رسالة المسرح العربي تنطق بالحياة

ت + ت - الحجم الطبيعي

اختارت الأمانة العامة للهيئة العربية للمسرح، الفنان اللبناني رفيق علي أحمد، لإلقاء رسالة اليوم العربي للمسرح الذي يصادف العاشر من يناير 2022، في «اليونسكو» بالعاصمة الفرنسية باريس، بكل ما في ذلك من تكريم وتقدير. والفنان هو الشخصية الـ 15 التي تلقي هذه الرسالة بهذه المناسبة، التي انطلقت في العاشر من يناير 2008. ونشرت الهيئة العربية للمسرح، مضمون هذه الرسالة وجاء فيها:

«اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ماسة إلى المسرح. ففي زمن التواصل «اللا إنساني»، الذي فرضته التكنولوجيا الحديثة، يغدو المسرح مكان اللقاء الإنساني بامتياز، سواء من حيث التفاعل بين العاملين فيه، أو بينهم وبين الجمهور، أو بين الجمهور نفسه حين يخرج من الصالة مزدحماً بالأفكار والأسئلة. وهل أجمل من حرارة التواصل المباشر بين البشر، الذين جعلهم الله شعوباً وقبائل ليتعارفوا، أي ليتلاقوا ويتحاوروا ويتناقشوا في كل ما يخص حياتهم المشتركة؟».

«وفي ظلّ تعثر الحوار أو انعدامه بين الأنظمة السياسية والحكومات، يبرز دور المفكرين والأدباء والفنانين في تقريب وجهات النظر بين الشعوب والحضارات. وهنا يتجدد الرهان على كون المسرح، هو النموذج الأمثل لهذا الحوار، انطلاقاً من جوهر المسرح نفسه، القائم على الحوار بين الممثلين أنفسهم، وبينهم وبين الجمهور، وقبل ذلك، بين المؤلف ونصه، والمخرج وعرضه. فاللعبة المسرحية برمّتها، ما هي إلّا عبارة عن حوار متعدد الأشكال والاتجاهات، ودائماً في سبيل الإنسان، وحقه في حياة أفضل». «نجدد رهاننا على المسرح ودوره ومعناه، ونحن ندرك أن المسرح في العالم كله، يعيش أزمة حادة، وهي أزمة تتضاعف في حالة المسرح العربي، لأنها تأتي ضمن أزمات أعمّ وأشمل، في السياسة والاقتصاد والاجتماع. لكن في معزل عن واقع الحال العربي، فإن السؤال الدائم الذي نطرحه: متى لم يكن المسرح العربي في أزمة؟».

«الكلام عن المسرح في يومه العربي، كلامٌ ذو شجون، ما إن تسطّر فكرة حتى تداهمك أختها. فمن الرقابة، إلى ضعف الإمكانات المادية، التي تشكل حجر عثرة وعائقاً أساسياً أمام صناعة المسرح. وبرغم الإشارة والإشادة بكل المؤسسات والهيئات الداعمة معنوياً، والمانحة مادياً، للمسرحيين العرب، يظلّ التوجس مشروعاً، من أن يميل هؤلاء المسرحيون إلى إنتاج أعمال «نخبوية»، يتمحور هدفها من المشاركة في المهرجانات، حول الحصول على جائزة مادية أو معنوية.

إن المسرحي الحقيقي المهجوس بالتعبير، من خلال المسرح، عن همومه وهموم ناسه، لا يقف عند حدود ومصاعب، بل يبقى دائماً في شغف وترصد دائمين لواقع مجتمعه، وفي علاقة عضوية مع محيطه، يحكي لغة ناسه، لكنه في الوقت عينه، ينفتح على ثقافات الآخرين، لينهل منها ما يغني تجربته التي تقربه من جمهوره، وتقرب الناس من مسرحه، وتخلّق ذاك الحوار المرجو والتفاعل المنشود».

«أتوجه إليكم برسالتي هذه، وأنا آتٍ من بلد تتنازعه المصائب والنوائب والتشظيّات السياسية والطائفية. بلد من زمن عزه، يوم كان يطلق عليه وطن الإشعاع والنور، وصولاً إلى يومنا هذا، لا تزال عاصمته تفتقد لقاعة مسرحية تبنيها وتتبناها الدولة، أو الهيئات المحلية من بلديات وسواها، فضلاً عن غياب جهات إنتاجية داعمة للمسرحيين، باستثناءات نادرة من هنا وهناك، ومع ذلك، ورغم قساوة الزمن، فإن هذه المدينة العصيّة على الموت (بيروت)، لا تزال تنتج سنوياً ما بين ثلاثين إلى أربعين عملاً، تتنوع وتتوزع على شتى المدارس والأساليب المسرحية المختلفة. حتى في المهرجانين المسرحيين الأخيرين في عامي 2017 و2018، اللذين أقيما تحت شعار «مهرجان المسرح اللبناني»، برعاية معنوية ومادية من قبل «الهيئة العربية للمسرح»، تم اختيار ثمانية أعمال من بين أكثر من عشرين عملاً مسرحياً، كانت قد عرضت للجمهور خلال العام، بعد أن تمّ إنتاجها بموازنات مادية بسيطة، وبحماس وجهد عظيمين، من قبل شباب شغوف بانتمائه للمسرح، وانتمائه للحياة».

«أستطيع القول، انطلاقاً من تجربتي الطويلة، بأن المسرح، رغم كل معاناته، ما زال فاعلاً ومؤثراً وجاذباً للجمهور. فبرغم الحواجز النفسية التي تفرضها الحدود الجغرافية المصطنعة، أو تفرضها السياسة ومصالح الساسة، يبقى المبدعون فكراً وفناً وثقافة، وعلى قدر استطاعتهم، ورغم ضيق هوامش الحرية والإمكانات، صلة خير بين شرائح مجتمعاتنا، وبناة جسور تواصل وتفاهم بين شعوبنا».

«المسرح، كما تعلمون، ورغم مساحته المحددة والمحدودة، يصبح بإبداع صنّاعه، ومخيلة متفرجيه، أرحب من الحياة نفسها، ويغدو فضاءً لا حدود له، يحتوي الوجود الإنساني كله، وفي الوقت نفسه، يظل مكاناً للتواصل الواقعي والتلاقي المباشر بين البشر، على اختلاف ميولهم وأهوائهم وأفكارهم». «نحن في أمسّ الحاجة إلى مسرح يهدم الحواجز النفسية والجغرافية بين البشر، ويقيم جسور التفاهم المتبادل بين الأخوة». «ولن يتسنى للمسرح تحقيق ما يصبو إليه، إلّا إذا كان حراً، لا يعترف برقابة، ولا تحده حدود، لينتج ويقدِّم ما يُعبِّر عن هويتنا الثقافية والإنسانية، التي تشكّل مكوِّناً عضوياً من هوية العالم برمَّته».

«ننتصرُ للمسرح ولحريته، ننتصر للحياة».

طباعة Email