المكتبات دور «خجول» في إثراء ثقافة الطفل

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تحديات كثيرة باتت تعترض طريق تعزيز علاقة أطفالنا بالكتاب في العصر الحديث، خاصة في ظل تأثيرات التقنيات الحديثة والألعاب العصرية وعوالم الفضاء الإلكتروني التي سرقت الطفل من مدارات المعرفة وجعلته يفضلها على القصة والكتاب أو أي مساق فكري وتثقيفي.

ولا شك أن المكتبات العامة، ومعها المكتبات الأخرى بأنواعها كافة، باتت حائرة وأمام امتحان كبير في ظل هذا الواقع المتشابك والحساس، حيث غدت تحتاج أدوات عمل وتطوير عصري نوعية، تستطيع معها أن تصبح بيئة جاذبة للصغار، تحفزهم على حب القراءة، بجانب الترفيه. «البيان» تضيء في هذا التحقيق على أجدى وسائل ومناهج العمل الكفيلة بإنجاح رؤى وخطط عمل المكتبات في هذا الصدد، من خلال آراء مجموعة متخصصات وكاتبات في مجال المكتبات وأدب الطفل.

بوابة ثقافية

تقول إيمان الحمادي، مدير قسم شؤون المكتبات، مكلف في هيئة الثقافة والفنون في دبي: تُشكل المكتبات في العصر الراهن بوابات ثقافية ومعرفية لمختلف الفئات العمرية وتحديداً الأطفال واليافعين، ومن هذا المُنطلق فإن من الأهمية بمكان أن نخلق بيئة جاذبة تسهم في تعزيز رغبة الأطفال في ارتياد المكتبات وتنمية شغفهم نحو القراءة والمطالعة، التي تُعد من أبرز الركائز المهمة والأساسية في إعداد أجيال المستقبل.

وحتى تتحول المكتبات إلى وجهة حيوية وجاذبة للأطفال والصغار، فلا بد من الاستجابة لتطورات العصر، والانتقال من الأساليب التقليدية التي تجعل من المكتبة مكاناً جامداً لا ينبض بالحياة، إلى مفهوم جديد ومبتكر من الأنشطة والفعاليات الملهمة والمحفزة، التي من شأنها أن تُطلق العنان لقدرات الأطفال الإبداعية في مجال القراءة والثقافة والمعرفة.

أسلوب الحديث

وتضيف إيمان الحمادي: نحن في هيئة الثقافة والفنون في دبي نُولي أهمية بالغة لخلق أسلوب حديث، ونمط عصري ومبتكر، سواء في التصميم أو في الفعاليات، إلى جانب ربط الأطفال بالمكتبات عبر باقات متميزة، تشمل وصولاً واسعاً للعديد من الخدمات الرقمية والذكية، التي تتسم بالكفاء والمرونة، وتلبي مختلف التطلعات. مستمرون دوماً بعمليات التحسين والتطوير التي تهدف إلى الارتقاء بتجربة الزوار، والأطفال منهم تحديداً، حتى تكون مكتباتنا وجهة معرفية وعلمية وثقافية، وفقاً لأفضل المعايير والممارسات العالمية.

شغف وهواية

بدورها، تقول فاطمة التميمي، قائد برامج المكتبات - دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي: نحن في مكتبات أبوظبي على مدار العام نقوم بتنظيم مبادرات وفعاليات متعددة، بهدف جعل الكتاب جزءاً من الحياة اليومية لأفراد المجتمع، ونسعى لإيجاد حالة قرائية استثنائية للأطفال، بما يسهم في تعزيز قيمة القراءة لديهم، ولتكون بالنسبة لهم شغفاً وهواية وليست عبئاً أو واجباً.

وتعد مسابقة القارئ المبدع التي تنظمها الدائرة، من المبادرات التي قامت باستقطاب أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات، من الحلقتين الأولى والثانية في المدارس الحكومية والخاصة، إلى زيارة المكتبة واستعارة الكتب وقراءتها على مدى ثلاثة أشهر، وفي نهاية هذه الفترة يتم تقييم أداء المشاركين ومستوى استيعابهم لهذه الكتب.

وتتابع: تهدف هذه المسابقة إلى نشر ثقافة القراءة وحب الاطلاع بينهم وتعزيز دور المكتبات العامة في حياة الأفراد. كذلك هناك مسابقة الكاتب الصغير في الكتاب الكبير، التي تسهم بشكل فعال في المشهد الثقافي، من خلال تحفيز الأطفال والناشئة على كتابة قصص هادفة تُثري خيال الطفل، وتلبي احتياجاته الذهنية والنفسية في هذه المرحلة العمرية المهمة.

المكتبات ليست مكاناً خاصاً بالدارسين والباحثين كالسابق، بل تحولت إلى مراكز مجتمعية حيوية يستطيع فيها الطفل ممارسة هوايته ويحس فيها بتغيير عن بيئة الدراسة الروتينية. وقد واكبت المكتبات عصر التكنولوجيا في عدة نواحي ومنها ميكر سبيس تساعد هذه الزاوية في المكتبات على تعزيز الإبداع والتشجيع على الاختراع.

تحديات عصرية

وبالحديث مع الكتاب المختصين في مجال الطفل، تحدثت الكاتبة المتخصصة بأدب الأطفال، هدى حرقوص : لا بد من التأكيد على أننا أمام تحديات عصرية كبيرة، والاهتمام بالكتب الورقية والمكتبات والأنشطة الثقافية، من ضمن الأمور المهددة بالتلاشي نظراً لانصراف الطفل عنها وانشغاله بألعاب الكمبيوتر وبرامج اليوتيوب البعيدة تماماً عن الكتب والمكتبات، لذلك لم يعد من المنطقي أن تبقى المكتبات على ما هي عليه، من شكل كلاسيكي عبارة عن رفوف وكتب، ولا يقصدها إلا الراغب في الشراء، بل عليها أن تتحول رويدا رويدا إلى مكتبات عصرية تجذب الطفل، منتهجة أساليب يحبها، مثل التكنولوجيا أو الألعاب التفاعلية والشاشات العملاقة، وهنا لا بد من الإشارة إلى مثال عظيم قدمته دبي منذ سنوات، من خلال معرض كتب جائزة نوبل، كان المعرض في «لامير» وتم عرض الكتب التي فازت بجائزة نوبل بطريقة مبتكرة وجاذبة جداً، حيث رافق كل كتاب استعراض فني وإلكتروني لطيف وممتع.

وتضيف حرقوص: زرت المعرض في تلك الفترة مع أطفالي ووجدت أنهم استمتعوا بالتعرف إلى أسماء عالمية مثل نجيب محفوظ وماركيز وغيرهما، لأن طريقة عرض الكتب والمعلومات عن الكُتاب كانت تفاعلية تجمع بين اللعب والجد، وتسمع للطفل بتحريك رسوم الكتب وتسجيل مقاطع من الكتاب بصوته، ومن هنا تقع على عاتق المكتبات حالياً مسؤولية كبيرة تتمثل في تطوير آلية تعاطيها مع أنشطة الطفل تحديداً، لأنه ينتمي للفئة الأكثر تأثراً بالتوجهات العصرية الإلكترونية. عليها أن تتحدث لغته، لغة المرح والسرعة والتقنية.

مسؤولية المدرسة

وتستطرد حرقوص: أعتقد أن البداية يجب أن تكون من المكتبات المدرسية فالوقت الذي يقضيه الطفل في مدرسته كبير، ويمكن من خلاله التأسيس لمفاهيم وعادات ثقافية جديدة قد لا ينتبه كل أولياء الأمور إليها.

فلو تمكنت المدارس من مصالحة الطفل مع مكتبة المدرسة ومع الكتاب الورقي سوف يسهل عليه الاقتناع بأن المكتبات وجهة جديرة بالزيارة. كذلك المكتبات العامة لا بد أن تشرك الطفل في شكل النشاط القرائي الذي يحبذه والأخذ بالاعتبار أن الإبهار والمرح عنصران مهمان لجذب أي طفل إلى جانب التكنولوجيا.

من ناحيتها تقول الأديبة فاطمة المزروعي: تساعد القراءة الأطفال على تنمية قدراتهم ومهاراتهم، لذلك توجب على المكتبات سواء العامة أو المدرسية أن تطور طريقتها في اكتساب قراءها، وبالأخص الأطفال، والسبب يعود إلى رغبة الطفل في قراءة القصص والتعرف إلى الصور والشخصيات، إن نمطية الكتب وتكرارها في الموضوع والفكرة أحياناً قد تسبب نوعاً من النفور وعدم الإقبال على القراءة من جانب الأطفال، ومع المتغيرات الحاصلة وانتشار وسائل التواصل، كان لا بد على المكتبات تنويع كتب وقصص الأطفال واختيار الموضوعات الجديدة مثل علم الفضاء والكون والبحر والفيزياء والاكتشافات والاختراعات الجديدة، وغيرها من الكتب التي تسهم في البحث.

تفاعل الطفل

وتقول الكاتبة فاطمة المزروعي: يمكن للمكتبات أن تستضيف بعض المتخصصين في مجال القراءة للطفل والاستماع إليهم، ولا ننسى أن ذهاب الطفل منذ نعومة أظفاره إلى المكتبة برفقة أمه أو أبيه أمر حيوي ومهم، ويفتح أمامه آفاقاً أوسع، بل ويمنحه خيارات أكبر عند اختيار الكتب.

إن تخصيص يوم للعائلة في المكتبة سوف يسهم في زيادة رغبة الطفل بالقراءة، كما يمكن سماع القصص والحكايات من المؤلفين أنفسهم، ولقائهم بالأطفال أحياناً قد يسهم في الإجابة عن بعض الأسئلة لدى الطفل، ولا ننسى وجود الألعاب والدمى سوف تجعل الطفل يتفاعل معها، وكذلك وجود ورش متنوعة يحاول الطفل فيها كتابة بعض القصص من واقع حياته ويومه بين أقرانه وأسرته.

 

طباعة Email