العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ميساء محمد..انتصار الألوان على وجع القلب

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    قد يصعب تفسير العلاقة بين الألوان والفنان، فهي وجدانية، تستمد حيويتها مما يتدفق في شرايين الخافق، بعضهم يسكب من رحيق روحه على قماش اللوحات.

    فيضحى وراء كل لوحة حكاية ما، تخبرنا بها ضربات الفرشاة، وتلك التفاصيل الغامضة التي يخبئها الفنان بين ألوانه، حكايات يقف وراء سحر الفن وتأثيره، وعلى خطوطها تتراقص المدارس التشكيلية على اختلاف رؤاها، ذلك ما تشعر به كلما نظرت إلى أي من لوحات الفنانة التشكيلية السورية ميساء محمد، خصوصاً تلك التي تتراقص على نغمات مقام الصبا الموسيقي.

    ذاك الذي يتربع في مكان عال في سلم الموسيقى العربية، يتفرد بتفاصيله، فهو ليس مشتقاً عن قرين له، يمتاز بإحساسه الجياش، وبارتفاع نغمة الشجن. ميساء التي تحررت من قيود عالمنا، لتمضي نحو عوالم أخرى، رغم التزامها حدود الفراش الأبيض في أحد مستشفيات الدولة، لم تفارق الابتسامة وجهها النابض بالحياة، رغم وجع القلب، وضيق الحركة.

    أزمة

    8 أشهر ونيف، مرت على تلك الأزمة القلبية، التي أصابت ميساء محمد، عاشت خلالها تفاصيل مرحلة جديدة، خرجت فيها من نطاق الحياة الضيق، وتجردت من حدود الجسد، لتحلق في فضاء أوسع، ورغم ذلك لم تتخلَ عن رائحة الأرض العربية، وعن مقام الصبا، الذي مكنها من عزف أنشودة الحياة بألوان زاهية، بعضها دار بحركة الصوفي، وأخرى التزمت حدود المدرسة التجريدية، وثالثة غاصت في بحور الهوية والتراث العربي.

    منذ تلك اللحظة التي استوطن الوجع قلبها، لم تغادر ميساء حدود غرفتها في المستشفى، لكن أصابعها لا تزال تتوق للألوان التي لا تزال تفوح من أناملها، فهي لم تتخلَ عن حلمها، وصوت فيروز، الذي رافقها ولا يزال في رحلة علاجها.

    فمنه استمدت قوة الإرادة والحياة، ليبدو أن «توثيق رحلتها المرضية» ستكون أول مشروع تمضي فيه ميساء بمجرد أن تتمكن من الوقوف على قدميها، لتروي لكل من يعشق لوحاتها، جانباً لم يرَ من حياتها الشخصية، لتعكس من خلاله طبيعة «التضاد الذي نعيشه في حياتنا»، متوسدة في ذلك إيقاع الحياة المتجدد.

    رحلة

    رغم أنها نفضت المرض عن كاهلها، إلا أن ميساء لا تزال تغفو كل ليلة في المشفى ذاته، ولكن لوحاتها تسافر حول الدنيا، فقد حطت أخيراً في معرض جماعي أقيم أخيراً في النرويج، حيث صفق لها كل من زاره، وها هي ميساء قد استعادت وهجها، لتعزف عبر إحدى لوحاتها نغمات مقام الصبا، في بينالي «ديل سور»، الذي يقام حالياً في فنزويلا.

    حيث سافرت اللوحة إلى هناك، بينما ظلت ميساء هنا، تغفو في كل ليلة على كتف الحنين إلى بلدها وتراثها، الذي يتجلى بكل هيبته وجماله على القماش. قبل سفرها إلى فنزويلا، آثرت ميساء أن تتحدى المرض، وأن ترفقها برسالة صغيرة، كتبت فيها: «يشرفني أن أعبر عن تراث بلادي وأن أحييه بكل هيبته وجماله، وإذا لم أستطع الدفاع عنه، فلا بد لي من التساؤل عن مصيره».

    رحلة ميساء في بحر الألوان لم تصل بعد إلى نهايتها، فهي لا تزال تتمسك بمجاديف الحياة، لتظل على تواصل دائم مع شخصياتها ولوحاتها وألوانها المختلفة، داعية بصوت مبحوح كل من يقف أمام لوحاتها، لأن يغوص بين ثنايا طبقات الألوان ومساحات الضوء، لتؤكد له أن في نهاية «النفق دائماً ما يكون النور»، وأن «الصمت في حرم الجمال» جمال يظل على الدوام.

    طباعة Email