الظاهرة بدأت مع كتاب معروفين يمتلكون رصيداً أدبياً وافراً وجمهوراً واسعاً

«الكاتب الناشر».. طموحات أدبية وحسابات تجارية

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تأخذ العلاقة المعتادة بين المبدع والناشر، شكلاً أكثر تعقيداً حينما يصبح المبدع نفسه ناشراً في ذات الوقت. هذه العلاقة، الأكثر تعقيداً، التي تضع المبدع والناشر في شخص واحد، تجد تجسيدها من خلال ظاهرة «الكاتب الناشر»، التي تظهر مع تأسيس الكتاب وإدارتهم لدور نشر خاصة بهم، تنشر أعمالهم، وتستثمر في أعمال الآخرين من الكتاب والمبدعين. (أبوظبي - عبير يونس)

في هذه المعادلة يجد «الكاتب الناشر» نفسه، بوصفه كاتباً ومبدعاً، وجهاً لوجه مع حسابات التجارة، ومعادلات الربح والخسارة. في حين يجد نفسه، من جهة أخرى، بوصفه ناشراً ورجل أعمال، إزاء القيمة الإبداعية، التي ربما لا تدعم طموحاته التجارية، ولا تستجيب لحساباته العملية.

تجارب خاصة

من الثابت أن ظاهرة «الكاتب الناشر» بدأت تحت ضغط حاجات النشر لدى الكتاب. وكانت بداياتها الواضحة من خلال كتّاب معروفين يمتلكون رصيداً أدبياً وافراً، وجمهوراً من القراء واسعاً، ما كان يستلزم أن تخرج مؤلفاتهم ضمن معايير موحدة، وفي سياق هوية بصرية متجانسة، وعن عنوان نشر واحد.

في هذا السياق، جاءت تجربة مبدعين عرب مثل الشاعر السوري الراحل نزار قباني، الذي أسس دار نشر خاصة تطبع تحت اسم «منشورات نزار قباني»، وذلك في العام 1966 عندما استقر في لبنان وأعلن تفرغه للشعر. وفي خطوة مماثلة، جاءت تجربة الروائية غادة السمان التي أسست دار نشر تحمل اسمها وتهتم بنشر مؤلفاتها، في العام 1978.

قد لا تكون هذه التجارب هي الأولى في العالم العربي، ولكنها من الأبرز. أما ما يلفت الانتباه فعلاً، هو أن غياب الثقة والرضا في علاقة المبدعين مع الناشرين، قد قادت إلى تحول بعض المبدعين إلى عالم النشر، ومزاولة مهنة الناشر بموازاة نشاطهم الإبداعي. وهذه التجارب، لم تسع فقط إلى خدمة المشروع الإبداعي الخاص في جانب النشر، ولكن استثمرت كذلك في نشر إبداعات الكتاب الآخرين.

«وقف» أدبي

في الواقع، باتت هذه الظاهرة ممتدة على مساحة واسعة من البلدان العربية، حيث لا تخلو عاصمة عربية من دار نشر، صاحبها ومديرها «كاتب ناشر». والإمارات ليست استثناء في ذلك، إذ يمكن رصد عدد غير قليل من دور النشر، التي تنتمي إلى مثل هذه الظاهرة. وذلك لأسباب متعددة، وبدوافع متباينة.

وهنا، تطالع المراقب حالة دار «منشورات كريم معتوق»، العائدة للشاعر كريم معتوق، الحاصل على جائزة «أمير الشعراء» في دورتها الأولى. وتبرز بشكل خاص بالطابع «الوقفي» الأدبي، فصاحبها يستثمر بعضاً من مقدراته المالية لتأمين إيصال مؤلفاته للقارئ وجماعات المهتمين من أفراد ومؤسسات.

«اعتبر شعري كأحد أبنائي وخصصت له جزءاً من ميراثي، وأنشأت منشورات كريم معتوق من أجل إعادة إصدار جميع مؤلفاتي وتوزيعها بالمجان على كل من يرغب من أفراد ومؤسسات»، يقول الشاعر معتوق في توضيح غايته من إنشاء دار النشر، التي «أوقف» على تأسيسها جزءاً من ميراثه.

في هذه الحالة، تحضر الطموحات الأدبية الخالصة، ولكن تغيب الحسابات التجارية. ما يعفي تجربة معتوق من الآثار الناجمة عن تضارب الاعتبارات، التي تنطلق من تقابل الحاجات الأدبية مع الأهداف التجارية.

معضلة التوزيع

من جهة أخرى، لا تتوقف دوافع معتوق عند هذا، فهو يلفت الانتباه إلى المعاناة مع دور النشر «التي تطبع الكتب وتخزنها، فأسلوبها في التوزيع غير فعال». وهو بهذا، يشير إلى أسلوب التوزيع، الذي يعتمد على البيع البطيء لكل كتاب منفرداً، لجهة تأمين بيع أكبر من خلال توفير قائمة واسعة من العناوين.

وهذا بطبيعة الحال، يكشف عن ضعف «النجومية» و«الجماهيرية» بين أوساط الكتاب والمبدعين العرب، وعدم قدرة الكاتب على توفير أشكال الدعاية والترويج اللازم لإصداراته، منفردة.

صعوبات النشر

تتشكل تجربة أخرى، من تجربة عاشتها الكاتبة سعاد صليبي، التي لم تتردد بتأسيس دار نشر باسمها، حينما واجهت صعوبة كبيرة في نشر أول إصدار لها بعنوان «نصف امرأة»؛ فهي في النهاية كانت مضطرة لدفع تكاليف طباعة ونشر الكتاب، فلماذا لا تكون هي نفسها الناشر..؟

هذا السؤال وجيه، فالأصل أن يتولى الناشر تمويل نشر الكتاب، من إعداد للطباعة وطباعة ونشر وتوزيع، وسوى ذلك. وحين يمتنع الناشر عن القيام بدوره هذا، فإنه بذلك يتخلى عن جزء رئيس من مهنته ودوره.

وعن هذا تقول: «في العام 2006 أصدرت أول كتاب لي من دار نشر أسستها. وكان ذلك بعد الصعوبات التي واجهتني في نشر أول كتاب لي».

وفي رأي صليبي أن «الكاتب الناشر» لا يعيش تناقضاً يذكر بين شقي شخصيته، فمنطلقه الأدبي يبقى حاضراً، ورضاه عن دوره يتحقق من خلال انحيازه الأدبي، وإن كان هذا يحرمه من الإفادة الكاملة من الشق التجاري.

علاقة شائكة

وتبين صليبي من خلال حديثها العلاقة الشائكة بين المؤلفين ودور النشر، وتكشف عن مواطن خلل إضافية تتعلق بتخلي الناشر عن أدوار رئيسة أخرى من أدواره، فتضيف: «حتى الكتاب الذين ينشرون بعقود مع دور النشر، تتضمن الإقرار بحقهم بنسبة من عائدات بيع كتبهم، لا يحصلون على شيء».

ولا يتوقف الخلل في مهنة الناشر عن الإخلال بالحقوق المالية للكاتب، إن وجدت أصلاً. بل يتعدى الأمر ذلك إلى جوانب أخرى، حيث توضح: «لا يعود الناشر على الكاتب حتى بالمعلومات التي تتعلق بتوزيع كتابه. وهذا إخلال آخر بدور الناشر».

ومن هنا، فإن الأمر بالنسبة إلى صليبي لا يتعلق بتناقض ما في شخصية «الكاتب الناشر»، حتى وإن لم يستطع أن يتجاوز أساليب عمل الناشر التقليدي؛ فـ«الكاتب الناشر»، يمثل نوعاً من الاختراق الذي يحققه الكتاب في عالم النشر.

احتكارات عاجزة

في ذات السياق، تتحدث صليبي عن ما يمكن أن يكون نوعاً من الاحتكارات العاجزة، حيث تصر بعض دور النشر على احتكار طبعات الكتب، في الوقت الذي تعاني فيه من ضعف في القدرات في مجالات النشر والتوزيع.

وتضيف صليبي: «من جهة أخرى هناك دور نشر تصر على تضمين عقود النشر مواد تنص على احتكار طبعات الكتب التي تنشرها. مع العلم أن هذه الدور قد تكون غير قادرة على توزيع الكتاب بالصورة الملائمة. أو قد تكون من الأصل عاجزة عن تأمين نشر الكتاب في طبعة تالية إن نفد من الأسواق».

«هذه كلها ممارسات في قطاع النشر، تدفع من يستطيع من الكتاب إلى إيجاد منصة تضمن له نشر كتبه»، كما ترى صليبي، التي تضيف «وهي في نفس الوقت، تجعل من حضور الكاتب في قطاع النشر ضرورة، فهو يتفهم أكثر حاجات زملائه المبدعين، ويمكنه أن يكون أكثر اهتماماً بإبداعاتهم، وأقدر على التعامل معهم».

علاقة مضطربة

وتؤكد الكاتبة د. مريم الشناصي، مؤسسة وصاحبة «دار الياسمين للنشر والتوزيع»، في حديثها حول ظاهرة «الكاتب الناشر»، أن هناك ضرورات تحتم «تطعيم سوق النشر بالمبدعين. ومن هنا، فإن ظاهرة «الكاتب الناشر» هي شيء يسير بهذا الاتجاه.

وتخلص الشناصي إلى أن «العلاقة بين الكاتب والناشر مضطربة للأسف، ويبدو أنها ستبقى كذلك في المدى المنظور»، لافتة إلى أن: «الكثير من الكتاب يعتقدون أن الناشرين يتربحون من وراء كتبهم، ولا يأخذون بعين الاعتبار المصاريف المادية غير العادلة والتي يتكبدها هؤلاء».

وجه آخر للعلاقة المعقدة بين الكاتب والناشر، تعرضه الشناصي، التي تشير إلى «أن سقف توقعات الكاتب من النشر كبير جداً، بالعادة. وهو يتوقع أن يتهافت الجمهور على كتابه فور صدوره. وقبل ذلك، يكون متشدداً في كثير من الأمور، مثل عدم تغيير أية كلمة مهما كان ذلك ضرورياً، أو الإصرار على تصميم معين للغلاف، أو التمسك بعنوان لا يساعد، وما إلى ذلك».

ومن هنا، فإن ظاهرة «الكاتب الناشر» يمكن أن تمثل تجربة تثري سوق النشر، فمن خلالها يتعرف الكتاب على متاعب النشر والناشرين. ومن جهة أخرى هي تجربة يمكنها أن تعين الناشر التقليدي على إيجاد معادلة متوازنة تستجيب من جهة للطموحات الأدبية، وتراعي من جهة أخرى الاعتبارات التجارية.

طباعة Email