات معرفية وفكرية واسعة، وأنها تفتح آفاقاً كبيرة للبحث والتأمل، معتبرين أنها ستكون عنوان الخليج في عصره المقبل، وأوضحوا أن تأثير المكتبة سيتضح من خلال قدرتها على نقل إبداعات الإنسان العربي للعالم، كما بينوا دورها الخلاق في تعزيز قيمة التسامح بين الثقافات، وقالوا إنها تمثل رؤية واضحة لتوجهات دبي الثقافية.

شارك في الجلسة كل من: الكاتب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، الروائي الإماراتي علي أبوالريش، الدكتور بدر فيصل الدويش الأمين العام المساعد (المجلس الوطني للثقافة والفنون) بالكويت، الأستاذ الدكتور علوي الهاشمي- الشاعر والناقد والأكاديمي البحريني، الدكتور خالد عزب الكاتب والباحث المصري المتخصص في علوم المكتبات. وأدار الجلسة، طاهر بركة، الإعلامي في قناة «العربية» التلفزيونية.

مبادرات متنوعة

الكاتب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، انطلق في حديثه من دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في القمة العالمية للحكومات عام 2017، إلى استئناف الحضارة، حيث قال سموه آنذاك: «الإنسان هو الذي يصنع الحضارة، والإنسان العربي يملك المقومات الحضارية، والعودة من جديد واستئناف الحضارة».

وقال الهاملي: «هذه الدعوة ترجمها سموه إلى أعمال وأفعال تجسدت في مبادرات كثيرة تحت عناوين عدة، تصب كلها في نهر خدمة الثقافة والنهوض بالقراءة، وإعادة الاعتبار إلى الكتاب، بوصفه الحاضن الأكبر والأقدم للمعرفة، وباعتبار القراءة هي الرهان الأول لاستئناف الحضارة.

في هذا السياق جاء افتتاح مكتبة محمد بن راشد ليتوج هذه المبادرات، ويؤسس لصرح ثقافي جديد يقف شامخاً مطلاً على خور دبي، معلناً أن هذا الممر المائي ليس حاملاً للبضائع التجارية فقط، وإنما هو معبر للثقافة والحضارة، تستقر على ضفتيه من جيل إلى جيل، وتنتقل من بلد إلى آخر، كي تراكم إرثاً ثقافياً وحضارياً ومعرفياً يسجل لأبناء هذه الأرض مزاوجتهم بين الحراك الاقتصادي والثقافي في انسجام تام وتناغم فريد لا يمكن أن تصنعه إلا العقول النيّرة، والأفكار العظيمة، والعزائم القوية».

وأضاف: «يجيء افتتاح مكتبة محمد بن راشد ليعزز مكانة دبي والإمارات على خريطة الإبداع الثقافي العالمي، وإبراز دورها المحوري في تمكين إلهام الكفاءات البشرية المبدعة، لتكون الوجهة الأكثر جذباً لمحبي الثقافة داخل الدولة، ولأولئك القادمين من الخارج بحثاً عن سياحة ثقافية راقية مكتملة الأركان»، لافتاً إلى أن تنوع ما تضمه المكتبة من إصدارات ومحتويات ومصنفات فكرية وإبداعية تنتمي إلى شتى الحضارات، إضافة إلى المخطوطات والمقتنيات النادرة، والفعاليات الثقافية والفنية المتنوعة، يعد واحداً من أكثر عناصر المكتبة أهمية وقوة وجذباً.

«عصر التنوير»

«نحن أمام حالة عربية استثنائية فريدة من نوعها، ستضع الجيل الجديد أمام مسؤولياته في البحث والتقصي والغوص في محيطات المعرفة، والسعي دوماً نحو التجديد الفكري»، تعبير نطق به الروائي علي أبوالريش في حديثه عن مكتبة محمد بن راشد، التي وصفها بـ«مدينة زاخرة بكل صنوف الثقافة»، وقال: «نحن نقف أمام مَعلم حضاري، يمتزج فيه الحلم بالواقع، ويذهبان معاً نحو فضاءات معرفية وفكرية لا تقف عند سقف»، مضيفاً أننا نعيش في الإمارات حالياً «عصر التنوير».

وتابع: «هذه المكتبة ستكون المحرض للمكتبات للقيام بدورها الحقيقي، وبلا شك فإن تأثيراتها ستتعدى حدود الإمارات، تحقيقاً لأمنيات المثقف العربي، وستكون بحجمها قادرة على لعب دور مهم يعيد تفعيل دور المؤسسات العلمية والثقافية العربية»، وأشار أبوالريش إلى أن هذا «الصرح يعيد الإنسان إلى فضاءات وأزمنة بعيدة».

وقال: «من خلال هذا الصرح يتم الآن تخليق نظرية جديدة في الثقافة توازي نظريات علمية إنسانية غيرت مجرى التاريخ»، معتبراً أن هذا الصرح «يفتح آفاقاً كبيرة للبحث والتأمل، وباعتبارها منارة علمية كبيرة، ستكون لها القدرة على جسر الهوة التي تعيشها الأجيال حالياً».

ما تضمه المكتبة من إصدارات فكرية متنوعة تمثل شتى الحضارات الإنسانية، يصب في سبيل تعزيز قيمة التسامح ولقاء الحضارات، وفي هذا السياق، أوضح أبوالريش أننا «نعيش في مجتمع يمتاز بفسيفساء إنسانية متنوعة»، وقال: «قيام الثقافة باستكمال المشروع الحضاري الإماراتي فيه دلالة على أن البدايات لم تكن عشوائية، وإنما مدروسة، بدليل أن الإمارات منذ نشأتها وحتى يومنا الحالي، وهي تستقطب الباحثين والعلماء والدارسين، وتقود المرحلة التنويرية، وباتت قادرة على مد أناملها الناعمة في كل مكان، من دون ضجيج».

واعتبر أبوالريش أن المكتبة تلعب دوراً مهماً في تعزيز التسامح، قائلاً: «الثقافة هي السلاح الوحيد الذي يمكن لنا أن نقاوم به كل الضغائن والكراهية، وهي السلاح الوحيد الذي يمكن أن يحمي اقتصادنا ومشاريعنا العظيمة».

فعل حضاري

من جانبه، اعتبر الشاعر والناقد والأكاديمي البحريني الدكتور علوي الهاشمي أن هذا الصرح «يشكل مشروعاً مفتوحاً على المستقبل والماضي أيضاً»، وقال: «مفردة «استئناف» ضرورية لربط الماضي بالحاضر وفتحهما على المستقبل من جديد، وبعودتنا إلى الفعل الحضاري الأول الذي ارتبط بالكتاب والمكتبات بدءاً من العصر العباسي، نجد أن هناك استخداماً لكلمة «الحكمة»، التي تم ربطها بالكتاب الذي يختزل كافة أنواع الفعل الثقافي والحضاري».

وأكد أن المكتبة «ستصبح عنواناً للخليج في عصره القادم، بدءاً من اليوم، وانفتاحاً على المستقبل، وستعمل على تغيير الكثير من المفاهيم، وستسهم في نقلة حضارية نوعية بالخليج العربي عبر الكتاب والفعل الفكري»، وتابع: «كلما نظرنا إلى هذا المعمار وما يحمله من مضامين فكرية وثقافية نشعر أننا نعيش عصراً جديداً في الخليج العربي».

زائر المكتبة سيتلمس قدرتها على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لتتجاوز بذلك بُعدها المعرفي إلى البُعد التكنولوجي، في محاولة لردم الهوة التي مررنا بها عربياً، وفي هذا الشأن أوضح الدكتور الهاشمي أن «الأجداد قاموا بتأسيس حكمتهم في التعامل مع الحضارة على الترجمة، والتي تجلت بين جنبات هذا الصرح بأشكال مختلفة، ومنها التكنولوجيا».

وعن الدور الذي يمكن للمكتبة أن تلعبه في تحفيز الشباب ودفعه نحو القراءة في ظل ما يتعرض له من مغريات رقمية كثيرة، أكد الدكتور الهاشمي أن «هذا الصرح سيشكل قاعدة أساسية لانطلاق الفعل الحضاري الجديد المستأنف للحضارة العربية»، مبيناً أن التحدي الذي يقف دائماً أمام المشاريع العربية يتمثل في عدم قدرتها على ضمان استمرارية الفعل الحضاري، وقال: «أعتقد أن هذا الصرح سيظل في ذاكرة التاريخ طويلاً، خاصة عندما يتحول نحو الفعل الحضاري الواسع، عبر اهتمامه بالإبداع العربي وإيصاله إلى العالم عبر مختلف اللغات»، مشيراً إلى أن تأثير هذا الصرح سيتضح من خلال قدرته على نقل إبداعات الإنسان العربي للعالم، والاستفادة من الترجمة في عملية نقل إبداعات العالم العميقة والواعية إلينا».

جسور عبور

أصداء افتتاح مكتبة محمد بن راشد لم تكن فقط ضمن حدود الإمارات، وإنما تجاوزتها نحو الخليج والعالم أجمع، الذي رأى فيها منارة معرفية مهمة، وفي هذا الإطار أكد الدكتور بدر فيصل الدويش، الأمين العام المساعد (المجلس الوطني للثقافة والفنون) بالكويت، أن «افتتاح المكتبة كان له أبعاد كثيرة في الخليج أو العالم العربي، الذي يعي مفهوم الثقافة وأبعادها التنموية»، وقال: «يلفتنا تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في خطابه على «إنارة فكر الإنسان»، وهو ما يؤكد أن الحضارة العربية والإسلامية هي رافد مهم في فهم الوعي الإنساني، وقد أعطانا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في خطابه مجموعة آليات تمكننا من الوصول إلى هذا الهدف، منها تعزيز القراءة ونشر المعرفة وترسيخ هويتنا وتراثنا، ونشر المعرفة ودعم الباحثين والمبدعين، باعتبارهم الفاعلين في التنمية الثقافية في تجلياتها المختلفة».

وحول إسهامات المكتبة في بناء جيل عربي مهتم بالقراءة، اعتبر الدكتور الدويش أنها تشكل رافداً مهماً في تكوين استنارة الوعي لدى الشباب، واستكمال الشخصية العربية المتزنة القادرة على تقديم الأفضل للمجتمعات الإنسانية».

وقال: «بتقديري إنه عبر هذه المكتبة ستنطلق جسور عبور عربية نحو أمريكا وأوروبا والعالم أجمع، وبالتالي يمكننا الاستفادة من البنية الرقمية التي حققتها الإمارات في هذه العملية». وتابع: «الشباب يشكلون الأكثرية في العالم عموماً، وبتقديري فإنه يمكن الاستفادة من هذه المكتبة في بناء جسور عبور عربية نحو العالم، وتأصيل التواصل الثقافي بيننا وبينه، كما يمكن الاستفادة من البنية التحتية الرقمية القوية التي قامت الإمارات ببنائها وترسيخها في مخاطبة الوعي الإنساني العربي، وصولاً إلى خطاب عالمي يفيد منه الإنسان بشكل عام».

جوائز عديدة

في مداخلته، فتح الباحث والمتخصص في علوم المكتبات الدكتور خالد عزب، العيون على نوعية تصميم المكتبة وما يحمله من رمزية خاصة، وتوقع أن يحصد التصميم المعماري للمكتبة جوائز عديدة في المنظور القريب، وقال: «ما يعجبني في هذا المشروع هو وجود رؤية واضحة لماهية توجهات دبي الثقافية، وقد كان ذلك واضحاً في مشروع تحدي القراءة العربي الذي بدأته منذ سنوات، وبات أفضل مشروع عربي لتحفيز الأجيال العربية على القراءة، كما يلفتني أيضاً إدراك القائمين على المكتبة طبيعة التحول الذي حدث في عالم المكتبات في غضون العقدين الأخيرين، وهي أنها تحولت من أماكن لترفيف الكتب إلى أماكن لإنتاج المعرفة»، مشيراً إلى أن المكتبة تسير في طريقها نحو النشر الرقمي والورقي، وقال: «بهذا التوجه وضعت المكتبة على عاتقها عبء سد الفراغ في النشر، الذي يعاني منه الوطن العربي منذ سنوات طوال، وبتقديري فإن من يتمكن من ملء هذا الفراغ، سيكون هو الفاعل الحقيقي في الحياة الثقافية العربية».

نوادر المطبوعات

الدكتور خالد عزب لفت في مداخلته إلى مقتنيات المكتبة المتعددة، معتبراً أنها «كانت الأفضل من حيث جمع نوادر المطبوعات»، وقال: «هذا الجانب لم تلتفت إليه المكتبات العربية المعاصرة بصورة جيدة، إذ إن الوطن العربي يفقد رصيده من الكتب المطبوعة القديمة بصورة ملحوظة، وفي حال استمراره على هذا النهج، سنضطر مستقبلاً إلى التوجه نحو المكتبات الأوروبية والغربية وحتى الصينية لمعرفة ما طبع في العواصم العربية، ووجود مكتبة محمد بن راشد وامتلاكها رصيداً كبيراً من الكتب العربية المطبوعة، يعد أمراً متميزاً».

وشدد على أهمية الاهتمام بالإنتاج المعرفي في الفضاء الرقمي، وقال: «هناك فضاء رقمي متسع، واستطاعت دبي إدراكه عبر متحف المستقبل، وحالياً أصبح لديها أيضاً مكتبة محمد بن راشد التي تمكنها من إدراك حجم الإنتاج المعرفي في الفضاء الرقمي، الذي لا يزال لدينا فيه إشكاليات كبرى»، مؤكداً حاجتنا العربية إلى مؤسسات تشبه مكتبة محمد بن راشد لتساعد على جسر هوة الإنتاج المعرفي الرقمي، مؤكداً ثقته في أن «المكتبة ستكون مختلفة عن نظيراتها العربية».

وقال: «تمتاز المكتبة بامتلاكها مساحات واسعة يمكن ملؤها بالمعرفة، من خلال استعادة الاهتمام بالتراث العلمي العربي بصورة حقيقية، ودعم الثقافات العربية المختلفة، والعمل على بناء بيلوغرافيا عربية كاملة، تضم كل ما طبع في الوطن العربي منذ بدايات الطباعة وحتى الآن».

6 ملايين

آثر طاهر بركة، في بداية حديثه، التعريف بقيمة وأهمية (مساحة «البيان» على تويتر ) في ضوء ما تناقشه من موضوعات حيوية جوهرية تتخصص في شتى القضايا والميادين إذ تعتني الأستاذة منى بوسمرة، رئيس التحرير المسؤول لصحيفة «البيان» بمواكبة كافة قضايا المجتمع وجوانبه التنموية بشكل دائم وفي مختلف فعاليات ومواكبات الصحيفة، موضحاً أن أبرز أمثلة ذلك موضوع هذه المساحة النقاشية : «مكتبة محمد بن راشد..منارة استئناف الحضارة العربية» التي تضيء قيمة ومكانة صرح فكري وعلمي عالمي المستوى. ومن ثم ألقى بركة الضوء على جملة من الأرقام التي تكشف عن حجم ما تمتلكه مكتبة محمد بن راشد من مقتنيات معرفية وعلمية وإصدارات أدبية، .

وقال: «عبر هذه المساحة تواكب الصحيفة التقدم العصري الذي تعيشه دبي والإمارات». وأضاف: «أذهلتني الأرقام التي اطلعت عليها، والمتعلقة بمكتبة محمد بن راشد، فنحن نتحدث عن 1.1 مليون كتاب ورقي ورقمي بالعربية والأجنبية، و6 ملايين رسالة علمية، و63 ألف مقطوعة موسيقية، و7000 فيديو، و13 ألف مقالة، وأكثر من 5000 دورية ورقية وإلكترونية تاريخية».