متخصصون من الدول كافة يستفيدون من إمكانات وتسهيلات دبي في المجال

سوق الفن الرقمي في دبي.. آفاق إبداعية ومنصات عالمية

عمل الفنان مايك وينكلمان الذي بيع بمبلغ 69 مليون دولار

ت + ت - الحجم الطبيعي

يتفتح المشهد الفني في دبي، ليضيف لمسة جمالية جديدة على أروقة المدينة التي سلكت طريق «الإبداع» لتصبح عاصمة له، فمنذ سنوات طوال ودبي تصافح جماليات الفنون التشكيلية ومبدعيها، فاتحة أمامهم مناطق إبداعية عدة تتضمن صالات عرض واستوديوهات، مقيمة لهم أسابيع فنية عدة باتت الأهم عالمياً. حدود المشهد الفني في دبي لم تعد قاصرة على أعمال فنية تقليدية، وإنما اتسعت لتشمل أيضاً الفن الرقمي، الذي يبدو أنه يعيش، محلياً وعالمياً، «ثورة حقيقية» مع ابتكار تقنية (NFT) واتساع التعامل مع الـ«بلوك تشين»، فبات لهذا الفن رواد وفنانون ومنصات خاصة تتعامل به، مستفيدين من اتساع مساحة الإبداع التي توفرها دبي لهم. وفي ظل احتضان دبي لبعض المنصات التي تروج وتتعامل مع الفن الرقمي، آثرت «البيان» معاينة شكل هذا السوق، مع بدء تفتح أوراقه محلياً وعالمياً.

تقنيات مبتكرة

اتساع سوق الفن الرقمي، شجع عدداً من الفنانين على المضي نحوه، ومن بينهم الفنانة كريستل بشارة، المقيمة في دبي، التي كانت من أوائل الذين أطلقوا العنان لأعمالهم الرقمية، ونجحت في بيعها باستخدام تقنية (NFT) أو «التوكنات غير القابلة للاستبدال»، حيث تؤكد لـ «البيان» إنها دائمة البحث عن تقنيات مبتكرة لتكون من أوائل الفاعلين عليها. وقالت: «منذ نحو 12 عاماً وأنا أعمل بالفن الرقمي، وخضت تجربة التعامل مع تقنية (NFT) عبر مجموعة من أعمالي التي بيعت لـ (3fMusic) و(UAE.NFT) الموجودين في الإمارات، إلى جانب جامعي الفنون في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية»، وتابعت: «في الواقع إن توسع التعامل بسوق الفن الرقمي في دبي، دليل على أنها أصبحت منصة انطلاق مثالية للعديد من المواهب والتقنيات المبتكرة، وإشارة إلى مدى الاهتمام بسوق الفن الرقمي».

وأوضحت أن «الفن الرقمي ليس أدنى من نظيره التقليدي الحرفي». وقالت: «لكل سوق تقديره الخاص ولا يمكن تغليب كفة على الأخرى، وبحسب تجربتي سواء بالفن التقليدي أم الرقمي، فإن إنشاء أي قطعة فنية، يحتاج إلى القدر ذاته من القوة والإبداع». كريستل أوضحت أن تقنية (NFT) قوية للغاية. وقالت: «تقنية تسهم في رفع مكانة الفن الرقمي، ومستوى الوعي حول قواعد (بلوك تشين) والعملات الرقمية والعقود الذكية التي يمكن أن تؤثر على القرارات المالية مستقبلاً»، وتوقعت تأثير هذه التقنية مستقبلاً في عالم الفن، واصفة إياها بأنها «المعيار الذهبي للتحقق من الأصالة والمصدر، للأعمال الفنية الرقمية واللوحات المنتجة شعاعياً».

 

دعم المشاريع

في حين، قالت أناستاسيا غليبوفيا، الرئيس التنفيذي ومؤسس منصة «في ـ آرت» المتخصصة في الفن الرقمي: «يمكن القول إن الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط إحدى المناطق التي استفادت من مجموعة الفرص التي قدمها التحول الرقمي لسوق الفن»، مشيرة إلى أن وجود الدعم للمشاريع الفنية الأصلية في الوسائط الرقمية الجديدة، كانت إحدى العوامل التي أثرت المشهد الفني في دبي.

وتابعت: «على مدار العقد الماضي، شهد سوق الفن المحلي نمواً سريعاً، معتمداً في ذلك على جامعي الفن الدوليين الذين ساهموا في دفعه نحو تبني الحلول الرقمية، وبالتالي يمكن النظر إلى (رقمنة الفن) باعتباره قوة تتيح إحداث المساواة في الفرص المتعلقة بالفنون وانتشارها»، ونوهت إلى أن القيمة الأساسية لسوق الفن تكمن في عملية تسهيل الإبداع البشري.

وقالت: «من الجميل رؤية تبني دبي والإمارات لخطوات هذا السوق، وعملية رقمنة الفن، فذلك يوفر فرصة لتقليل الحواجز التي تحول دون تحقيق مكاسب في الإنتاجية»، مشيرة إلى أن التحول الرقمي لسوق الفن، لا يختلف كثيراً عن أي تحول آخر، كونه يعد عملية تتيح توسيع القاعدة الجماهيرية، ودائرة جامعي الفنون، بالإضافة إلى ابتكاره لمسارات جديدة في التعبير الإبداعي.

 

ترويج واقتناء بضغطة زر واحدة

قديماً كانت إدارة سوق الفن التقليدي تتم بسهولة، ويتم التحكم فيها من قبل دائرة ضيقة من الخبراء وجامعي الفنون والمقتنيات والتجار الذين يتحكمون في عملية الوصول إلى الأعمال الفنية، ولكن مع اتساع دائرة التعامل مع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بدا سوق الفن الرقمي متشابكاً أكثر ومنفتحاً على الجميع، وظهر لدينا عدد كبير من المواقع التي تعمل على عرض وشراء منتجات الفن، في حال عددنا أن الفن السابق يقتصر على ما يمكن رؤيته ولمسه في بعض الأماكن الخاصة مثل المتاحف والمعارض ومساحات العرض المفتوحة، ويمكن القول إن موقع «إنستغرام» قدم سوقاً بديلاً، وبات بإمكان الفنانين الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور على مستوى العالم، بضغطة زر واحدة فقط.

ذلك الاتساع، كان بحاجة إلى ظهور منصات فنية، تعنى بالفن الرقمي وتروج له، وفي هذا السياق، ظهرت أولى المنصات الفنية المهمة في عام 2017، وهي منصتا (CryptoKitties) و(CryptoPunks)، واستطاعتا أن توفرا قاعدة لبيع المنتجات الفنية، فمثلاً في يناير الماضي، تم بيع العمل رقم 2890 بمبلغ قياسي وهو 605 إيثريومات (ETH 605)، أي ما يعادل 761.188.57 دولاراً، أما العمل الفني رقم 7804 فقد تم بيعه مقابل 4200 إيثريوم (ETH 4200) أي ما يعادل 7.820.520 دولاراً، وهو ما يشير إلى أن تقنية NFT أصبحت مثالية ليس فقط للألعاب، وإنما للمقتنيات الفنية النادرة أيضاً، كما يكشف لنا أن الاندفاع نحو التعامل مع هذه التقنية أصبح لافتاً، ولذا يتوقع الخبراء أن يشهد هذا العام ازدهاراً في المنصات التي تتعامل مع NFT، مع بروز دعوات إلى أهمية ترميز الفن على نطاق واسع. وفي هذا الإطار، تلخص ميغان دويل، المتخصصة في الفن المعاصر في فترة ما بعد الحرب، الأمر، بأن «NFT» تمنح الفنانين الرقميين الوكالة لبيع أعمالهم مع ضمان الأصالة والندرة، وتقول إنهم بذلك «يخلقون طريقاً جديداً نحو الأمام».

2017

تعتبر تقنية NFT، نوعاً من الوثائق الرقمية التي تؤكد ملكية الشخص للعمل الفني، سواء كان لوحة أو أغنية أو فيديو، وهي تعني بالعربية «الرموز أو التكونات غير القابلة للاستبدال»، ويعود تاريخها إلى منتصف العقد الثاني من الألفية الحالية، إلا أن شهرتها بدأت في 2017، مع إطلاق موقع CryptoKitties، الذي أتاح الاستحواذ وشراء نسخ محدودة من «قطط رقمية»، باستخدام العملات المشفرة. واستطاعت هذه التقنية توسيع حدودها، لتشمل الأعمال الفنية الرقمية أيضاً، ويمكن إعادة بيع الرموز غير القابلة للاستبدال، وتداولها، ونقل ملكيتها إلى شخص آخر، وبحسب الإحصاءات، فقد بلغ حجم الاستثمار فيها أكثر من 174 مليون دولار، منذ نوفمبر 2017 وحتى منتصف 2021.

2018

تصدر غاليري «هوفا» (HOFA) الذي تتوزع فروعه على مدن لندن ولوس انجليس وميكونوس اليونانية، في 2018 عناوين الأخبار، بعد الإعلان عن إتاحته الفرصة لشراء واقتناء مقتنياته الفنية، باستخدام العملات المشفرة، لتكشف إدارة الغاليري آنذاك عن تأسيسها لأول منصة استثمار فنية، قائمة على الأصول الرقمية في العالم، مستندة في ذلك إلى تقنية NFT، وفي منتصف مايو الجاري، نظم الغاليري بالتعاون مع (MakersPlace)، أكبر سوق للفنون الرقمية في العالم، معرض «المادة والشكل» الذي جمع أعمالاً لـ 4 فنانين هم: جان كالاب، ولوريبيل سبيروفسكي، وغريغوري سيف، ودارينا ميديروس، بهدف سد الفجوة بين الفن التقليدي والرقمي.

 

إياد الموسوي: لمسة جديدة

الفنان إياد الموسوي، كان له نظرة مغايرة، حيث يرى أن سوق الفن الرقمي لا يزال ضعيفاً، وقال: «أعتقد إن إمكانيات هذا السوق لا تزال ضعيفة، فمن خلال زياراتي المتكررة للمعارض وأسابيع الفنون المختلفة، لم ألمس تواجداً مكثفاً لأعمال رقمية»، مؤكداً أن سوق الفن الرقمي لن يكون له تأثير على حجم نظيره التقليدي. وقال: «لا تزال معظم صالات العرض تقدم الأعمال التقليدية، دون وجود أي تأثير للأعمال الرقمية، ولكن ذلك لا يعني إننا قد نشهد وجود تغيرات مستقبلاً»، نافياً في الوقت ذاته إمكانية تحول سوق الفن الرقمي ليكون بديلاً لنظيره التقليدي، قائلاً: «الفن فيه إبداع وأصالة ويمكن أن يكون الفن الرقمي أسلوباً جديداً ضمن منظومة العمل الفني، كونه يعد إحدى أدوات الفن المختلفة، وقد يضيف لمسة جديدة على المشهد الفني، ولكنه لن يمحي الإرث الفني السابق».

 

أولغا سيمسون: طفرة حقيقية

ما حققته اللوحات الرقمية من أرقام «مهولة» كان كفيلاً بأن يفتح العيون على «سوق الفن الرقمي، الذي يعيش طفرة حقيقية»، وفق أولغا سيمسون، مؤسس ومدير معهد القانون والتكنولوجيا والابتكار، المؤسس المشارك لمنصة «في – آرت»، عازية السبب لاتساع دائرة التعامل مع العملات الرقمية، قائلة إن «عالم الفن يعيش ثورة حقيقية بسبب الفن الرقمي، الذي وفر أدوات وتقنيات جديدة بدأ معظم الفنانون باستخدامها لإنشاء أعمال فنية تفاعلية جديدة». أولغا استشهدت بحديثها بمجموعة أرقام حققتها بعض اللوحات الفنية الرقمية كما لوحة «صورة شخصية لإدموند دي بيلامي» التي بيعت مقابل 432.500 دولار، وكذلك عمل (Everyday: The First 5,000 Days) لمايك وينكلمان المعروف باسم «بيبل» الذي باعته دار كريستيز للمزادات مقابل 69.3 مليون دولار. وأكدت أولغا أن هناك سوقاً رقمية كاملة، آخذه بالتشكل لتكون بديلاً لسوق الفن التقليدي، قائلة إن كل العاملين فيه هم «فنانون رقميون» أتى معظمهم من مجتمع تكنولوجيا المعلومات، واستفادوا من الـ «بلوك تشين»، مشيرة إلى أن سوق الفن الرقمي، وقبل الاستناد إلى «بلوك تشين» وتقنية (NFT) كان يعاني من مجموعة تحديات، أبرزها سهولة نسخ المحتوى الرقمي.

 

جولات افتراضية ومزادات علنية إلكترونية

ساهم انتشار جائحة «كوفيد 19» في تعزيز التوجهات الافتراضية، حيث عمدت الكثير من الغاليريهات إلى افتتاح أبوابها أمام الجمهور، ليتجولوا بين لوحاتها «افتراضياً» وتمكينهم من شراء ما يرغبون به من لوحات وأعمال فنية إلكترونياً، وفي الآونة الأخيرة، أطلقت منصة «في – آرت» أول معارضها الفنية الافتراضية تحت عنوان «آرت إن سبيس»، والذي تضمن العشرات من الأعمال الفنية المستوحاة من الفضاء.

ولقياس مدى اتساع حجم سوق الفن الرقمي عالمياً، تكفي زيارة واحدة إلى منصة OpenSea، الذي يعد أكبر سوق رقمي في العالم لمقتنيات العملات المشفرة والتوكنات غير القابلة للاستبدال (NFT)، حيث تشير المعطيات إلى أن المنصة التي تأسست في 2017، تمتلك أكثر من 477 ألف قطعة، وأن حجم التعاملات التي تشهدها يبلغ نحو 354 مليون دولار، بينما يصل عدد مستخدمي المنصة إلى 113 ألف مستخدم. وفي هذا الإطار، تكشف الفنانة اللبنانية كريستل بشارة، عن إطلاقها عبر هذه المنصة، لسلسلة من اللوحات محدودة الإصدار، والتي يمكن الحصول عليها باستخدام NFT، حيث يمكن للمشتري الحصول على أي من لوحات هذه المجموعة مباشرة عبر البريد.

طباعة Email