بجذور ضاربة في عمق التاريخ، تطل «الرواشين» من مباني جدة في السعودية لتحكي للعابرين قصصاً تاريخية، وحكايات وأهازيج وروايات تزاحمت في طرقات تشبه السحر، تفوح منها رائحة الورد البلدي الأصيل، بطراز معماري هندسي فريد على واجهات مباني المدينة، تصلي طويلاً في محراب قرون مضت بحكم موقعها الجغرافي باعتبارها بوابة الحج قديماً، وبين طياتها بوح التراث والحراك الاجتماعي القديم لمدينة جدة، الذي خولها لتكون في قائمة التراث العمراني العالمي لدى منظمة اليونيسكو عام 2014.
وتعرف «الرواشين» بأنها النافذة أو الشرفة البارزة المصنوعة من أجود ألواح الخشب، والتي تستخدم في تغطية النوافذ والفتحات الخارجية، وكانت هذه الرواشين تنحت «بفن الأرابيسك»، وهو عبارة عن أنماط ونماذج هندسية معقدة تخرج في هيئة زخارف متشابكة ومتداخلة ومتقاطعة.
شاهدة
ويرى الزائر كيف استطاعت أن تستحوذ المباني والرواشين على حكايات العابرين، وتحفظها فنوناً هندسية عتيقة شاهدة على حضارة عريقة، فبين «حارة المظلوم» و«حارة الشام» و«حارة اليمن» و«حارة البحر»، تتشابه المباني في عدد طوابقها ويتراوح ارتفاعها بين 4 و5 طوابق، كما تتشابه في واجهاتها المصنوعة من خشب الساج الهندي والجاوي الذي يوفر التهوية الطبيعية للمنازل، ولأن استخدام الزجاج لم يكن شائعاً حينها، فقد استخدم الأهالي الرواشين والمشربيات المزخرفة لتغطية النوافذ، أما الأبواب فكانت تصنع من لوحين ثقيلين من خشب الساج وفيها فتحة صغيرة للرؤية.
فمن بيت نور ولي التاريخي في حارة اليمن بالمنطقة التاريخية الذي بني قبل 150 عاماً وفق الطراز المعماري التقليدي الجميل، لا تزال نوافذه الخشبية الخارجية محتفظة برونقها وألوانها، مشتملاً على 15 غرفة، منها المكتب التجاري للعائلة إضافة لقاعات وغرف كبيرة عدة.
واشتمل البيت على فتحات خاصة خارجه يفرغ فيه «ساقي الماء» دون الدخول إلى البيت الذي كان مصمماً بشكل هندسي لا يتوفر في كل البيوت آنذاك، حيث كان في أسفله بئر وفي أعلى السطح مرزاب تمر من خلاله مياه الأمطار عند هطولها إلى صهريج أرضي، وبنيت أغلب تلك البيوت بطريقة مغايرة ما إن حدث خلل في البناء حتى تنهار في مكانها دونما إلحاق أي ضرر في البيوت المحيطة، وهذه إحدى القيم التي تعهدها سكان البلد كي لا يؤذوا الآخرين.
أشهر وأقدم
ومن أشهر وأقدم المباني الموجودة حتى الآن، «بيت آل نصيف وبيت آل جمجوم فـي حارة اليمن، ودار آل باعشن وآل قابل، والمسجد الشافعي فـي حارة المظلوم ودار آل باناجة، وآل الزاهد فـي حارة الشام»، فضلاً عن مسجد عثمان بن عفان وبعض الأبواب الستة كـ «باب مكة، وباب شريف، وباب جديد».
ورغم إخلاء هذه المنازل، يرى الزائر تشبث الجذور الوطيد على نواصيها وأبوابها، إذ يجلس أبناء وأحفاد وذوي من عمروها، يرحبون بمن مر، يستقبلون الضيف بالقهوة السعودية الأصيلة، يعيدون إحياء الذكريات، ليشهدوا على التشبث بالهوية والتواصل الوطيد بين الأجيال والمحافظة على الموروث كجزء لا يتجزأ من ثقافة أبناء جدة التاريخية.
