تمتلك إندونيسيا واحداً من أكبر الاقتصادات جنوب شرقي آسيا، وهذا ما أهلها لعضوية مجموعة العشرين. ومن جانب آخر، يمتاز اقتصادها بنوع من الحصانة الناجمة عن اعتماده على السوق المحلية والإنفاق الحكومي وملكية الدولة لعشرات المؤسسات والشركات الكبرى والحيوية، ومع ذلك تخضع غالبية القطاعات الاقتصادية لسيطرة الأفراد (الإندونيسيين) والشركات الأجنبية.
لا تنافس إندونيسيا في مجال التكنولوجيا، وليس أمامها أفق في هذا المجال. وهذا معطى يمثل لحظة حرجة في التصورات حول مستقبل هذا الاقتصاد الكبير. ولمواجهة وتحييد نقطة الضعف هذه، لجأت إندونيسيا إلى الاقتصاد الإبداعي، وأنشأت في العام 2015، «الوكالة الإندونيسية للاقتصاد الإبداعي»، وأُنيط بها وضع السياسات وتنسيقها من أجل استغلال إمكانات إندونيسيا في مجال الاقتصاد الإبداعي.
شجع على إنشاء هذه الوكالة هو أن الاقتصاد الإبداعي في إندونيسيا، كما في بلدان أخرى، يمتلك إمكانات هائلة، غير مستغلة، فحتى ذلك الحين، كانت إندونيسيا تنشط في هذا المجال عبر قطاع شديد التنوع يغطي ستة عشر مجالاً فرعياً مختلفاً، بأداء يظهر قدرة هائلة على النمو. ومع ذلك، فإن تأسيس «الوكالة الإندونيسية للاقتصاد الإبداعي» لم يأت دون محفزات سلبية، فقد كان قطاع الاقتصاد الإبداعي في إندونيسيا يواجه عدداً مقلقاً من التحديات، (1) جزء كبير منه يتكون من شركات صغيرة ومتوسطة، (2) تسوق منتجاتها على المستوى المحلي فقط، (3) وأن القليل من هذه الشركات يعرف ما تضيفه حقوق الملكية الفكرية من قيمة إلى أنشطتها التجارية، إلى جانب (4) أن هذه الشركات لا تحصل على رأس المال اللازم لأنشطتها، (5) ولا التكنولوجيات الضرورية لتوسيع نطاق عملياتها.
من جانب آخر، كانت قوة الاقتصاد الإبداعي في إندونيسيا تنبع من تنوع الثقافة المحلية، وكذلك التنوع الديموغرافي.
وبما أن الأمر يتعلق، بالدرجة الأولى، بالمستقبل، فإنه من غير الممكن تجاهل معطيات مقلقة، تقول إن الاقتصاد الإندونيسي سيواجه بحلول العام 2030، تحدي تشغيل 180 مليون شاب، جاهز للانضمام إلى سوق العمل.
هذا، في واقع الأمر، عامل حرج ومشجع في آن، فمن جهة، يمكن لهذا الفيضان من القوة العاملة أن يقود إلى انهيار الاقتصاد الكلي في البلاد في حال عدم استيعابه في سوق العمل. ومن جهة أخرى، من المشجع أن الاتجاه السائد لدى شباب إندونيسيا هو الحماس الكبير للاقتصاد الإبداعي، والعديد منهم يؤسسون شركات ناشئة ويستحدثون مضامين ومناسبات (فعاليات) إبداعية.
وبذلك، فإن التحدي الاقتصادي الحرج الذي تعيشه إندونيسيا يتمثل في حقيقة قاسية: إذا لم يتم تأهيل وتوسيع وتنظيم قطاع الاقتصاد الإبداعي، فإن الشباب سيغدون عبئاً اقتصادياً واجتماعياً هائلاً، يمكنه أن يطيح باقتصاد البلاد.
وهذه الحقيقة القاسية، أعطت مؤشراً اقتصادياً قوياً: الشباب هم القوة الاقتصادية الأقوى والأكبر في البلاد، وأن هذا لا يقتضي فقط توجيه الاقتصاد لاستيعاب هذه الكتلة الجديدة، ولكن كذلك القبول بتحويل نوعي للثقافة المحلية، بما يتناسب مع توجهات قوة العمل المستقبلية وسادة الأعمال الجدد.
وهذا دور تقوم به جزئياً «الوكالة»، من خلال سعيها إلى إقامة نظام إيكولوجي يمكّن الشركات الإبداعية من أن تعزز إنتاجيتها ويتيح لها أن تزدهر، عبر تأدية ست وظائف رئيسة، هي: البحث والتطوير والتعليم، والحصول على رأس المال، والبنية التحتية والتسويق والتسهيل، وتنظيم حقوق الملكية الفكرية، والعلاقات الحكومية الدولية، والعلاقات الأقاليمية.
تترجم «الوكالة» وظائفها الست إلى خطوات وسياسات محددة، إنها تضطلع بالتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى لضمان أن تكون أعمالها متناسبة مع الاقتصاد الإبداعي، وتعمل على ضمان وضع إطار تنظيمي لدعم الشركات الإبداعية، وتساعدها في استقطاب الاستثمار الذي تحتاجه لتنمو وتتطور، وتنظم مجموعة من المبادرات في كل قطاع فرعي، وبرامج لاكتشاف المواهب وتعزيزها وتسويقها في الأسواق الوطنية والدولية، إلى جانب التوعية بحقوق الملكية الفكرية، وكذلك تمثيل القطاع لدى صانع القرار الاقتصادي، والتدخل في تحديد معدلات الضرائب وآليات جمع الإيرادات وإعادة توزيعها على العاملين.
وفي هذا السياق، تقوم «الوكالة» بتسهيل تدفق رؤوس الأموال على الأنشطة التجارية الإبداعية، ودعم تحويل العديد من الأصول الإبداعية للبلد إلى أموال نقدية وتسويقها، أما الهدف الأساسي فهو أن يصبح الاقتصاد الإبداعي العمود الفقري للاقتصاد.
الدرس الإندونيسي الذي تتوجب مراقبته، ملياً، وباهتمام، هو قيادة قطاع الاقتصاد الإبداعي عبر المؤسسات، حتى وإن لم تكن وزارية مثل «الوكالة الإندونيسية للاقتصاد الإبداعي».
