مشوار طويل قطعته الأغنية العربية منذ أن دخلت التكنولوجيا الرقمية عالمها الشجي؛ كما أن سوقها وعملياتها الإنتاجية شهدت تحولات جذرية بالتزامن والتفاعل مع الطفرة الرقمية الهائلة، التي شهدها العالم، منذ مطلع الألفية الثالثة.
وفي الواقع، فإن هذه التحولات تعكس، على نحو واضح، أن الأغنية العربية انتقلت من وضعها كمنتج جانبي من منتجات مؤسسات الإذاعة الحكومية، لتستقر في مكانها الجديد، مجالاً حيوياً من مجالات قطاع الاقتصاد الإبداعي.
ومن اللافت، أن الأغنية العربية خرجت بنتيجة هذا التحول من عباءة شركات الإنتاج. هذا التحول الجذري، الذي تم منذ سنوات قليلة، كانت له مقدماته ونتائجه، التي تستحق الرصد والإشارة.
التحرر من «الكاسيت»
حتى تسعينيات القرن الماضي، كانت الأغنية العربية أسيرة «الكاسيت»، ومنظومة إنتاجه وتسويقه، التي كانت تفرض منظومة من العلاقات المختلفة، منها:
(1) الحاجة إلى رأسمال تمويلي وازن، قادر على تحمل الكلفة العالية لنسخ الأغنية على وسائط تخزين («الكاسيت» و«السي دي»).
(2) القدرة التسويقية والتوزيعية، التي تشمل المبيعات العامة المباشرة إلى المستهلك النهائي، وضمان فرصة بث عبر محطات الإذاعة والتلفزة.
(3) ضمن هذا السياق، سادت معادلة الألبوم المكون من عدة أغان تصل إلى العشر أحياناً في كل ألبوم.
(4) وبنتيجة ذلك، امتلكت شركات الإنتاج القرار الفني، بالكامل. ويشمل ذلك، القرار بشأن من يمكنه أن يغني، وماذا يغني، ومتى.
كل هذا تغير مع التحول الرقمي؛ انحسرت وتراجعت الكلف الإنتاجية، وقلت الحاجة إلى تمويل كبير، وتحررت الأغنية من سلطة وسائط التخزين، وتغيرت طبيعة التسويق، وانتفت الحاجة إلى المبيعات التقليدية، وظهرت وسائل بث جديدة متاحة لمن يشاء، وانحسرت معادلة الألبوم، وحلت محلها معادلة الأغنية المفردة «السينغل».
ومن جهة أخرى، بات القرار الفني بيد الفنان نفسه؛ هو يقرر متى، وماذا يغني. وبالأصل هو يقرر أنه صاحب موهبة جديرة بالعرض.
جنة «اليوتيوب»
انطلق موقع «يوتيوب» في العام 2005، وسرعان ما ضرب شركات الإنتاج الفني في صميم دورها؛ ولم تعد هناك حاجة إلى قدراتها التمويلية والتنظيمية، ولا إجراءاتها التي كانت معقدة، وتحولت إلى سلطة قاهرة تسيطر على مجمل قطاع إنتاج الأغنية العربية. فيما أضحى «يوتيوب» جنة كل من أراد التحرر من قرار شركات الإنتاج وسطوتها.
لم تنه جنة «يوتيوب» الحاجة إلى وسائط التخزين وأجهزة التشغيل ومحطات البث التقليدية فقط، بل وأتاحت للفنانين تقديم أنفسهم متى شاءوا، وبأغنية واحدة «سينغل» إن أرادوا. كما أن المواهب الجديدة لم تعد بحاجة إلى العثور على من يقتنع بها لتقديم نفسها، وباتت هذه المواهب قادرة على التوجه مباشرة إلى الجمهور.
بهذا، بات من الممكن الاستغناء عن العقود مع شركات الإنتاج، والتحول إلى الإنتاج الشخصي، حيث تتيح الكلف المعقولة للفنان أن يتكفل بإنتاج أغانيه، وبثها عبر قناته الخاصة على «يوتيوب». ما يتيح له في النهاية، ليس تقديم نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة فقط، ولكن أيضاً جني عائدات عمله كاملة.
وفي هذا السياق، يؤكد ذوو اختصاص لـ«البيان»، أن التحول الرقمي ساعد الفنانين على تحصيل عائدات أغانيهم دون وسيط، ما قاد إلى تحول 99 % منهم لإنتاج أغنياتهم بأنفسهم.
إنتاج شخصي
ويوضح عامر هنيدي، المدير العام لشركة الإمارات للصوتيات والمرئيات، أن «أغلب جمهور الأغنية يستمع إليها اليوم عبر «الهاتف الذكي». وهكذا توقفت شركات الإنتاج عن إنتاج ألبومات غنائية تطرح على «سي دي» بنسبة 99 %. ويحافظ بعضها على وجوده اليوم من خلال الإنفاق على إنتاج الأغنية نفسه، وكذلك عبر تمويل تصويرها».
ويضيف: «لا يزال بعض الفنانين يطلقون «السي دي»، حفاظاً على وجودهم في شركات مهمة، مثل «فيرجن ميوزك»، تقدم لهم خدمات أخرى. وهذا التحول أدى إلى تخلص الفنانين من عباءة شركات الإنتاج».
وقال هنيدي: «أصبح الفنان الآن يطرح أغنية «سنغل» أو ألبوماً كاملاً، عن طريق قناته على «يوتيوب»، أو في قنوات أخرى، مثل «ديجتال أنغام»، والتي تمنح الفنان عائدات شهرية».
وذكر: «إن هذا التقليد ساد منذ حوالي 3 سنوات، حتى إن شركاتنا لإنتاج «السي دي»، قد تقلصت من 4 إلى واحد».
شركات تسويق
ومن جهته، لفت الفنان محمد اليافعي، إلى أن «هناك سهولة في عرض الأغاني المتنوعة على الإنترنت، فالفنان لا يحتاج إلى أي موافقات، ولا إلى إقناع أي أحد، كما لم يعد يواجه تلك العراقيل التي يشهدها العمل مع شركات الإنتاج، كما أن عوائد الأغنية، مهما كان حجمها، تعود إلى الفنان نفسه».
وأوضح اليافعي: «بالنسبة لي، يمثل طرح أغنياتي على حساباتي على مواقع التواصل، لقاء مفتوحاً بيني وبين الجمهور، دون الحاجة إلى شركات التسويق».
الحاضنة الرقمية
في الواقع، تعطي التحولات التي مرت بها الأغنية العربية مثالاً واضحاً على الاقتران ما بين مفردات الاقتصاد الابداعي والرقمنة، التي هي بلا شك البيئة الحاضنة لهذا الاقتصاد الجديد.
