فاطمة لوتاه.. لوحات تشاغل العين والبصيرة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

فاطمة لوتاه فنانة تشكيلية إماراتية معروفة، ترى اللوحة وعاء، تستنهض فيه حياة عميقة وكاملة، حياة لحمتها الخطوط والأشكال، ونسيجها الألوان والرموز، لكنها كمفهوم، ودلالة، وقيمة تعبيرية، تتجاوز محدودية الوعاء. 

ومن هنا، مع المفهوم، والدلالة، والقيمة التعبيرية، التي تتجاوز محدودية الوعاء، تصبح النوافذ مشرعة على جوانيّة مبدعها، وخزان ذاكرته البصرية المحاطة بمجموعة من الرادارات الحساسة مفتوحة على الحياة، بكل حراكها، وشغبها، وتجليات تجددها، وبوساطة هذه الرادارات، يُزخّر الخزان، وتتوهج الروح الحالمة الباحثة عن أوجه الحياة الجميلة والشهيّة.

أداة تغيير وتطوير

ترى الفنانة فاطمة لوتاه أن الروح لا أرض لها ولا مكان، فهي تنتمي للحبيب، والحبيب الذي يشمل الأسرة، البيت، والوطن، موجود في كل مكان، ويجب أن يوجد في الفن أيضاً. المهم هنا الصدق في شكل وطريقة تناول الفنان لحبيبه هذا. وترى أن الالتزام في الفن يجب أن ينبع من وجدان الفنان وصدقه لمجتمعه، فالفن ليس مجرد لغة بصريّة، أو تعبير فني فحسب، وإنما هو أداة تغيير وتطوير ونهوض بجوانب أساسيّة في الإنسان والمجتمع، ذلك لأن الفنان دائم السعي (أو هكذا يجب أن يكون) لإيجاد حياة جديدة، أكثر جمالاً وحيويّةً وفاعليّةً ومكافحةً للعدم الذي يجد مرتعاً خصباً له في الفن المكرر، والنمطيّة المجترة، والاتجاهات الغامضة، المغرقة بذاتيّة الفنان المريضة، وأناه المتضخمة. على هذا الأساس، يجب على الفن أن يعمل جاهداً، لإيجاد مبررات دائمة للناس، من أجل أن يحبوا الحياة، ويستمروا فيها.

 

وحدة عامة

على الرغم من تعدد الصياغات والأساليب والمضامين في أعمال الفنانة فاطمة لوتاه، فإن وحدة عامة تجمعها، تتبدى في أكثر من منحى وشكل، وتطال مكوّنات نصوصها البصريّة كافة، بدءاً من الوسائل والوسائط والقطوعات (التكوينات)، وانتهاءً بالمضامين والطروحات الفكريّة المتمحورة حول قضايا إنسانيّة راهنة، مرتبطة بحياة الناس وموروثهم الشعبي في موطنها (الإمارات)، وبالمرأة في العالم الثالث، وأحداث شهدها ويشهدها عالمنا العربي، أتت على البشر والشجر والحجر في عدد من دوله، بدءاً من احتلال الولايات المتحدة الأمريكيّة للعراق، وليس انتهاءً بويلات «الربيع العربي» التي ما زال أوارها مشتعلاً ومستمراً حتى الآن.

حداثة متزنة

الملاحظة البارزة في تجربة الفنانة فاطمة لوتاه، اشتغالها على تقانات وأساليب وموضوعات الرسم والتصوير كافة، لكنها لم تصل فيها إلى التجريد المطلق، ولا أغوتها الاتجاهات والصرعات العابثة وعديمة الجدوى، التي طغت على حركات التشكيل العالمي الحديث والمعاصر، وجذبت إليها العديد من التشكيليين العرب، خاصةً في مصر ولبنان ودول الخليج العربي، هذه الصرعات التي ولدت من رحم الدادائيّة، وعممتها المفاهيميّة، عبر جملة من المفاهيم المُضلَّلَة والمُضلِّلِة، كالحداثة، وما بعد الحداثة، والتدوير... وغيرها.

 

صعوبة التصنيف

في أعمالها كافةً، لا تُغادر فاطمة لوتاه الضفاف الواسعة للواقعيّة، ولا ترتاد بها عوالم تهويميّة غامضة، وإنما تربطها بقوة وحميميّة بزمكانيّة محددة، وبموضوعات إنسانيّة شفيفة، طازجة، حيويّة، وجوهريّة، جعلت منها فنانة طامحة إلى تغيير الحياة والعالم، لا سيّما بعد أن جمعت فيها ببراعة، بين العمل والحلم، ومزجت بين إرهاصات الداخل وشغب الخارج، في محاولة منها لتجميد اللحظة الانفعاليّة التي تهزّ كيانها، بعد أن تقوم بإذابتها بالشأن العام، مدفوعة بشعار يقول: على الفنان أن يتحرر من التبعيّة للواقع، ويتجاوزه إلى واقع آخر، يكون أكثر تطابقاً مع عقله وروحه وعاطفته ومزاجه الخاص، ومع أحلام وآمال وتطلعات الناس إلى الفوز بحياة عادلة، مستقرة، وكريمة.

جملة هذه المقومات والخصائص التي يتفرد بها منجز الفنانة، جعلته صعب التصنيف والمَدْرَسَة، فلا أعمالها واقعيّة تعبيريّة بالكامل، ولا تجريديّة خالصة، وإنما هي مزيج متداخل ساحر وشفاف من الاتجاهين. وبقليل من التأمل، والإمعان في أحفورات نصها البصري، نكتشف وجود حالة مدهشة من التوافق والتداخل بين «الواقعيّة« و«التعبيريّة» و«التجريديّة»، حالة قادرة على مشاغلة عين المتلقي وبصيرته في آنٍ معاً.

موضوعات محليّة

تنحاز تجربة فاطمة لوتاه بشكل عام لموضوعات محليّة، مثال ذلك مجموعة لوحات (وطن) المرتبطة بحياة وموروث المجتمع الإماراتي، وكذلك مجموعة لوحات (نساء) التي كرّست غالبيتها لتمظهرات حياة المرأة في الإمارات وبعض الدول العربيّة والأفريقيّة والآسيويّة.

تطغى الواقعيّة التعبيريّة المختزلة (التي تجنح فيها أحياناً نحو التسجيليّة التزيينيّة) على غالبية مجموعة «نساء» المُعالجة بمقطوعات تكوينيّة متباينة ومبتكرة، غاب منها أو كاد، البعد الثالث (المنظور)، فالخلفيات فيها إما مساحات واسعة بلون واحد، أو بقع لونيّة واسعة، تقوم بتثبيت شخوصها عليها، ضمن تكوينات مدروسة، جديدة، طريفة، مدهشة، ومتنوّعة، فقد تحتل هذه الشخوص ركناً قصياً وصغيراً من جنبات اللوحة، أو تستقر في وسطها. وهي إما بلون واحد، أو بلونين وتدرجاتهما، أو غارقة بمهرجان من الألوان الحارة والباردة، الغامقة والفاتحة. وهي مفصولة عن الخلفيّة، أو مدموجة فيها.

لقد برعت الفنانة في طرائق تقديم شخوصها ضمن معمار لوحتها، ومارست حرية كبيرة في توزيع حمولاتها فوق سطحها، متكئة على خبرتها التي جمّعتها من الدراسة الأكاديميّة، وانكبابها المتواصل والمجتهد على الإنتاج والعرض، وفي نفس الوقت، حرصت على حقنها بعفويّة وتلقائيّة باتت مطلوبة بإلحاح، في الفن المعاصر.

طباعة Email