العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «هوامش في المدن والسفر والرحيل».. ارتحال من الذات إلى فضاءات الآخر

    بخفّة فراشة وعذوبة بسمة تأخذك عائشة سلطان في كتابها «هوامش في المدن والسفر والرحيل» من يدك لتجول بك في شوارع المدن والذاكرة.

    وتسير معك خطوة بخطوة لتجلسك على ناصية في مقهى حميم ترتشف معك فنجان قهوة بكل مذاقات العالم أو تبقيك على كرسي صغير في محطة غريبة لتعرفك بصديقة قديمة أو كتاب عزيز فتخرج من جولتك معها وأنت لا تدري هل أخذتك إلى أمكنة وأزمنة زارتها وعشقتها أو كرهتها أم أنها تغوص بك في عالمك أنت، في ذاكرتك، في حلمك فتصبح أنت الفاعل والرائي والمتذكر.

    وبأدواتها الاحترافية تجعلك على أعتاب ذاكرة مضت وأخرى سوف تأتي وعلى شرفات فنادق تتمنى أن تزورها أو تعود إليها لتراها بعين جديدة، وبحيلها اللغوية التي تكاد لا تنتهي (فمن استعمال مدروس للضمائر تراوح فيها بين الأنا الثابتة وضمائر الخطاب والغياب المتحولة، إلى مزج أفعال ماضية بأخرى مضارعة) توهمك حقاً أنك كنت هنا أو ستكون.

    لغة شعرية

    وبلغة شعرية مثقلة بصور بيانية خلابة تجد نفسك أمام نص أدبي بكل ما فيه من جماليات حتى تنسى أنك أمام مقال بل تكاد تجزم أنك أمام قصيدة أو ما يشبهها، (وحين أطلب له الرحمة تنهمر الفراشات الملونة من بين أصابع يدي، كان بسيطاً كأحدنا صامتاً كجبل ووحيداً) مالحاً حاداً وحارقاً كالعشق ص 32).

    وقد تدمع عيناك فرحاً أو حزناً أو حماساً لحادثة ترويها لك وحدك فتجدك أمام نص سردي مكتمل الأركان بشخوصه وأحداثه وتشويقه ومفاجآته. (عبيد بن سالم المجنونة خليفة بن ناصر السيدة التي لم تثق بالكاهن مسز اديث)، وقد تنهي قراءة عنوان من عناوين شهية تبرع عائشة سلطان في اختيارها مغرية واعدة متحركة فتراك أمام ناقدة اجتماعية أو أدبية أو سياسية تقدم رأياً قد لا يعجبك، ولكنك تستمع إليه كحديث بين صديقين قديمين.

    (مثل العزوف عن القراءة مناهج التعليم الحديث عن مصر عن سقوط الاتحاد السوفييتي).

    وقد تتسع عيناك دهشة وأنت ترى الكاتبة تلتقط بذكاء لقطة ما أو قضية ما كانت لتشغلك ولكنها ستفعل بعد أن تضع هي إصبعها عليها. رحلتك مع هذا الكتاب خفيف الظل والوقع ستحملك إلى ممرات قد تضيق لتكون رواقاً في مشفى وقد تتسع لتشمل الكون، ولكنها في كل حال تأخذك إلى محاور أربعة تكاد تكون ثيمات ثابتة في مسارك معها وهي الذاكرة والكتاب والإنسان والسؤال.

    فالذاكرة في الكتاب كنهر جارٍ تسمع خريره وإن لم ترَه وهي ذاكرة ذاتية حميمة مرة وذاكرة مكان أو شخصية أو كتاب مرة أخرى، وما تعجب منه عند عائشة سلطان هو ذاك الربط السلس والانتقال الهادئ بين الأمس واليوم فهي تؤمن أن لا مكان بلا ذاكرة لذلك تراها كتبت في مقدمة عبارة لأورهان باموق تتحدث عن المكان والذاكرة أو قولها (الذاكرة المعطوبة بداية الطريق نحو التلاشي).

    طباعة Email