المكتبات العامة.. استنطاق الرفوف والأرقام

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

أول ما يلاحظه المرء في إحصائية «مركز دبي للإحصاء»، حول «رواد وأعضاء المكتبات العامة حسب النوع – إمارة دبي (2018 – 2020)»، هو ذلك الانخفاض الحاد في عدد مرتادي المكتبات العامة في دبي، في العام الثالث من المدة المحددة.

نسب ومستويات هذا الانخفاض موضحة بأرقام، يجدر التوقف عندها، واستنطاقها، وترجمتها إلى معطيات محددة.

 

واقع مشترك

بادئ ذي بدء، لا بد من التنويه إلى أن يوم أمس، (23 أبريل)، هو يوم الكتاب العالمي، الذي يحتفى به في هذا الموعد كل عام. وهذه مناسبة، تلفت الانتباه إلى المكتبات العامة، التي هي بيت الكتاب والقارئ، على حدٍ سواء.

وفي الواقع، يرتبط مستقبل المكتبات العامة بشكل رئيس ووثيق، بمستقبل الكتاب الورقي، رغم أن أوعية المعلومات في هذه المكتبات باتت تتضمن، في الآونة الأخيرة، أنواعاً متعددة، تشمل الخرائط والمواد السمعية والبصرية والأقراص الحاسوبية. كما أن بيوت القراءة باتت توظف أوعية المعلومات الرقمية في تقديم خدماتها.

وعليه، فإن واقع الكتاب لا ينفصل عن واقع المكتبات العامة. والأرقام التي تعكس واقع هذه الأخيرة، تحمل الكثير من الإشارات الدالة على واقع الكتاب.

لغة الأرقام

بالعودة إلى لغة الأرقام، التي تقدمها إحصائية مركز دبي للإحصاء، وتستند في معطياتها إلى هيئة دبي للثقافة والفنون «دبي للثقافة»، يبدو واقع المكتبات العامة، وبالتالي الكتاب، قاتماً، ويبعث على الأسف.

ولننتقل إلى الأرقام..

في عام 2018، بلغ عدد مرتادي المكتبات العامة 263780 مرتاداً، في حين انخفض هذا العدد في عام 2020، إلى مستوى 182157 مرتاداً. أي بانخفاض في عدد القراء يبلغ 81623 مرتاداً. وهو ما يساوي أقل بقليل من ثلث عدد المرتادين في عام 2018.

بطبيعة الحال، إن مبعث الأسف الذي تثيره هذه الأرقام، لا يكمن في ما يمثله من إخفاق قطاعي محدود، يتعلق بالمكتبات العامة، أو الكتاب، فقط. بل يعود كذلك إلى ما يشير إليه من تراجع مجتمعي شامل الأثر، فانخفاض أعداد مرتادي المكتبات العامة، يعني انخفاضاً في معدلات القراءة، وتدنياً في نوعيتها، فحينما يترك الناس الكتاب، فإنهم يتوقفون، بنسبة كبيرة، عن نهل المعرفة، وتطوير أنفسهم روحياً واجتماعياً ومهنياً.

وهذا له انعكاساته المباشرة، الكبيرة، على التنمية والاقتصاد، بالدرجة نفسها التي يؤثر فيها على معدلات الوعي العام، ومنظومة القيم في المجتمع.

حسناً، ولكن هل تعكس هذه الأرقام صورة قاتمة، فعلاً؟

معطيات مخفية

تخفي هذه الأرقام معطيات أخرى تعكس الصورة، وتؤشر على مسار إيجابي في عمل المكتبات العامة، وتكشف عن كفاءتها في انتزاع دورها في الحياة، وتنبئ بمستقبل واعد، منتج ومثمر، لمن يسعى إلى الاستثمار فيه.

وهذه المعطيات، التي تختفي وراء الأرقام، هي:

1. إن الانخفاض الحاصل في عدد رواد المكتبات العامة، يقابله ارتفاع بنسبة العضوية في المكتبات العامة، فمن 24120 عضوية في عام 2018، وصلنا في عام 2020 إلى 26618 عضوية. أي، بارتفاع يقترب من عشرة في المئة، خلال ثلاث سنوات.

2. إن الانخفاض الحاد الحاصل في عدد رواد المكتبات العامة، يتعلق على وجه التحديد بعام 2020. ومن الواضح، أن ذلك أحد الأعراض الجانبية للجائحة، التي زلزلت العالم، في ذلك العام.

3. مهما بدا مستوى انخفاض عدد مرتادي المكتبات في هذا العام كبيراً، إلا أنه يبقى مفهوماً، وأقل مما يتوقعه المرء من الظروف التي فرضتها الجائحة، وعلى رأسها حالة الإغلاق، وبقية الإجراءات الاحترازية.

4. المؤشر الأهم، هنا، هي الإحصاءات المتعلقة بعام 2019. وهي، كلها، تشير إلى ارتفاع بوتيرة جيدة في عدد المرتادين:

- (مقابل 215310 مرتادين في عام 2018، ارتفع العدد إلى 224239 في عام 2019 بالنسبة لفئة المرتادين «الكبار». أي، بزيادة مقدارها 8929 مرتاداً، وهو ما تقترب نسبته من أربعة في المئة).

- (ومقابل 48470 مرتاداً في عام 2018، ارتفع العدد إلى 54196 في عام 2019، بالنسبة لفئة المرتادين «الأطفال». أي، بزيادة مقدارها 5726 مرتاداً، وهو ما تزيد نسبته عن عشرة في المئة).

لا تظهر هذه المعطيات الدور المعطل الواضح، الذي أدته الجائحة، التي حلت في عام 2020 فقط، بل وكذلك تؤشر على أن المسار الطبيعي لأهمية المكتبات العامة، ومستوى الاعتماد عليها، كان في صعود. وهو مرشح لمواصلة نموه، على نحو متسارع، في فترة ما بعد الجائحة. ما يدعو للقول إن منظومة المكتبات العامة، والعاملين بها، مرشحون لمواجهة أعباء متعاظمة، في المرحلة المقبلة.

وهذه نتيجة أولى يجب الانتباه لها، والتحسب إلى ما تقتضي من رعاية لهذا الحقل الهام، من حقول الاقتصاد الإبداعي. وكذلك ما تستوجب من تطوير في عمله، ودمجه في العمليات الجارية على صعيد الثقافة والفنون بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام.

معانٍ وحيثيات

لا تظهر هذه الإحصائية، المشار إليها آنفاً، كثيراً من المعطيات، التي يمكنها أن تقود إلى خلاصات أكثر دقة وتفصيلاً، مثل الفئات العمرية التي تلجأ إلى خدمات المكتبات العامة، وخلفياتهم، وأنشطتهم، إن كانوا من تلامذة مدارس، أم طلبة جامعات، أم منخرطين في سوق العمل. ولكنها توضح لنا أمراً رئيساً، هو أن مرتادي المكتبات العامة من فئة «الكبار»، يقدرون بأربع أضعاف عدد المرتادين من فئة «الأطفال».

وحقيقة أن السواد الأعظم من مرتادي المكتبات العامة هم من فئة «الكبار»، يعني:

1. إن المخزون الأساسي من الرواد المحتملين للمكتبات العامة (فئة «الأطفال» وربما «الشباب» أيضاً)، لا يزال غير مستخدم، أو مستقطب.

2. باعتبار أن العدد الإجمالي لمرتادي المكتبات العامة يبلغ 263780، فإن نسبتهم إلى سكان إمارة دبي، البالغ عددهم 3355900، وفق إحصائية 2019، يكون نحو 8 % من عدد السكان.

3. هذه الأرقام تتعلق بثماني مكتبات عامة، هي: المكتبة المركزية، و«خور العنز»، و«الراشدية»، و«الصفا»، و«أم سقيم»، و«المنخول»، و«حتا».

4. هذه المكتبات العامة، تقع خارج طبوغرافيا عالم الأعمال. ما يشير إلى أن مستخدمي المكتبات العامة، يلجؤون إليها بصفة ولحاجات شخصية، لا لغايات مهنية.

5. من الملاحظ أن هذه المكتبات العامة، في أغلب الحالات، كانت تسجل أرقاماً جيدة في ارتفاع أعداد مرتاديها في عام 2019، ما عدا المكتبة المركزية، التي انخفض عدد مرتاديها بشكل حاد.

(من 73733 مرتاداً عام 2018. إلى 31183 مرتاداً في عام 2019. وهو ما يعادل انخفاضاً بمقدار 42 في المئة. وهذا انخفاض غير طبيعي).

من الواضح أن هناك أدواراً أكبر تنتظر المكتبات العامة، في الحياة والتنمية، وهذا يشير إليه المخزون الكبير من المرتادين غير المستقطبين، ممثلين بفئة «الأطفال». وكذلك، نسبة عدد المرتادين إلى عدد السكان، القابلة للزيادة بمستويات كبيرة، بالتحفيز أو على نحو تلقائي.

وهذا، بطبيعة الحال، يقتضي العمل على تهيئة المكتبات العامة للانخراط في الحياة العامة، وتحديداً في الحياة الثقافية، سواء كان ذلك يتعلق بالأدب أم الفنون عموماً. والاقتراب من المؤسسة التعليمية، ومجتمع الأعمال.

ومن المؤكد أن المكتبات العامة ستكسب الرهان، في حال نجاحها في ذلك.

أوعية المعلومات

من جانب آخر، في الإحصائية الخاصة بـ «أوعية المعلومات وعناوين الدوريات في المكتبات العامة»، التي تتناول في نفس الفترة (2018 - 2020)، فإن الزيادة فيها، «أوعية المعلومات» و«عناوين الدوريات»، لا تتجاوز عشرة آلاف وحدة باللغة العربية (عددها 426834)، ونحو ثلاثة آلاف بلغات أخرى (عددها 101390)، ونحو ألفين في الوحدات الخاصة بالأطفال (عددها 128609).

ويبدو الأمر مربكاً، حينما يتعلق بعدد عناوين الدوريات، على نحو خاص. سواء كان ذلك يتعلق بـ «الدوريات العربية» أم «الدوريات الأجنبية» أم «دوريات أطفال»، فهي في انخفاض كبير، يكاد يصل إلى النصف، فمن ما مجموعه 101 دورية متنوعة («عربية» و«أجنبية» و«أطفال») في عام 2018، انخفض العدد لينزل إلى مستوى 55 دورية فقط. أي، بانخفاض يعادل نحو 55 في المئة.

في الواقع، تحتل الدوريات على أنواعها، أهمية خاصة في حياة المكتبات العامة، فهي تعينها على تجديد «وجباتها» المعرفية بين شهر وشهر، وأسبوع وآخر. لذا، هي بذلك إحدى عوامل جذب المرتادين، لا سيما في هذا الزمن، الذي يعزف فيه القارئ العادي عن شراء الدوريات، لصالح الميل لشراء الكتب بدلاً من ذلك.

تقول الإحصائية نفسها شيئاً آخر، يتعلق بهوية مرتادي المكتبات العامة، وذلك من خلال أعداد أوعية المعلومات.

وهنا، توضح هذه الإحصائية، أن عدد أوعية المعلومات باللغة العربية، تمثل ما يزيد على أربعة أضعافها باللغات الأجنبية. ونسبتها قريبة من ذلك إلى عدد أوعية المعلومات المخصصة للأطفال.

العضوية

من المؤشرات الحيوية، التي يجب قراءتها جيداً، هي تلك المتعلقة بالعضويات، فعدد العضويات في المكتبات العامة، رغم الزيادة المتحصلة، لا يزال يدور في حدود منخفضة، فهو محتجز في نطاق ما بين العشرة والأربع عشرة في المئة من مجموع المرتادين الكلي.

بلا شك، هذه نسبة تستدعي التأمل، جيداً، في علاقة المكتبات مع مرتاديها. وربما، أيضاً، إعادة النظر في شكل خدماتها التي تقدمها لهم، بحيث تصبح العضوية في المكتبة العامة، خياراً قوياً ومغرياً.

وفي هذا السياق، لا بد من النظر إلى خارج حدود التجربة المحلية، وأن ننتبه إلى أن المكتبات العامة في المجتمعات المتقدمة، تستفيد مع عوامل إسناد قوية:

- أولها وجود مجتمعات أكاديمية وعلمية وثقافية وفنية فاعلة ومعترف بها، لا تستغني عن خدمات المكتبات العامة.

- إن تلك مجتمعات تحتفي بالقراءة، وتدخل في سلوكها اليومي، وتسجل نسب قراءة مرتفعة.

- إن تلك مجتمعات ترتفع فيها مستويات الطلب على المعرفة. وفيها، تعتبر المكتبات العامة مساراً مجانياً للتأهيل الذاتي، وتطوير القدرات المهنية.

بالمقابل، تقدم التجربة المحلية مسارات ممكنة لدمج المكتبات في الحياة العامة، هذه التجربة مكنت المجمعات التجارية الكبرى من الاندماج في المجتمع، من خلال ترويج نفسها، وتحويل مرافقها إلى وجهات عائلية، وتستطيع المكتبات أن تفعل ذلك، عبر تقديم نفسها، باعتبارها وجهات علمية وثقافية وفنية. وبوصفها مؤسسات تقدم خدمات إبداعية، للمؤسسات والعائلات والأفراد.

طباعة Email