لا يتعاطى المثقفون والمبدعون عبر العالم عموماً، ومن هم في حكمهم، بلغة الأرقام، بل يعتقدون بأن أنشطتهم هي محض ممارسة روحية ومعنوية، لا تقع في مجال الاقتصاد، ولا يمكن، بالتالي ترجمتها إلى بيانات وأرقام، أو احتساب أي أثر مادي لها، في الحياة اليومية، أو على مستوى المعيشة. والحقيقة أن المثقفين والمبدعين ليسوا وحدهم في ذلك، هناك الكثيرون من صناع القرار، ينظرون إلى المثقفين والمبدعين نظرتهم إلى «الأولياء الصالحين» الزاهدين في الدنيا، والمشغولين عنها، لا يؤثرون، ولا يتأثرون بها، ويصرون على العيش في «أبراج عاجية».

والأمر، في الواقع، يتعدى مجرد نظرة المثقفين والمبدعين إلى الذات، أو نظرة المجتمع لهم، إذ إن المنظومة الاقتصادية التقليدية الراسخة، تتعامل معهم على هذا النحو، لدرجة أن المصارف ومؤسسات الإقراض الحكومية، يمكن أن تضع ثقتها في «عامل غير ماهر»، أو «موظف غير منتج»، لمجرد أنهما موجودان على سلم رواتب ما، فتمنحهما قروضاً تبلغ أضعاف دخلهما الشهري بمرات كثيرة. بينما تضن بمثل هذه الثقة على الأديب، حتى وإن كان مبدعاً، وعلى الفنان التشكيلي، وإن كان عبقرياً، وعلى الموسيقي، وإن كان ملهماً، وعلى المسرحي، وإن كان موهوباً، ولا يفيد الواحد منهم أنه ناشر في رصيده المهني مكتبة كاملة من الإصدارات التي يعتد بها، أو متعهد حفلات فنية وترفيه، وفي رصيده ربع قرن من مزاولة المهنة، أو منتج تلفزيوني يشاهد المصرفيون وعائلاتهم كل ليلة ما أنتجه للشاشة من مسلسلات وبرامج وأغانٍ.

وهذا رغم أنهم جميعاً مكلفون بدفع الضرائب على عوائدهم، ومطالبون بتسجيل أنشطتهم المهنية، ودفع رسوم عنها، مثلهم مثل المصارف والفنادق والمصانع، وبقية الأعمال والخدمات. أي، ببساطة شديدة، لا يتعلق الأمر بالمثقفين والمبدعين والعاملين في هذا القطاع، بل بالنظام المصرفي، ومنظومة التمويل والإقراض، التي لا تعترف بالثقافة والفنون قطاعات اقتصادية. ذلك أن هذه المؤسسات لا تزال تتمسك بتقاليد عتيقة، في وقت تغيرت فيه نظرة العالم إلى الاقتصاد، وتنوعت وتعددت فيه القطاعات الجديدة، فبتنا نتحدث عن «اقتصاد المعرفة»، و«الاقتصاد الإبداعي»، و«الاقتصاد الثقافي»، و«الاقتصاد البرتقالي»، و«الصناعات الثقافية»، و«الصناعات الإبداعية».

حقائق جديدة

لا شك في ضرورة أن يجدد النظام المصرفي ومنظومة الإقراض نفسيهما، لمواكبة الحقائق الجديدة، التي غيرت معادلات راكدة، وقلبت موازين راسخة، وأنتجت اقتصادات صاعدة، وأخرى تسعى للتكيف والتواؤم مع اقتصاد المستقبل.

وعلى ذكر الاقتصادات الصاعدة، لا يستطيع المرء إلا أن يعطف على الحالة الصينية، فقد بثت وكالات الأنباء منذ أيام، خبراً لافتاً بعنوان: «الإيرادات التشغيلية المجمعة في صناعة الثقافة الصينية، ترتفع بـ 16 % في 2021». وفيه يرد أن صناعة الثقافة الصينية، سجلت انتعاشاً مستقراً في العام الماضي، مع ظهور نماذج أعمال جديدة سريعة النمو، ما سمح بارتفاع الإيرادات التشغيلية المجمعة للشركات الكبرى في القطاع، إلى مستوى 1.87 تريليون دولار أمريكي.

وفي مثال آخر، هناك ما بات يعرف اليوم «بالموجة الكورية»، التي لم تؤدِ فقط إلى تحسين صورة كوريا دولياً، وتعزيز فرصها الاقتصادية وتنافسيتها عالمياً. بل رفعت من مدخول كوريا من السياحة، حتى بلغ في العام الماضي 1.6 مليار دولار. فيما ارتفعت صادراتها الثقافية إلى قرابة 13 مليار دولار.

استثمار حكومي

من المهم القول، إن النمو الثقافي الذي حققته كوريا الجنوبية، لم يكن مجرد إنجاز حفنة من المبدعين، بل كذلك ثمرة جهود واستثمار حكومي، أثمر أصولاً ملموسة، تمت ترجمتها إلى نمو اقتصادي ونفوذ عالمي، كبيرين. وكذلك زيادة وزن القطاع الثقافي، حتى بلغت عائداته 290 مليار دولار في سنتين، متخطياً بذلك قطاع «أشباه الموصلات»، الذي بلغ حجمه 280 مليار دولار.

لا بد من الإشارة، كذلك، إلى التجربة البريطانية في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، حيث تقدم الصناعات الثقافية والإبداعية دخلاً قومياً، يزيد أربع مرات عن الدخل الذي تقدمه الزراعة وصناعات صيد الأسماك وأعمال الغابات.

أما فرنسا، فقد أفاد تقرير لوزارتي «الثقافة» و«الاقتصاد»، بأن عائدات القطاع الثقافي، تساوي سبع مرات مداخيل صناعة السيارات، وضعف عائدات قطاع الاتصالات، وما يعادل تقريباً عائدات القطاع الزراعي.

وهذا وفق هذا التقرير، القديم نسبياً (2011)!

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإنّ صناعة الثقافة، تمثل أكثر من ربع من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثاني أكبر صناعة بعد صناعة الأسلحة. ويكفي أن إيرادات السينما الهوليوودية، تصل إلى أرقام فلكية، لدرجة أن 5 أفلام فقط، حققت العام الماضي 3.7 مليارات دولار. وهنا، بينما نتذكر أن صناعة السينما، هي جزء لا يتجزأ من الصناعة الثقافية، يلفتنا أن الهند حققت من صناعة الأفلام 3.1 مليارات دولار من الإيرادات.

وفي قارة أخرى، أمريكا الجنوبية، التي تعاني من إحباطات جمة في قطاعاتها الاقتصادية، يمثل الاقتصاد الثقافي حوالي 4 % من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة 124 مليار دولار أمريكي. والمؤكد أن الاقتصاد الثقافي ينمو بشدة وبسرعة، وفى عام 2002، بلغت إيراداته 208 مليارات دولار، وهو يدرّ اليوم إيرادات عالمية، تقدر بنحو 2.25 تيريليون دولار سنوياً، ومن المتوقع أن تصل مساهمته إلى 10 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ومن اللافت أن اقتصاديين يرون أننا إذا اعتبرنا «الاقتصاد الثقافي» بلداً، فسيكون رابع أكبر اقتصاد في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين واليابان، ورابع أكبر قوة عمل، وتاسع أكبر مُصدِّر.

بعد هذا كله، لن يعود من غير المناسب أن نختم هذه السطور، المليئة بالأرقام والبيانات، بكلمات لواحد من ممثلي قطاع الصناعة الثقافية «العائشين في الأبراج العاجية»، الذين لطالما نبذتهم المنظومات الاقتصادية التقليدية، حيث يقول بدوي الجبل، في قصيدة له:

والدهرُ ملك العبقرية وحدها

                   لا ملك جبّارٍ ولا سفّاحِ

والكون في أسراره وكنوزه

                   للفكر لا لوغىً ولا لسلاحِ

لا تصلح الدنيا ويصلح أمرها

                   إلا بفكرٍ كالشعاع صُراحِ