علي العبدان فنان وناقد تشكيلي إماراتي. له تجربة فنيّة طويلة ومتشعبة مختلفة الصياغة ووسائط التعبير، حملت بداياتها الأولى، تأثيرات من تجارب فنيّة عالميّة معروفة.

لكنها مع ذلك، كانت تنم عن شخصيّة مصوّر متميز، يتعامل بمهارة مع عجينة لونيّة دسمة بها ومن خلالها يبني عمارة لوحته، ويُحدد عناصرها التي اقتصرت في البداية على الطبيعة الخلويّة والطبيعة الصامتة، أضاف إليها لاحقاً الإنسان الشعبي.

الفن ضرورة

يُعتبر الفنان العبدان من أوائل التشكيليين الذين أنجزوا أعمالاً مفاهيميّة في الإمارات، غير أن البدايات الحقيقيّة له مع الفن كانت عندما اكتشف ضرورة تشكيل وعي مختلف واستثنائي، في التعامل مع الظواهر الخارجيّة وانعكاسات الداخل بكل تراكماته مع هذه الظواهر.

حيث أصبح هناك نوع من القطع في تفسيره للفن بعد أن تبين له أن الرسم شيء مختلف تماماً عن الفن، لأن الرسم (كما يقول) مجرد حرفة، وأفضل رسام في العالم هو رسام قسم الشرطة الذي يقوم برسم وجوه المجرمين من خلال الوصف الشفوي.

أما الفنان الحقيقي فهو الذي يُنتج الفن عندما يرى ضرورة داخلية ونفسيّة وجماليّة تدفعه للإنتاج، لأنه في هذا السياق يقوم بخلق عالم تركيبي ينسجم مع نفسيته، ويعوض النقص الذي لم تكمله الحياة خارج ذاته، وخارج رغباته المتأججة.

خارج التبعيّة

يرى الفنان العبدان ضرورة أن يبقى الفنان التشكيلي خارج (النمط) أو (النموذج)، وهذا مبدأ أساس وسليم بالنسبة للفن الذي يجب أن يبقى لصيقاً بجذوة الحياة، ينمو مع نموها، ويتطور بتطورها.

لهذا شهدت تجربته الفنيّة العمليّة العديد من الانعطافات، إضافة إلى خوضه غمار تقانات عديدة، واتجاهات مختلفة، من بينها الواقعيّة المشوبة بالانطباعيّة، والواقعيّة المختزلة. ورغم سطوة وانتشار التيارات الحديثة المتطرفة في عبثيتها على الساحة التشكيليّة المحليّة، نأى الفنان العبدان بنفسه عنها، ناجياً (كما يقول) من التبعيّة الملزمة لأطروحات وأفكار الفنان الراحل حسن شريف ولمريديه من الفنانين التشكيليين الشباب (وكان هو واحد منهم).

مغامرات مستمرة

الخروج من عباءة الآخرين كان بالنسبة للفنان العبدان أشبه بالخلاص الفني الذي أتاح له الدخول في مغامرات فرديّة مستقلة، لا تنتزعه عن جذوره، ولا تُقصيه عن ماضيه. وفي نفس الوقت لا تُجبره على تكرار التجارب السابقة واستنساخها.

ولأنه لا يتمسك بطريقة عمل واحدة، لا يمكن التنبؤ بماهية أعماله الفنيّة القادمة التي غالباً ما يُخضعها لعملية تقويم ونقد عقب ولادتها، وهو يحرص على تضمينها مفردات وعناصر تراثيّة ومعاصرة قادرة على التواصل مع المتلقي، لهذا نرى البيئة وموجوداتها تتشظى في حمولات أعماله، ما يجعلها قادرة على مشاغلة بصر المتلقي، وهدهدة بصيرته في آنٍ معاً، الأمر الذي دفعه لإبراز وتأكيد وجود علاقات عضويّة ووجدانيّة بين شخوصه وبين المكان، وهذه ثيمات تتكرر في تجربته الفنيّة، مانحةً إياها تفرداً يصعب الفوز به، في عصر ثورة الاتصالات البصريّة التي صبغته بلون واحد.