«مساحة للاحتفال».. أعمال إبداعية تمزج الحقائق مع الأسطورة والخيال

ت + ت - الحجم الطبيعي

يأتي معرض «مساحة للاحتفال» الاستعدادي الأول لأعمال الفنانة تاوس مخاتشيفا، والمقام بمركز فن جميل في منطقة الجداف ضمن أهم فعاليات موسم دبي الثقافي، الذي يجمع بوتقةً من الأعمال الفنية للفن المفاهيمي التي أبدعتها الفنانة على مدار الأعوام الثلاثة عشر الماضية، متضمناً في ذلك تكليفاً فنياً جديداً خاصاً بالموقع في الإمارة، فكل مشروع من مشاريعها هو مساءلة فذة ومتسقة لما كنا قد حسبناه من المسلمات، وكأنها زوبعة من الغرابة تهب لتذكرنا بأن الأرض ترتج والجسد يرتجف، وأننا جميعاً تواقون إلى اللمس. 

 

خارج السرب 

وفي السياق تحمل الفنانة مخاتشيفا درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من كلية «جولد سميث» بجامعة لندن (2007) ودرجة الماجستير في الفنون الجميلة من الكلية الملكية للفنون (2013)، وطالما كانت أعمالها تمازج النقد بالمشهدية سواء استخدمت القماش أو المعادن أو المواد الغذائية أو الشخوص الحية، ويتمتع عملها بالقدرة على استدراجنا من خلال ما نعتبره بعيد المنال ويغرد خارج السرب، لنكتشف بعدها القيمة التي أسهم بحثها في تبنيها، وعلى غرار جميع شخصيات الأبطال والبطلات والمؤدين بمن فيهم هي شخصياً، يتسم عملها بشيء من رصانة العمل الاستقصائي، ما يضع ممارستها في سياق الفن ما بعد السوفيتي، وبدقة التوازن الذي يضمن نجاح أعمالها.

 

مجموعة دائمة 

يقدّم معرض «مساحة للاحتفال» مجموعة من أعمال الفنانة مخاتشيفا منذ عام 2009 حتى الوقت الحاضر، حيث اقتنت أعمالها كجزء من المجموعات الفنية الدائمة في كل من معرض فنون أونتاريو، تورنتو، مركز بومبيدو، باريس، متحف ب. س. غامزاتوفا داغستان للفنون الجميلة، محج قلعة، كاديست، باريس وسان فرانسيسكو، متحف موسكو للفن الحديث، متحف الفن الحديث، أنتويرب، متحف بوشكين، موسكو، مؤسسة الشارقة للفنون، تيت مودرن، لندن، ومتحف فان أبي، أيندهوفن، وعرضت أعمالها مؤخراً في بينالي التراث العسير، فولغوغراد (2021)، محافل فنية منها ترينالي يوكوهاما (2020).

 

فن مفاهيمي

ومن جانب آخر تنتمي الفنانة مخاتشيفا إلى مدرسة الفن المفاهيمي، الذي يهتم بمفهوم الفكرة مقارنة بالمكونات الشكلية أو المرئية للأعمال الفنية. وأعماله هي مزيج من الميول المختلفة بدلاً من حركة متماسكة بإحكام، وقد اتخذت أشكالاً لا تعد ولا تحصى، مثل العروض والأحداث الزائلة. ومن منتصف الستينيات حتى منتصف السبعينيات، أنتج فنانو الفن المفاهيمي أعمالاً وكتابات رفضت تماماً الأفكار القياسية للفن، وهو ما يميز أسلوب الفنانة تاوس مخاتشيفا إلى جانب خفة أعمالها وعبثيتها في الوقت ذاته، مما قد يتسبب في إرباك المشاهد المستغرق في جوانب المشروع النقدية والبحثية الغزيرة، وهذه هي المفارقة التي تعلي من العمل وترفعه إلى ما يقارب مرتبة السمو.

 

سوبر تاوس

وعبر أربع تركيبات فنية تعيد مخاتشيفا سرد القصص المعقدة وإعادة صياغتها عبر مجموعة من الشخصيات والأشياء، بما في ذلك شخصيتها البديلة «سوبر تاوس»، كما تشتمل تركيباتها الفنية هزلية الطابع والسياقية في أغلبها على ساحات تدريب الجمباز التي يشوبها الخلل، وعلى سيرك الحقبة السوفيتية، وقاعات الزفاف، وسلاسل الجبال المعلقة في أعمالها، تمتزج الحقائق مع الأسطورة والخيال، مما يزعزع مفهوم الأصالة ويفسح المجال أمام الخيال. كما تصنع طبقاتٍ تتصاحب فيها الحكايات المبهجة مع ما هو غريب وغير متوقع، وكذلك مع المآسي التي لا يدركها العقل في بعض الأحيان.

 

صياغة التاريخ

ومن جانب آخر تتخذ تاوس مخاتشيفا ضمن سياق المعرض معظم قصصها من شمال القوقاز وبحر قزوين خلفية لها، وتحديداً جمهورية داغستان. وعلى امتداد ممارستها الفنية، تتأمل مراراً وتكراراً في عمليات صنع وإعادة صياغة التاريخ والتراث، خاصة خلال فترة خضوع هذه المنطقة الجغرافية لإعادة التشكيل في أعقاب انهيار الحقبة السوفيتية، فيلقي الأول منها وعنوانه «شاري فاري» (2019) نظرة على الثقافة البصرية لشعب القوقاز من خلال نشاطات السيرك الخاصة بهم، مما يستحضر مشاهد فريدة وعجائب وأوهاماً حول المستقبل.

 

رموز اجتماعية

في حين يتخذ تركيب «اللانهاية الكمّية للهدف» (2019) نغمة أكثر قتامة باستخدامه إعدادات صالة الألعاب الرياضية ذوات الخلل لتسليط الضوء على كيفية فرض النظام والسيطرة من خلال اللغة، وإيجاد الطرق لمقاومة الرموز الاجتماعية التقييدية. أما فيلم «توترات زلزالية» (2020)، فتروي عبره الفنانة مخاتشيفا الأشياء المفقودة وقصصها الخاصة عن الغياب والاختفاء، وتقاوم الروايات المبسّطة عنها. في حين تقدم «جمعية الأبطال الخارقين» بالتعاون مع الفنان صبيح أحمد، تنافراً من الأصوات من جميع أنحاء العالم، والتي تشهد على مشاهدة أصحابها للأبطال الخارقين، فغالباً ما تتداخل اللغات والأصوات في أعمالها، مما يمهد الطريق لحكايات تعددية معقدة.

طباعة Email