السوق المركزي بالشارقة.. ينقل ثقافات وحكايات الشعوب بقطع فنية نادرة من السجاد

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

مع بداية يوم جديد... يواصل التاجر فراس العمري عمله بتجارة السجاد، الذي يؤرخ لأول متجر في السوق المركزي بالشارقة، يعود ترخيصه إلى نوفمبر من عام 1977، قبيل افتتاح السوق بعام....

يقول العمري: «بدأت عملي في هذا المتجر، الذي ورثته عن والدي منذ كان عمري 15 عاماً، لأجده بيتاً ضمن عائلة السوق المركزي، وليس مجرد مكان للتجارة وجني الأرباح، فهو الشاهد على حكايا الماضي وذكرياتنا.. ففيه قلبنا صفحات العمر.. وصنعنا حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية».

في تلك التحفة المعمارية الزرقاء الخلابة على بحيرة خالد الساحرة، التي هندستها زخارف إسلامية، ويعود افتتاحها إلى عام 1978.. تتعدد الحكايات في السوق المركزي بالشارقة، لتنشر عبقها بين ثنايا جدرانه العتيقة... ويحفظها تجار السوق الذين وجدوا به وجهة استقرار لتجارتهم المتنوعة منذ عدة عقود، بما لديهم من مقتنيات تراثية وتحف وسجاد، وغيرها من أنواع التجارة...

يشير العمري إلى أن والده الذي قدم من اليمن قبل 45 عاماً، اتخذ من السوق المركزي مقراً دائماً لممارسة شغفه بتجارة السجاد، ليستقطب العديد من التجار اليمنيين الذين استمروا به منذ بداياته حتى اليوم، لما يتميز به هذا المكان عن غيره بحميميته، الذي يعكس روح الشارقة المتجددة...

تأخذك سجادة ضخمة تحتل جداراً كاملاً في أحد محال السوق... إلى حكاية من الماضي، نسجتها عائلة من تبريز الشهيرة بسجادها اليدوي الصنع.. تفننت تلك العائلة في حياكة التحفة الفنية على مدى خمس سنوات، بخيوط من الحرير الصافي والصوف، لتحكي رواية الملكة بلقيس اليمنية الشهيرة، بتفاصيل دقيقة وألوان متنوعة خلابة، جمعت شخوص الحكاية، مع عدة أسود، وتفاصيل فارهة من القصر الملكي.

يقول مدير المبيعات، أحمد الشاذلي، إن هذه السجادة التي يصل ثمنها إلى 120 ألف درهم، واحدة من نوادر قطع السجاد التي تنقل الثقافات، وتحكي دقة ومهارة صناعة السجاد، مبيناً أن كل سجادة تصنع يدوياً، تحمل توقيع صانعيها من العائلات الإيرانية الشهيرة بهذه الصناعة.

وتنتشر في السوق المركزي بالشارقة، العديد من القطع المميزة التي تشكل لوحات فنية متكاملة، بأسماء مختلفة، تحمل توقيع الأنامل التي نسجتها، لتعكس هويتها....

يضيف الشاذلي أنه بالتعامل المتواصل مع هذه المهنة الفنية الأصلية، تولدت لدى البائعين مهارات التعرف إلى مصدر القطعة، وعائلتها الصانعة، دون النظر إلى التوقيع.

أسرار السجاد

يكشف تجار السجاد في السوق المركزي بالشارقة، عن بعض أسرار تقدير قيمة سعر السجادة، من خلال خيوطها، إذا كانت من الحرير الصافي أو المختلط، وبعدد العقد المتراصة، التي تصل إلى 2000 عقدة في الإنش، وتشكيلة الألوان الطبيعية...

وتكتنز المحال العتيقة في السوق المركزي بالشارقة، نوادر قطع السجاد من حول العالم، التي يقدر ثمنها بملايين الدراهم، تتنوع بين القطع التراثية والحديثة، بأشكالها وأصنافها المتنوعة، على اختلاف دول تصنيعها.

يبين البائع الخمسيني محمد جعفر، الذي يعمل في السوق منذ 35 عاماً، أنه باع سابقاً سجادة بقيمة مليون ونصف المليون درهم، مشيراً إلى أنه شهد في السوق قطع سجاد مميزة بقيمتها المعنوية، التي لا تقدر بثمن.

وتتنوع قطع السجاد بين العجمية المنشأ، والحريرية الصافية المصنعة بمدينة قم الإيرانية، وأخرى من أصفهان وتبريز وأفغانستان، وباكستان، والهند، وكازاخستان، وغيرها من الدول الشهيرة بصناعة السجاد...

ملتقى العالم

يجمع تجار السوق المركزي بالشارقة، على أن عهدهم به منذ بداياته قبلة للمتسوقين الباحثين عن المقتنيات التراثية المميزة، وقطع السجاد النادرة، التي تأخذ مكانتها في المجتمع الإماراتي.

ويشكل السوق وفق آرائهم، ملتقى العالم بمعروضاته المتنوعة المنشأ، التي تنقل حكايات الشعوب وثقافات الدول...

يشاطر التاجر اليمني علي سيف، آراء زملائه في السوق، أنه يجمعهم بالمحبة والتقارب، ليجده بيته الثاني لعائلته الكبيرة في السوق... الذي استقر به منذ 30 عاماً، ويستذكره من أكثر المعالم الشهيرة منذ ذلك الوقت..

ويروي التجار أن السوق بمكانته الشهيرة، يستقطب العديد من العوائل المعروفة بحرفة صناعة السجاد، التي تأتي إليهم من إيران، لعرض قطعهم المميزة والتجارة بها بالسوق المركزي، مبينين أن تجارة السجاد اليدوي باهظ الثمن، لم تتراجع، كون زبائنه من الطبقة الاجتماعية الثرية..

روح المكان

يستذكر الزائر إبراهيم عبد الله، أحد رواد السوق، أنه كان محطته السياحية الأولى عندما قدم إلى إمارة الشارقة، قبل نحو 20 عاماً من مصر، الذي أبهره معروضات السجاد بقطعه الفنية النادرة، مشيراً إلى أنه يستهويه زيارة السوق باستمرار، لشراء ومشاهدة مقتنياته.

وتؤكد الزائرة الجزائرية آمال أحمد، أنه رغم تعدد مراكز التسوق والأسواق التجارية الكبرى، إلا أن السوق المركزي بالشارقة، بقي وجهتها المفضلة لشراء السجاد، لافتة إلى روح المكان وعبقه، الذي يضيف متعة التسوق.

يجد البائع عبد الستار عبد الغفران، الذي استقر عمله بائعاً بمتجر واحد بالسوق منذ 30 عاماً... أن السوق بقي محافظاً على روحه الأصيلة، وهو بيته الثاني، بعد مغادرة وطنه «بنغلادش» منذ أكثر من ثلاثة عقود.. ليعايش تغيراته منذ أوائل سنوات شبابه.. لكن مكانه لم يتغير...

يستعد فراس العمري، لإغلاق محله مع الدقائق الأخيرة من موعد إقفال السوق في الليل، مؤكداً أنه منذ صباه، اعتاد أن يودع يومه بشوق ليوم جديد منذ بواكير الصباح، لعلاقته الحميمية بمتجره، الذي يؤرخ لأول سجادة عرضت وبيعت بهذا السوق الأصيل.

طباعة Email