بين هجرتين من جنوبي مصر إلى شمالها، بزغت موهبة السيناريست والروائي المصري عبدالرحيم كمال، الذي ذاع صيته في السنوات الأخيرة، بعدما اقترن اسمه بأعمال فنية تركت بصمتها لدى الجمهور العربي، كان آخرها جزيرة غمام.

في هذا الحوار، تحدثنا إلى عبدالرحيم كمال في مساحة رحبة حول رحلة إبداعية طويلة، تعددت أوجهها، فمن عزلة القراءة فوق سطح البيت في قرية على أطراف العالم، وصولاً إلى حيث هو الآن، تحت أضواء النجاح في مدينة القاهرة الباهرة.

شغف مبكر

انتقل عبدالرحيم كمال إلى القاهرة مرتين، أو كما يصف هو هذا الانتقال فيقول «هجرتين»، قادماً من قريته الصغيرة «العيسوية شرق» بمحافظة سوهاج جنوبي مصر، حيث كانت الهجرة الأولى في المرحلة الابتدائية قبل أن يعود لقريته مع بداية المرحلة الإعدادية، ثم عاد ثانية إلى القاهرة مع بداية دراسته الجامعية.

وبين هاتين الهجرتين تشكلت موهبة كمال على مهلٍ، إذ يُرجع الفضل الأول لوالده، الذي تعلم على يديه حب اللغة واحترامها منذ كان في المرحلة الابتدائية، عندما كان يكتب له والده مقالات يلقيها في الإذاعة المدرسية.

يقول كمال: «كان والدي يردد دائماً: «اللغة دي مزيكا، وكائن حي»، ومع الوقت بدأت أقلد أسلوبه في الكتابة، ثم تعلقت بكتابة موضوعات التعبير، لذلك أستطيع القول إنه هو الذي ألهمني احترام اللغة».

وإلى جانب الشغف المبكر بالكتابة، يرى كمال أن القراءة هي الشيء الأكثر إمتاعاً في الحياة، ففي مرحلة مبكرة من حياته قرأ عشرات كتب التراث، لأحمد شوقي، وطه حسين، وغيرهما من الكتاب الكلاسيكيين. يقول: «عندما كنت في بداية المرحلة الإعدادية كان يوجد أعلى سطح المنزل «برميل» من كتب التراث، قرأتها بأكملها خلال عام، ففي هذه الأيام كانت القرية هادئة، ولم يكن ثمة وسيلة للترفيه غير الاستمتاع بالقراءة، وعندما أتيت إلى القاهرة انفتحت على عالم ساحر من الأدب المترجم».

لماذا الصوفية؟

مثلت الصوفية مكونًا مهمًا في أعمال عبدالرحيم كمال الدرامية، وتجلى هذا التأثر بوضوح في مسلسل «الخواجة عبدالقادر»، وكان باديًا أيضًا في مسلسل «القاهرة كابول»، وعمله الأخير «جزيرة غمام»، ويرى كمال أن تأثره بالصوفية ينبع من ثلاثة جذور.

أول الجذور الثلاثة يكمن في تكوينه الشخصي، حيث تأثر بوالده الذي كان متصوفًا، إضافة إلى أن صعيد مصر يُقدّر الصوفية بشكل عام، ويلفت كمال إلى أنه يميل إلى التعامل مع الله عن طريق الحب، وأن العلاقة معه أبعد من أن تكون علاقة عقاب أو خوف، فهو لا يحبذ التصور المتطرف عن الذات الإلهية، فنظرة المتصوفة إلى الله يؤطرها الحب والتماهي معه، وهذه فكرة جذابة وأقرب إلى الأدب والدراما، بحسب ما يقول. ويستطرد: «ثاني هذه الجذور يتعلق بالوطن، فمصر بلد بها العديد من الطرق الصوفية، وبها كثير من الأضرحة، وهذه مسألة عميقة وقديمة في تكوين الشخصية المصرية، تتجاوز الألف عام».

أما الجذر الثالث فيتعلق بالدراما ذاتها، فيقول: «عندما تسير في شوارع القاهرة كل يوم يستحيل ألا ترى تفصيلة لها علاقة بالتصوف، أياً كان أصلها أو دينها، وهو الأمر الذي لا تستطيع صناعة الدراما التغافل عنه».

السيناريو والأدب

كان حلم كمال القديم أن يصبح أديباً بمثابة سوط يلسع موهبته كلما مضى في طريق السيناريو، فيقول: «فقدت 250 قصة قصيرة على مدى عشر سنوات، كنت قد كتبتها فيما مضى، ثم اندمجت في كتابة السيناريو، لكن بعد نجاح (الرحايا) و(شيخ العرب همام) شعرت بندم شديد، وبأنني أضعت حلمي القديم».

في هذا الوقت عُدت إلى الأدب مجدداً، وشرعت في كتابة «بواب الحانة»، وبعض القصص القصيرة، وهنا اكتشفت صعوبة كتابة الأدب وكأنني أتعلم السباحة من جديد، لكن بعد الانتهاء من «بواب الحانة» شعرت ببعض التوازن، وأخيراً صدرت رواية «أولاد حورة»، التي تجسد عالماً خيالياً أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة.

وفيما يتعلق بقراءاته الحالية، يقول كمال إن التاريخ والصوفية يشغلان مساحة كبيرة من مكتبته، لافتاً إلى تأثره أيضًا بالرواية الأجنبية أكثر من الرواية العربية.

إلهام متبادل

جمعت عبدالرحيم كمال والفنان القدير يحيى الفخراني علاقة عمل خاصة، أثمرت خمسة مسلسلات: «شيخ العرب همام»، «الخواجة عبدالقادر»، «دهشة»، «ونوس»، «نجيب زاهي زركش». وعن هذه العلاقة: «خلال مشواري في الدراما كتبت 11 مسلسلاً، نصفها تقريباً للدكتور يحيى، فالعلاقة بيننا يغلفها التفاهم والإلهام المتبادل».كما يلفت إلى أن الفخراني لا يتدخل مطلقاً في النص، فإما أن ينال الدور إعجابه من البداية، أو لا يحظى برضاه، وبالتالي يحجم عن تقديمه، ويقول: «هذا أجمل ما فيه، فهو دائمًا ما يتبع إحساسه، وهو أمر مشترك بيننا».