على مبدأ الغياب يستدعي الحضور، عادت أعمال التشكيلي والباحث الجمالي والأكاديمي الدكتور عبد الكريم فرج، إلى الواجهة، بعد وفاته الشهر الماضي عن عمر ناهز الثامنة والسبعين عاماً، إثر إصابته بوباء «كورونا»، منهياً مسيرة حافلة بالعطاء، تُوّجت بآلاف الرسومات واللوحات والمحفورات، إضافة إلى عدة كتب فنيّة منها (غويا والنزوات) و (فن الحفر والطباعة في أوروبا في القرن العشرين).
أنتج الفنان فرج المحفورة المطبوعة بتقانات فن الحفر التقليديّة كالمعدن، والحجر (الليتوغراف) والخشب، واللوحة المنفذة بخليط من التقانات، كالجمع في العمل الواحد، بين الحفر والرسم والتصوير وتلصيق الأقمشة الملوّنة، ضمن توليفة لا تضحي بخصائص المحفورة، ولا بأسلوبيّة الفنان، ذلك لأنه أخضع معالجته لحمولاتها، لشخصيته الفنيّة القائمة (منذ تكوّنها الأول) على شغف خاص بالطبيعة ومفرداتها، وعلى الجمع الموفق، بين الخبرة الأكاديميّة، والمعرفة والإلمام بالتقانات، وبين التلقائيّة التي باتت ضروريّة ولازمة، للعمل الفني المنهك بالتكنولوجيا، والارتجاليات غير الخاضعة لأي قانون أو مفهوم تشكيلي صحيح وسليم.
بدأ الفنان فرج تجربته الفنيّة التشكيليّة في وقت مبكّر من حياته، وأبرز الصور وضوحاً في ذهنه عن هذه البدايات، رسمه للأحصنة بكثرة على الجدران بالطباشير، وكان يومها بحدود العاشرة من العمر. البداية الثانية كانت في لقائه بشبه مختص بالفن، هو أستاذه في المرحلة الابتدائيّة (صالح السعدي) الذي حاول توجيهه فنياً، ويذكر أنه قال له يومها: هناك جدل دائم بينك وبين الطبيعة، استمر فيه فهذا سيؤدي بك حتماً إلى تملكك للفن.
في تلك المرحلة، لم يكن لديه التصور الكامل لقيمة هذه الأمور، لكن ما لبث هذا التصور أن أخذ شكلاً أكثر وضوحاً وجديّة، عندما أوفد للدراسة بدار المعلمين في مصر، حيث التقى الأستاذ (فيلي) الذي قام بتوجيهه إلى رسم المناظر الطبيعيّة، فأكد بذلك نظريّة أستاذه الأول في موضوع الجدل القائم بينه وبين الطبيعة. وهكذا تابع رحلته الشيقة والساحرة، في حقول وأقاليم الفنون التشكيليّة، وفي التأكيد على العلاقة الحميميّة بينه وبين الطبيعة التي لم تغب عن أعماله الفنيّة، بشكل مباشر وغير مباشر.
مع احتكاكه الدائم بفن الحفر الذي درسه في دمشق ووارسو، واجهته، وبشكل يومي، مشاكل فنيّة تشكيليّة عديدة وجديدة، طرحها هذا الفن أمامه، فبدأ يحدد طبيعة كل خامة: فحم، حبر صيني، قلم رصاص.. إلخ. ومن ثم أخذ يحدد الطريقة التي يجب أن يعالج فيها الأشكال والمساحات. وهكذا مضت مرحلة الدراسة الأكاديميّة عند الفنان فرج المتيقظ الباحث، والذي وجد نفسه فجأة على أبواب الحياة العمليّة، حيث واجهته أولى العقبات على هذا الصعيد، والمتمثلة باستحالة ممارسته لهذا الفن، بشكله الصحيح، دون توفر اللوازم الأساسيّة لممارسته، وهي غالية الثمن، وغير متوفرة في سوريّا. مع ذلك، لم ينقطع عن ممارسة الرسم. هذا الوضع تحسن بالنسبة له، وذلك عندما عاد إلى محترفات قسم الحفر في الكلية كمدرس فيه، ولاحقاً رئيساً له، ثم عميداً لكلية الفنون الجميلة في دمشق، وكلية الفنون الجميلة الثانية في السويداء.

