الاقتصاد الإبداعي.. أفكار بسيطة وشركات عملاقة

ت + ت - الحجم الطبيعي

غالباً ما تقدم الانطباعات الشائعة، حتى وإن استندت إلى حقائق ثابتة، أفكاراً خاطئة؛ ومثال ذلك، أن من الثابت أن الاقتصاد الإبداعي يمثل فرصة لأصحاب المبادرات الفردية، وأن هذا يقود إلى ازدهار في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

هنا، تقود هذه الحقيقة الثابتة، من حيث لا ينتبه المرء إلى أن الاقتصاد الإبداعي هو حصراً قطاع يندرج ضمن هذه الفئة، فئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وهذا قول غير صحيح، ويمكن إثبات عدم صحته ببساطة، عبر قراءة سريعة لأنجح التوجهات في مختلف قطاعات الأعمال، التي تؤكد، بدورها، وعلى نحو مدهش، أن الأولوية في الاقتصاد والأعمال، تماماً كما في السياسة، هي للأهداف العالمية، وهو ما يجد تجسيده في الواقع العملي عبر عدة كلمات، باتت أيقونية في عالم الأعمال، وتشير إلى شركات كبرى تنتمي إلى فضاء الاقتصاد الإبداعي، مثل: «غوغل»، و«تيسلا»، و«أمازون»، و«نتفلكس»، و«إيكيا»، و«فيسبوك»، و«تويتر»، وغيرها الكثير.

إنها شركات انطلقت من أفكار بسيطة تلبي حاجات بديهية، برزت مع الطفرات الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية، التي شهدتها الحياة في محطات معينة، مثل خمسينات القرن الماضي ونهاية الحرب العالمية الثانية، وبلوغ عمليات إعادة الإعمار في أوروبا ذروتها، كما بالنسبة لـ«إيكيا»، أو الربع الأول من القرن الحالي، وانتهاء الحرب الباردة، وتحرير الإنترنت وتقنياته من السرية العسكرية، كما هو حال بقية هذه الشركات.

أفكار عظيمة

تشترك هذه الشركات، كلها، في الانطلاق من المحدودية إلى العالمية، إذ رغم أن أصحاب هذه الأفكار اعتقدوا في البداية أنها أفكار تقترح مشاريع يمكن أن تخدم بيئات استهلاكية محددة ومحدودة، إلا أنها ما إن وضعت قيد التنفيذ حتى جمحت نحو تغطية حاجات عالمية، على امتداد الكرة الأرضية متجاوزة الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية.

لقد كان مارك زوكربيرغ يعتقد، بينما هو يطور مشروعه، أن الـ«فيسبوك» هو مجرد اقتراح لتلبية حاجات مفترضة في محيطه الجامعي، ولم يكن واثقاً حتى من النجاح في الاستحواذ على اهتمام هذا المجتمع الصغير المحدود، ولكنه أفاق على مشروعه وقد أضحى منصة عالمية، تستقطب مستخدمين من مختلف الأعمار والتوجهات والمستويات الثقافية والفكرية، ويستخدم لغايات غير محدودة: في الأغراض الشخصية، والمهنية، والترويج والدعاية، وفي النظم الإدارية، وخلافه.

ميزات ثلاث

وفي هذا 3 من الميزات الجاذبة للاقتصاد الابداعي؛ أولها، أنه يستند إلى أفكار بسيطة، لكنها تلبي حاجات بديهية، غير مغطاة، وثانيها، أن مشاريعه المبتكرة، التي تستوفي شروطه المثالية، سريعة النمو والتوسع، وثالثها، أن مشاريعه تنطوي على قابلية ونزوع شديدين إلى العالمية.

من جهة أخرى، تعطي «غوغل» مثالاً على ميزات أخرى مذهلة؛ منها أنها نموذج من الأنشطة، التي تحقق من جهة تدفقات نقدية كبيرة، لكنها، بالمقابل، لا تقبل احتجاز الأموال، وتنزع نحو خلق وإيجاد فرص إعادة استثمار مجدية لتدوير أرباحها في مشاريع جديدة، والحيلولة دون احتجازها في صورة نقدية.

هذا ما حول «غوغل» إلى امبراطورية أعمال عملاقة في مجال التكنولوجيا، عبر مجموعة من المنتجات والمشاريع، مثل «غوغل كروم»، وخدمة البريد الإلكتروني الـ«جي ميل» وبرنامج البحث عن الفيديوهات «يوتيوب» وخدمة الترجمة «غوغل ترانسليت»، وبرامج الخرائط «غوغل ماب»، وسوى ذلك الكثير.

ومن الملاحظ هنا أن كل ما تقدمه «غوغل» يقوم على أساسين: (1) ابتكار تكنولوجي، يتيح تقديم (2) خدمة معينة.

تطوير تقني

من جهتها، لا تقدم «تيسلا» خدمات، بل تبيع منتجاً استهلاكياً، هو السيارات كهربائية وذاتية القيادة. ولكن من المتوقع أن نجاحها، والجزء غير المنظور من أرباحها، سيأتي في مرحلة لاحقة، حينما تصبح تقنيات وبرمجيات القيادة الذاتية والحلول التقنية للتعامل مع الطرق والتضاريس ضرورة لا بد منها، مع التحول الشامل إلى السيارات والمعدات ذاتية القيادة. ويمكن تخيل «تيسلا» تقوم، في هذا المجال، بدور مشابه لما تقوم به شركة «مايكروسوفت» في مجال البرمجيات.

و«تيسلا»، في هذا، تقدم مثالاً على ميزة إضافية لقطاع الاقتصاد الابداعي، وهي أن أنشطته تمتلك طبيعية توالدية متوالية، تسير في دورة لا متناهية، تبدأ من خلق «منتج»، يخلق بدوره «حاجة إلى خدمة»، هي بدورها تخلق منتجاً جديداً، وهكذا. وبنفس الدرجة، تعطي مثالاً على ميزة الاستدامة في أنشطة الاقتصاد الإبداعي.

مرونة عالية

وتقدم شركات أخرى مثل «أمازون» و«نتفلكس» أمثلة إضافية على ما سبق في مجالات مختلفة، تؤكد ميزات الاقتصاد الإبداعي، النابعة مما يتصف به من درجة عالية من المرونة والقدرة على ربط حاجات ومجالات متعددة في خدمة واحدة، وكذلك توظيف أنشطة متنوعة في سياق «موديل» أعمال واحد، حيث تقدم «أمازون» فكرة البيع عبر الإنترنت والمتجر الإلكتروني وخدمة الشحن السريع والتوصيل لسلعها المادية، إلى جانب خدمة التلفزيون والموسيقى والأفلام، عبر الإنترنت، بينما انتقلت «نتفلكس» من تأجير أفلام الفيديو والأقراص المدمجة، بينما انتقلت «نتفلكس» من تأجير أفلام الفيديو والأقراص المدمجة إلى خدمة البث الحي حسب الطلب عبر الإنترنت، وصولاً إلى إنتاج المحتوى الإبداعي.

منازل ذكية

ومع «إيكيا»، الشركة صاحبة الثورة في التصميم المنزلي الحديث، يمكن رصد كيف فرضت هذه الشركة أسلوبها على مختلف الأذواق والمستويات. وهذه ميزة أصيلة في الاقتصاد الإبداعي، تتمثل في كونه عابراً للثقافات والتمايزات الاجتماعية.

بطبيعة الحال، تقود «إيكيا»، بحكم ريادتها في مجالها، الانتقال إلى عالم منزل الذكي، في خطوة كبيرة، لا يبدو أنها ستتوقف، مع الحديث المتزايد عن «إنترنت الأشياء»، عند أثاث الشحن اللاسلكي، لتتم انعطافتها نحو عالم الأعمال المنزلية الذكية، في تجسيد لواحد من ميزات الاقتصاد الإبداعي، المتمثلة في التوائم مع التوجهات الرقمية.

إن ميزات الاقتصاد الإبداعي لا تقتصر على ذلك، فهو يمتاز أيضاً بأنه ينمو في الاقتصاد العالمي عموماً، وليس في الدول المتقدمة، فقط، كما يمتاز بالتنوع اللانهائي في أنشطته، وبطاقته التشغيلية العالية، وبقابليته للتعامل مع أساليب عمل غير تقليدية، كالعمل عن بعد، مثلاً، كما أنه قطاع لا يعترف في كثير من أنشطته بالإعاقة، ويحفل بالموهبة والمهارة والفكرة المبتكرة أكثر من اعتداده بالشهادة العلمية والسيرة المهنية.

إنه قطاع مرن ومنفتح.

طباعة Email