القيّم.. صانع الذوق الفني

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تزخر مدينة دبي خلال موسمها الفني بالعديد من المعارض الفنية التي تقدم الكثير لفنانين معروفين أو شباب، يقدمون أعمالاً فنية تنتسب لمختلف المدارس والتوجهات الفنية. ومن المؤكد أن القيمة الفنية لهذه الأعمال تخضع للتقييم والتصنيف، كي تعرض في النهاية ضمن قوائم محددة وأروقة متخصصة؛ فمن يقف وراء ذلك؟

وما هي بعض أسباب عرض الأعمال الفنية بشكل مختلف؟ وكيف يغير العرض طريقة تقبلك أو تفسيرك للعمل؟ وكيف يمكنك تجميع أعمال معينة؟

الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ من كلمة واحدة: «القيّم».

إنها كلمة تشير إلى إنسان صاحب علاقة خاصة مع الفنون، وإلى مهنة تؤدي دوراً عالمي التأثير، في المجال الفني، وتمتلك القدرة على خلق مسارات لوضع العمل الفني في مكانه المناسب من حيث قيمته الفنية والمادية، كما تساعد على إيجاد مسارات مناسبة لاستقبال الأعمال الفنية والتفاعل معها.

القيم هو مهنة وإنسان لا تستغني عنه المعارض، وتعد استشاراته النقدية ملحة لكل المشتغلين في المجال، وخصوصاً المواهب الصاعدة. كما أنه البوصلة التي يراقبها مقتنو الأعمال الفنية.

صانعو الذوق

يأتي مصطلح «القيم» أو «المنسق» من الكلمة اللاتينية curare، التي تعني «الاهتمام». وفي روما القديمة كان القيمون مسؤولين عن الإشراف على الحمامات والقنوات والصرف الصحي. أما في العصور الوسطى، كان «القيم» أو «المنسق» كاهناً مكرساً لرعاية أفراد المجتمع. وبحلول القرن الثامن عشر، كان «القيم» هو الشخص الذي يعتني بالمجموعات والتحف الفنية. ولا ينتهي تبلور مهنة وشخصية القيم عند هذا الحد، فمنذ نهاية القرن الـ20، برز دور «القيم» في إزدهار المعارض الفنية وانتعاش سوق الفنون.

لقد أضحى القيم صانع الذوق الرفيع في عالم الفن اليوم، وفي أفضل حالاتهم، يحاول المنسقون («القيمون») أن يعكسوا حالة الحراك الفني المحلي والعالمي وأن يبشروا بالاتجاهات الجديدة في الفن، وليعطوا صوتاً لنطاق متنوع من الفنانين، عبر تقديم المقترحات النقدية التي تثري جودة الأعمال وتضع الفنان على المسار الصحيح، بما يتعلق بماهية العرض وأهم نقاط القوة والضعف، بالإضافة إلى معالجة علاقة الأعمال الفنية بالمناخ الاجتماعي والسياسي.

اكتشاف المواهب

من ناحية أخرى، قادت القدرة المزدوجة لوظيفة «القيم» الفني كصانع تذوق ومدقق في القيمة الفنية، إلى بروز دورهم في اكتشاف المواهب الفنية المؤثرة. وبات هذا الدور احد عناصر قوة «القيم» حيث يمكنه صنع مهنة الفنان أو كسرها.

ويمكن القول إن المنسق الأول الذي وصل إلى مثل هذه المكانة كان هنري جيلدزالر، الذي أطلق عام 1969 معرضه الأول بعنوان «الرسامون والنحاتون في نيويورك من 1940-1970» في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، مقدماً مسيرة مجموعة من الفنانين الناشئين مثل آندي وارهول وجاسبر جونز، روي ليختنشتاين وفرانك ستيلا وديفيد هوكني وجيمس روزنكويست. ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فقد أُطلق على جيلدزالر لقب «أقوى أمين فني على قيد الحياة وأكثرهم إثارة للجدل».

فهرسة المحتوى

وهنا، في الإمارات برزت في السنوات الأخيرة مهنة القيم الفني، وبدأت تحتل دوراً ملحوظاً في المشهد الفني، لا سيما بما يتعلق بالفنون التشكيلية. وحول هذا تقول الفنانة ميثاء الزفين: في بيئة الفن المعاصر التي يحركها السوق اليوم، يحتفظ القيمون الفنيون بالمهمة المتمثلة بإبراز البعد غير التجاري للفن. وجميع القيمين على المعارض يتحققون من نوع المحتوى الفكري، ولا يزال المجتمع الفني ومساراته المتغيرة بحاجة إلى أصحاب هذه المهنة، كون الواجبات الرئيسية لقيِّم الفن تتمثل في الحصول على الأعمال الفنية وجمعها وفهرستها، فضلاً عن ضمان رعايتها الشاملة. كما يجب عليه أن يكون منخرطاً في البحث والنشاط العلمي والنقدي المتعلق بالفن. وبالمثل، ينظم المنسق الفني العروض والمعارض. زيتضمن ذلك تثبيت قيمة الأعمال الفنية، والتفاوض بشأن إعارة العناصر من المؤسسات الأخرى، وكتابة المستندات مثل الملصقات والمواد التفسيرية وكذلك لوحات المعلومات.

بناء العلاقات

ومن جهته، قال خليل عبد الواحد، مدير إدارة الفنون التشكيلية في «دبي للثقافة»: يجب أن يكون لدى القيمين على الفن معرفة عامة بالفن، بالإضافة إلى خبرة متخصصة متعمقة في تاريخ الفن. ويجب على الشخص الذي يتطلع إلى العمل في متحف متخصص في الفن المعاصر على سبيل المثال، أن يمتلك معرفة واسعة بهذا المجال المحدد.

ويضيف: من من المتوقع أيضاً أن يكون لدى القيمين على الفن مهارات ممتازة في بناء العلاقات من أجل إنشاء ورعاية شراكات مع المؤسسات الأخرى والفنانين وجامعي التحف، إلى جانب إدارة الحدث أو المعرض المنظم، وهي مهارة أساسية مطلوبة لتنظيم المعارض والعمل مع جميع الجهات الفاعلة المشاركة في المشروع، من فنانين، ومصممي معارض، وإدارة وجهات رعاية، ومؤسسات شريكة. وعلى الرغم من عدم كونه نشاطهم الرئيسي، يمكن أن يعمل القيمون الفنيون أيضاً على مشاريع تسويقية للترويج لأحداث مؤسستهم.

تجربة ثقافية

وحول الخبرات المقتبسة من العمل كقيم فني، تقول شما يحيى الزفين المهيري: تعد تجربتي كقيم فني في مهرجان سكة للفنون والتصميم في دبي، أول تجربة مهنية وتطبيقية بالنسبة لي، وقد عملت على اختبار ما أدرسه كطالبة تدرس تاريخ الفن والمتاحف.

وتضيف: خلال الفترة الماضية، اكتسبت خبرات سمحت لي بتطبيق المعارف المكتسبة من خلال الدراسة والقراءة، واكتسبت كذلك خبرة في كيفية اختيار اللوحات الفنية المعاصرة، التي تعكس المواهب الباهرة الموجودة في مجتمعنا الثقافي، وإيجاد مكانها المناسب في البيئة التاريخية والهندسة التراثية التي نجدها في حي الفهيدي التاريخي.

وتعتقد شما أن أهمية وجود قيم فني في المعارض الفنية هو إضافة ضرورية، حيث يسهم القيم في تنسيق واقتراح الحوار غير المادي، أي المعنوي، الذي يشعر به الزائر وعاشق الفن. وهذا يتم من خلال دور القيم في اختيار الأعمال الفنية والحوار المطروح شملها تحت سقف واحد مشترك؛ إذ أن أهمية القيم تكمن في تعزيز تجربة الزائر وتزويده بتجربة ثقافية مشوقة لا تنسى. وفي صميم عمله، يجتهد القيم في تنسيق المقتنيات الفنية مع البيئة التي ستعرض فيها، سواء كانت بيئة تاريخية أو معاصرة. وبالأخص الاهتمام بالرؤية الخاصة لدى الفنان وترجمتها أي انعكاسها في البيئة الهيكلية لدى المتاحف والمعارض.

وتقول شما: أرى أن القيم الفني، الذي يحتاجه المجتمع الثقافي سواء كان في مجال التصميم أو الفنون، بالأخص بعد الجائحة، هو قيم مرشد يقوم بتوجيه الفنان، دون أن يقيده، وأن يواكبه في عملية إنتاجه لعمله النهائي.

تعزيز الممارسات

وفي ذات السياق، توضح ايانا فناسفان إن الدمج بين الفنون والبحوث الثقافية هو جوهر عمل القيم الفني، ويكمن على وجه الخصوص في تعزيز الممارسات الفنية للفنانين، وفتح الأبواب وتجاوز جميع الحدود والعوائق التي من شأنها أن تحد من عملية التطوير هذه.

وفى السياق ذاته، تقول الفنانة هند مزينة إن طريقة نظر العالم إلى منطقتنا العربية تثير اهتمامها نحو تقديم أعمال فنية ذات صلة، فكثيراً ما تسمع عن صور نمطية وعرقية غير مألوفة عن منطقتنا العربية، حتى من قِبل زملائها.

وترى هند إنه «سيكون من المثير للاهتمام استكشاف كيف يمكن للمرء أن يغير السرديات الرائجة، وتقديم منظور جديد يمكن أن يتم من خلاله النظر إلى بلداننا».

لغة فكرية

وتشير كاملة العلماء إلى أن الخبرات المكتسبة من عملها كقيم فني، هي خبرات كبيرة في مجال الفن. وتتوقف بشكل خاص عند مشاركتها في مهرجان سكة للفنون والتصميم، وتقول: «أتاحت لي مشاركتي في مهرجان سكة للفنون والتصميم، الكثير من المهارات المكتسبة مثل تقييم الفنون والمعرفة بنوعيتها. وأيضاً تسهيل الفكرة الفنية، حيث يصبح القيم وسيطاً متخصصاً بين العمل الفني والمتلقي، له لغته الفكرية والذهنية والحسية والبصرية.

طباعة Email