سيرة حبيبة مسيكة ونساء أخريات في "قرطاج الكوريغرافية"

أحرق حبيبها جسدها فعادت شبحاً يرقص في تونس!

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

كان بوسع الجمهور أن يستمع إلى أنفاس التونسية ملاك السبعي. حين ينخفض صوت الموسيقى، تتسرب أصوات من لهاثها إلى مسمع الحضور الذي ملأ مقاعد "مسرح الجهات" في "مدينة الثقافة" بالعاصمة تونس.

لكنّ السبعي، الراسخة في الرقص الأدائي والباليه، والممتدة تجربتها بين أوروبا وتونس على مدى عقود، لا تتوقف، تبدو مثل بركان هادر: ستون دقيقة، على الخشبة، من الرقص، بكل تلويناته: من البدائية الى المعاصرة، ومن ذلك الذي يخرج من عمق الروح مكوّنا ايقاعا للجسد، الى السكون الكامل الذي لا يقل تعبيرا عن الحركة.

ساعة متواصلة صاحبها عزف موسيقي موهوب يصل الى درجات عالية من التمكن، هو الشاب سليم عرجون. كذلك إضافة لافتة على شكل شريط توثيقي كونته التشكيلية هالة عمار عرض على قماشة حملها بثبات بطلا العرض.

ذلك كله اعتمل في نسيج واحد اسمه: "بلدي يا بلدي". عرض يقف وراءه رضوان المؤدب.

نار المؤدب
يحتاج الأمر الى انضباط وخبرة كبيرين، تمتع بهما، بلا شك، ابن المسرح والراقص ومصمم العروض رضوان المؤدب، لكي يقبل على مغامرة بحجم تكريم المرأة التونسية على مدى أجيال بالاعتماد على موسيقى وجسد "صولو".

غالب الظن أنه نجح في الإمساك بانتباه الجمهور الى تلك الطاقة المشتعلة التي لم يتوقف هديرها:" النار ثيمة رئيسية في العمل، فهو يستعيد أيضا نضالات المرأة التونسية خلال حقب مختلفة ودورها في الشأن العام"، يقول المؤدب في حديث لـ"البيان".

ومن تلك الرموز النسائية التي يتعرض "بلدي يا بلدي" الى سيرتها تبرز الفنانة التونسية الشهيرة حبيبة مسيكة التي ناهضت الحماية الفرنسية ولها الى جانب عملها النضالي تجارب في الغناء والمسرح.

 لفتت الأنظار الى شخصيتها واختلطت مع مبدعين فرنسيين في باريس في تلك الحقبة لكن نهايتها المأساوية كرست سيرتها بعد أن أحرق حبيبها جسدها في "لوثة جنون الحب":" النار بمعانيها الحقيقية والمجازية مرتبطة بكثير من الحكايات التونسية التي يستعرضها هذا العمل"، يضيف المؤدب:" ترقص المرأة في العرض وكأنها شعلة من النار. هي المرأة، مصدر الحياة، ورمز العاطفة والحب. تتسلح بنار الثورة والقوة والإرادة ولا تتوانى عن الدعوة لتغيير العالم. الأوطان بحاجة الى نساء حتى تكون جميلة وقوية".

جسر الى الفتوة
في أداء فريد ونادر، يجعل عازف البيانو الذي ترافق موسيقاه العرض بشكل حي، يغادر كرسيه لكي يشارك في الحيز ذاته كممثل وراقص، قدم عرجون، الذي رسخ اسمه خلال السنوات الماضية كأحد أكثر مؤلفي الموسيقى التونسيين والعرب تجديدا وشغفا بالتجريب، وجها جديدا من وجوه موهبة الملونة. ها هو، مثل طفل صغير في حضرة امرأة تكبره بثلاثة عقود، يفرح بها ويحتضنها ويرش عليها زينة حمراء.

هي بالمقابل، تمد يدها الى شبابه النابض وفتوته وتفتح له أبواب المستقبل:" مسألة العمر الشخصي لصناع العمل، بما فيهم أنا نفسي، ومفهوم تقدم الزمن في العمر الأشمل للوطن، تشغلني واعبر عنها في أعمالي منذ أكثر من عقدين، حين بدأت لأول مرة عملي الأول في مجال الكوريغرافيا"، يشرح المؤدب الذي يقيم في العاصمة الفرنسية باريس لكنه لا ينقطع عن العمل في بلاده تونس مع شركاء مبدعين.

"بلدي يا بلدي" الذي سبق وعرض في "مرسيليا" الفرنسية، قدم ضمن العروض الافتتاحية لـ "أيام قرطاج الكوريغرافية" (فن التعبير عبر الجسد) الذي انطلق في العاصمة التونسية.

 

طباعة Email