10 % من مبيعات سوق الفن العالمي

«فضاء» بلا ضوابط.. NFT فوضى تجوب العالم الافتراضي

ت + ت - الحجم الطبيعي

يكثر الحديث حول «الرموز غير القابلة للاستبدال» (NFT)، بينما تعتمر جنبات الشبكة العنكبوتية بآلاف التقارير والتحليلات التي تتناول هذه «الرموز»، في سعي إلى رصد هذه الظاهرة، وتبيان تفاصيلها وتبسيطها قدر الإمكان للمهتمين، حيث إن تعقيدات (NFT) كثيرة، وتشعباتها أكثر، حتى أنها تبدو أشبه بعالم مجهول، يسعى الجميع إلى اكتشافه، ومعرفة تفاصيله، في ظل ارتفاع الاهتمام بالعملات المشفرة، واتساع دائرة التداول فيها، ورصد حركة صعودها وهبوطها.

في الوقت الذي يعتبر البعض إن «الرموز غير القابلة للاستبدال» (NFT)، تكاد أن تكون قاصرة على الفن التشكيلي، تبرز أصوات أخرى لتؤكد أن ارتباطاتها أوسع من ذلك بكثير، حيث بالإمكان «ترميز» أي منتج وتحويله إلى (NFT)، حتى ولو كان ذلك مجرد تغريدة على تويتر، أو صورة عابرة على انستغرام. تعاملات

اتساع التعامل بـ«الرموز غير القابلة للاستبدال»، أدى خلال السنوات الأخيرة إلى نشوء عشرات المواقع والمنصات الرقمية التي نصبت نفسها مسؤولة عن عمليات بيع وشراء أعمال (NFT). وقد تكون منصة «أوبن سي» من أبرزها وأكثرها شهرة، حيث تصف المنصة نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها «أول وأكبر سوق للسلع الرقمية المملوكة للمستخدم».

وعلى نسق «أوبن سي» باتت لدينا اليوم منصات كثيرة، مثل «في ـ آرت» (V-Art) التي أطلقت أخيراً ما أسمته بـ «سوق الفن الرقمي» (NFT Art Marketplace)، وكذلك منصة «سوبر رير» و«مينتيبل» و«نيفتي غيت واي» وغيرها.

ويذكر أن جل هذه المنصات تتعامل مع عملة «ايثيريوم» الرقمية (ETH).

إن اتساع دائرة هذه المواقع، دعا شركة «ميتا» للكشف أخيراً عن نيتها جلب «الرموز غير القابلة للاستبدال» إلى «انستغرام» في غضون الأشهر القليلة المقبلة، وفق ما ذكرته صحيفة «فاينشال تايمز» الأمريكية في تقرير لها نشرته في يناير الماضي، وأشارت فيه إلى أن فرق عمل في «فيسبوك» و«انستغرام» تنخرط في جهد يسعى إلى تكامل (NFT)، مشيرة في الوقت نفسه إلى مناقشات حول انشاء سوق متخصصة في هذه الرموز، من شأنها مساعدة المستخدمين على شراء أو بيع هذه المقتنيات الرقمية.

ومع تنامي ظاهرة التعامل مع الـ (NFT) وما أفضى إليه من تضخم قيمتها المادية، ونجاحها في بيع أعمال فنية بملايين الدولارات، برزت إشكالية «الملكية الفكرية»، التي بدت ضعيفة وشبه غائبة في عوالم الـ (NFT)، ما يهدد بضياع حقوق الفنانين وأصحاب الأعمال الإبداعية على اختلافها، فيما بدت هذه الإشكالية مثار جدل وبحث لدى العديد من رواد المنصات التي تتعامل بـ (NFT).

استثمارات

بروز إشكالية حقوق الملكية الفكرية، إنما يفتح العيون على حجم الاستثمارات في سوق «الرموز غير القابلة للاستبدال» عالمياً؛ فوفقاً لإحصائيات تشايناليسيس، وهي مجموعة للتحليلات في صناعة التشفير، شهد العام الماضي ضخ نحو «40.9 مليار دولار في عقود «البلوك تشين» لمنصة «إيثيريوم»، التي تستخدم عادة لإنشاء «الرموز غير القابلة للاستبدال»، فيما تتوقع الاحصائيات ذاتها بأن «إجمالي الاستثمار سيكون أعلى من ذلك إذا ما احتسبت قيمة الرموز غير القابلة للاستبدال التي تم سكّها على أنظمة «البلوك تشين» الأخرى، مثل منصة «سولانا». في حين تبين تقارير يو بي إس وآرت بازيل، بأن قيمة سوق الفن العالمية بلغت في العام الماضي 50.1 مليار دولار، بينما تمثل الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) حالياً ما يقارب 10% من مبيعات سوق الفن العالمي».

كافة التوقعات تشير إلى أن سوق الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) تبدو واعدة وكبيرة في الوقت نفسه، ما يفسر الإقبال عليها لا سيما من قبل الشركات والمؤسسات على اختلافها، مثل «نايكي» و«أديداس» و«سامسونغ»، ومشاهير مثل باريس هيلتون وسنوب دوغ.

هذا كله، خلق اهتماماً كبيراً لدى المستثمرين في الدخول إلى هذا المجال، ومن المتوقع أن قطاعات وأنشطة اقتصادية كاملة ستبنى عليها، مثل بيع وشراء الأراضي.

عربياً، كانت مجموعة «ام بي سي» من أوائل المؤسسات التي خاضت هذا المجال، حيث أعلنت في مارس الماضي عن دخولها عالم «البلوك تشين» للعملات الرقمية، من خلال إصدارها لأول مجموعة (NFT) خاصة بها، عبر شخصيات رمضان الشهيرة «فنانيس»، وأطلقت عليه عنوان «فنانيس جينيسس» (Fananees Genesis)، لتفتح بذلك الباب أمام الراغبين في اقتناء أول مجموعة (NFT) فريدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا.

تعقيدات

وبالعودة إلى إشكالية حقوق الملكية الفكرية للأعمال الرقمية، يسعى الجميع بلا شك إلى ضمان حقوق منشئ «الرموز غير القابلة للاستبدال» (NFT) والخاص بأي شيء رقمي.

وفي هذا السياق، تقول أوليغا سيمسون، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لمنصة «ڤي ـ آرت» (V-Art): «في الواقع، لا أحد يمكنه حالياً ضمان حقوق منشئ الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) الخاص بأي شيء رقمي، إلى جانب حماية حقوق الملكية الفكرية للأعمال الرقمية، بسبب وجود تعقيدات تتعلق بعملية حماية حقوق الملكية الفكرية، أثناء عملية إنشاء أي عمل رقمي، أو نقله واستخدامه، ورغم عدم وجود مجالات تشريعية تتعلق بهذا المجال، فقد بذلنا قصارى جهودنا، للتفكير بهذه العملية من الناحية القانونية والفنية أيضاً».

أوليغا سيمسون تؤكد بأن السوق الجديدة لا يزال بإمكانها تقديم المزيد من الطرق التي تمكننا من استخدام الأصول الرقمية على شكل كائنات فنية افتراضية، وتبين في حديثها مع «البيان» بأن هناك جهوداً تبذل في هذا السياق، وأن «تأمين حقوق منشئ الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)، باتت مدار اهتمام الكثير من المنصات الرقمية ومن بينها «في ـ آرت» التي، بحسب أوليغا، سعت أخيراً إلى «إنشاء سوق خاص بالأعمال الرقمية لضمان سلاسة تداول الأصول الرقمية وعملية نقل الحقوق للاستخدام التجاري والإبداعي للقطع الفنية الرقمية والمرقمنة أيضاً».

«سوق الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) ينمو بسرعة عالية، ولذلك فمن الطبيعي أن يتم إنشاء وتنفيذ حلول جديدة في هذا المجال»، حقيقة تؤكد عليها الكاتبة ايفجينيا تساتسينكو، في مقال لها يحمل عنوان «كيفية إنشاء فن رقمي في سوق لم يتم وضع قواعده بعد»، تسلط فيه الضوء على أهمية فهم كيفية عمل هذه الرموز ومكانتها وصياغتها، قبل الانضمام إلى ما وصفته بـ «حمى NFT»، التي قالت إنها «تبدو للوهلة الأولى جذابة، ومغرية للعين».

وبينت تساتسينكو في مقالها بأن السنوات الأخيرة شهدت ظهور منصات عديدة تعمل على «إضفاء الطابع الاحترافي على آليات تحديد مواقع الفن الرقمي وتوزيعه ومبيعاته، وتساهم في صياغة البنية التحتية الفكرية لهذه الصناعة»، مشيرة إلى أن منصة «في ـ آرت» بدأت أخيراً في تقديم حل (NFT+)، وهو عبارة عن نظام ترخيص يوفر مرونة تجارية أكبر وشهادة إلكترونية تؤمن المستخدم، وتؤكد بأن «ما تعمل عليه حالياً بعض المنصات هو تحسين الآليات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، في ظل وجود منصات أخرى لا تقدم حماية حقيقية بقدر ما توفر شهادة بسيطة عالية التقنية، تؤكد ملكية الفنان لقطعة أو عمل فني معين».

في سردها لم تغفل ايفجينيا تساتسينكو عن التأكيد على أن «العقد الذكي يعاني من عيوب»، وتقول بأنه «لا يقدم مكونات إعادة البيع أو إعادة التوزيع، لذلك إذا أراد الفنان الاستفادة من إعادة البيع، فسيتعين عليه أولاً الحصول على عقد من محامٍ تقني»، مشيرة إلى أنه «ليس معروفاً بعد ما إذا كان العقد الذكي سيعتبر سارياً في دعوى قضائية تقليدية، أم لا، فحتى الآن لم نشهد مثل هذه الحالات».

غضب

من جانبها، تتحدث لـ «البيان» أناستاسيا غليبوفا، المديرة التنفيذية والمؤسِّسة المشاركة لـ «ڤي ـ آرت» (V-Art)، وهي مستشارة في مجال الرقمنة الفنية ورائدة أعمال في تقنية الفن، وتمتلك خلفية قانونية واقتصادية جيدة، وتقول بأن «فريق «ڤي ـ آرت» (V-Art) كان دائماً ولا يزال، مستمراً في توجيه الابتكارات المتطورة، والمتأصلة في الفن الرقمي، بالإضافة إلى سعيه نحو تمكين المهتمين الجدد من الوصول إلى عوالم الفن الرقمي»، مشيرة إلى أن مختبر «في ـ آرت» يعد امتداداً لمنصة «ڤي ـ آرت» (V-Art)، حيث يوفر المختبر عمليات التعليم ويعمل على تعزيز البحث لأي شخص لديه اهتمام بالفن الرقمي».

في الواقع، تحقق الأعمال الفنية الرقمية مبيعات مليونية، كما فعل العمل الذي أنشأه الفنان بيبل تحت عنوان «Everydays: The First 5000 Days» وباعته دار كريستيز للمزادات في مارس 2021، مقابل 69.3 مليون دولار، إلا أن انتهاك حقوق الملكية الفكرية في عوالم «الرموز غير القابلة للاستبدال» كان كفيلاً بأن يثير الجدل لدى الكثير من الفنانين، ومن بينهم الفنان السويدي سيمون ستالينهاغ، الذي أطلق مجموعة تغريدات يعبر فيها عن غضبه لتحويل أعماله إلى رموز غير قابلة للاستبدال، وهو ما انسحب أيضاً على بعض المستثمرين الذين عبروا عن امتعاضهم بعد اكتشافهم بأن بائعي الأعمال الفنية هم ليسوا الفنانين الأصليين.

هذه وتلك الاعتراضات تؤكد بأن المساحة التي تتحرك فيها الرموز غير القابلة للاستبدال لا تزال رمادية بما يتعلق بقانون الملكية الفكرية، إلا أن موقع Nonfungible.com، الذي يتتبع مجموعة متنوعة من أسواق الرموز، فقد أشار إلى أن «استخدام الرموز غير القابلة للاستبدال، سيكون في اللوحات الفنية مستقبلاً، التي تضمن القيمة لصاحب الرسمة وتاريخ رسمها، وبالتالي فإن تقنيات NFT ستساعد على معالجة مشكلة حقوق الملكية الفكرية للأصول الرقمية».

وفي السياق ذاته، يشير الموقع إلى «انخفاض متوسط أسعار الرموز غير القابلة للاستبدال -التي تعتبر شهادات رقمية قابلة للتداول وتستخدم تقنية بلوك تشين لإثبات ملكية الأصول عبر الإنترنت- بنسبة 70% تقريباً من ذروتها المحققة في فبراير 2021 إلى حوالي 1400 دولار في المتوسط».

محاولات حل الإشكاليات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والعمل على ضمانها وصيانتها في عوالم الرموز غير القابلة للاستبدال تبدو حثيثة، ويتوقع أن تشهد خلال الفترة المقبلة تطوراً لافتاً، ولعل الخطوات التي تقوم بها المنصات الرقمية ومن بينها «ڤي ـ آرت» تبدو واضحة على الأرض.

وفي إطار جهودها لتوفير حلول مبتكرة لكافة الذين يرغبون في بيع وشراء الأعمال الفنية الرقمية، أطلقت منصة «ڤي ـ آرت» رسمياً سوقها الجديد على الشبكة العنكبوتية لأصول الفن الرقمي (NFT marketplace)، حيث تجمع هذه السوق بين سلسلة الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) وحقوق الملكية الفكرية. وبينت إدارة المنصة بأن السوق الجديدة توفر إمكانيات مختلفة لاستخدام أصول الفن الرقمي عبر نظام التراخيص، مشيرة إلى أن السوق ينشئ بالنسبة لمستخدميه شهادة رسمية لكل معاملة، تتوفر فيها وصفاً واضحاً للحقوق القانونية للأصل الفن الرقمي الذي يتم شراؤه، بحيث يتم عن طريق تقنية البلوك تشين تسجيل الأصل الرقمي وكذلك «السيرة الذاتية» للعمل الفني، وفق ترتيب زمني معين، من أجل إثبات قيمته المادية، الأمر الذي سيمكن هواة جمع المقتنيات والأعمال الفنية وعشاق الفن، والفنانين، والمعارض والمتاحف أيضاً، من تعريف وفهم الحقوق والملكية الفكرية، وما تليها من خطوات، تمكنهم من الاستمتاع بأصول الفن الرقمي وإدارته.

طباعة Email