ضمن البرنامج الثقافي للشارقة ضيف شرف «لندن الدولي للكتاب»

أدباء ومثقفون يناقشون العناصر المؤثرة في تشكيل الثقافة الإماراتيّة والخليجية في «المكتبة البريطانيّة» بلندن

ت + ت - الحجم الطبيعي

استضافت «المكتبة الوطنية البريطانية» في لندن، أمسية حوارية ناقشت المسيرة التاريخية للثقافة الإماراتية بشكل خاص، والخليجية بشكل عام، والعوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت بتشكيلها، وتحديد سماتها المعاصرة واتجاهاتها المستقبلية، وذلك ضمن البرنامج الثقافي لإمارة الشارقة، التي تحل ضيف شرف على الدورة الـ 49 من «معرض لندن الدولي للكتاب».

 وشارك في الجلسة، التي جاءت بحضور الشيخ فاهم القاسمي رئيس دائرة العلاقات الحكومية في الشارقة، رئيس وفد الإمارة المشارك في المعرض، ومعالي محمد المر رئيس مجلس أمناء مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، وأحمد بن ركاض العامري رئيس هيئة الشارقة للكتاب، وسلطان العميمي رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب الإمارات، والدكتور عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث، والكاتبة الإماراتية دبي أبو الهول، وأدار الجلسة الشاعرة والأديبة الإيرلندية نيكيتا جيل.

تشكيل ثقافي

استعرض معالي محمد المر، العوامل التي ساهمت في تشكيل الثقافة العربية المعاصرة، انطلاقاً من تجربته الخاصة، وبيّن أنه بدأ قراءاته المبكرة بالروايات العربية، ثم انتقل للشعر والأدب العالميين، وبشكل خاص الأدب الروسي والأوروبي، وبعد زمن تعلم اللغة الإنجليزية، وتوسع في قراءة المترجمات من أدب أمريكا اللاتينية، مؤكداً أن الثقافة هي خليط من النتاج الإنساني العالمي، ولا يمكن أن تكون وليدة العزلة أو الانغلاق على الذات.

وتابع معاليه: «لدينا في التراث العربي حكايات عنترة، وسيرة بني هلال، وغيرها من الحكايات التراثية المروية والمكتوبة، لكنني عندما أكتب، أشعر بأنني متأثر بأسلوب كتاب معينين، مثل تشيخوف ونارايان، اللذين استطاعا أن يقدما أعمالاً رائعة ومركبة، بلغة حداثية، يسهل استيعابها من الجيل المعاصر».

تراث شفهي

وأوضح الدكتور عبد العزيز المسلم، أن من أهم عناصر قوة الثقافة الإماراتية، هي الشعر النبطي، كونه يمثل الوعاء الذي يحمل التاريخ الشفهي للمنطقة، ويحفظه وينقله للأجيال، جيلاً بعد جيل، مشيراً إلى أن تتبع المسار التاريخي للشعر النبطي وشعرائه، يكشف التطوّر والتحوّل في أنماط الحياة والعادات الاجتماعيّة، والقيم والثقافة السائدة، لما شكلوه من انعكاس شفهي شعري للحياة الاجتماعية، وعناصرها الرئيسة والفرعيّة، على حد سواء.

وحول مساهمات الثقافة العربية تاريخياً في المسار الثقافي الإنساني، قال المسلم: «هناك إجماع على أن الهنود والفرس هم أفضل من ابتكر الحكايات، وأن العرب هم أفضل من رواها ونقلها للعالم، لقد كان العرب قديماً يتنقلون من قطر إلى آخر، وهذا ساعدهم على تجميع الحكايات من الشعوب المختلفة، ونقلها عبر ترحالهم، وروايتها بطريقتهم الخاصة، وهذا يعني أن اللغة العربية حملت ثقافات العالم الشرقي ونقلتها لأوروبا».

وتابع المسلم: «الكثير من الحكايات الخيالية، لا أحد يعرف مصدرها الحقيقي، لكن بعض الإشارات التي تحملها تلك الحكايات، تؤكد أن جذرها يعود للثقافة العربية، مثل حكاية سندريلا، التي تكشف للمتمعن في تفاصيلها، أنها عربية المنشأ، وأن الكثير من الثقافات أضافت عليها، لتخرجها بتلك الصورة التي نعرفها اليوم، وهذا يعني أن الثقافة العربية، كانت مسهماً رئيساً في تشكيل الخيال والوجدان الإنساني».

صياغة التراث

من جانبها، أوضحت دبي أبو الهول، أنها تأثرت، ككاتبة مختصة بأدب الطفل، بحكايات جدتها التراثية، وأنها نشأت تناقش هذه الحكايات، وتحللها، لتفهم عناصرها المركبة والمتداخلة، لتصل إلى خلاصة أن من واجبها ككاتبة، إعادة صياغة التراث الشفهي الإماراتي، بشكل يجعله مقبولاً للأجيال المعاصرة، وأقل وطأةً على وجدانهم، ويحفظه من الضياع والتلاشي في الوقت ذاته، مبينةً أن المسؤولية الأكبر الملقاة على كاهل الكاتب، هي أن يكون على قدر توقعات أبناء مجتمعه، فيستمر في التجدد والإنتاج والإبداع.

وتابعت أبو الهول: «إن حكايات جدتي، قادتني إلى استكشاف الحكايات الخيالية التراثية العالمية، فقرأت حكايات الخيال العالمية، وأيقنت أن التراث الإنساني ليس ملكاً لثقافة معينة، أو حكراً على أمة دون غيرها، وأن السؤال الذي يحدد فهمنا لجذور الثقافات، هو: من يمتلك التراث، ومن يستطيع الحكم على أصل حكاياته، فقد أسست هذه الحكايات، التي لا نستطيع إلا أن نسميها إنسانية المنشأ، للثقافات المعاصرة، وهو ما دفعني للكتابة للطفل، من منطلق خيالي تثقيفي وتوعوي، لأكون مساهمةً في هذا الحراك الثقافي العالمي الهام».

وأضافت أبو الهول: «لقد أبدعت الشعوب قصص التراث الخيالية، في سعيها نحو إعادة صياغة الواقع والأحداث، وتشكيل المستقبل، لقد كتبت عن شخصية خيالية، تسمى (خطاف رفاي)، وهو جني يغرق سفن البحارة، وقد يتساءل الكثيرون، لماذا يحتاج الناس إلى ابتكار شخصية شريرة تغرق السفن وتودي بحياة الناس، لكن الإجابة تأخذنا إلى عكس سياق السؤال ذاته، لقد ابتكرت المجتمعات التي تعيش على صيد الأسماك والإبحار (خطاف رافاي)، لتجد ما ترويه للأطفال، عندما يذهب آباؤهم للصيد ولا يعودون، فلا يمكن أن تترك هذه الحوادث قيد المجهول، وهذا يعني أن قصص الخيال، جاءت لكشف الغموض، ولتمنح الواقع تفسيراً شبه منطقي، للتغلب على المجهول».

تجربة إبداعية

وفي جلسة حوارية حول التجربة الإبداعية لمعالي محمد المر، استعرض الكاتب المراحل التي مرت بها تجربته الإبداعية، وتوقف عند علاقته بالكتاب منذ الطفولة، حين كان والده يصطحبه إلى أحد أصدقائه، ويتركه جالساً بجوار أرفف المكتبة، موضحاً أن تلك الزيارات المتكررة، والوعي الكبير لدى والديه، فتح أمامه الباب للتعرف إلى الحكايات والقصص الشعبية، ودفعه للتعلق بها في ما بعد.

وتحدث المر خلال الجلسة، حول أثر انفتاح الأديب على التجارب الثقافية العالمية، مؤكداً أن تطور الأجناس الأدبية، مثل الرواية والمسرح والقصة، مر بمراحل عديدة، كان للثقافة العربية دور كبير فيها، كما كان للثقافة الأوروبية دور بارز في صياغة شكله المعاصر والحديث، مشيراً إلى مسارات التجريب في الأدب العربي، وأهميتها في تشكل التجارب الخاصة والمجددة للأدباء والكتاب الشباب في الإمارات والمنطقة العربية.

طباعة Email