دار الشعر بمراكش تستضيف ندوة «الشعر والصوفية: الإقامة في القصيدة»

تنظم دار الشعر بمراكش، ضمن سلسلة «ندوات» والخاصة ببرمجتها للموسم الرابع والتي تستقصي الخطاب الشعري، ندوة «الشعر والصوفية: الإقامة في القصيدة»، والتي تعرف مشاركة النقاد والباحثين: خديجة توفيق ومنير عشقي ومحمد محيي الدين، للحوار والنقاش واستقصاء سمات هذا الحوار الدائم المفتوح بين الشعر المغربي والصوفية. وسيحتضن مقر دار الشعر بمراكش (المركز الثقافي الداوديات)، فعاليات هذه الندوة العلمية المهمة عصر يوم الجمعة 16 من الشهر الجاري، على الساعة الرابعة، فيما سيتم بث تفاصيل هذه الندوة، على منصات التواصل الاجتماعي للدار (قناة دار الشعر بمراكش (يوتيوب) وبصفحتها على الفيسبوك).

تواصل دار الشعر بمراكش، من خلال هذه الندوة، استقصاء الخطاب الشعري استكمالاً لسلسلة الندوات، التي برمجتها الدار خلال مواسمها السابقة: (الشعر والترجمة، الهوية، مسرحة القصيدة، أسئلة الحداثة، المشترك الإنساني، أسئلة التلقي، «أسئلة التحولات»، «التوثيق والرقمنة»، «النقد الشعري في المغرب»، «وظيفة الشاعر اليوم»، «الشعر والفلسفة»(...) انتهاء بمحور «الشعر والصوفية»)، سعياً إلى الوصول إلى سمات ممكنة، بين الخطابين الشعري والصوفي. ونظراً لأن هذا الاستقراء، ليس لحظياً ولا يرتبط بالجدة في إثارة موضوعاته، بحكم أن ظل ديدن العديد من المناظرات والأبحاث والكتابات، ارتأينا أن الحاجة اليوم، وعلى ضوء العديد من التحولات التي مست العالم، إثارة هذا النقاش لما يمكن أن يثيره من حداثة الرؤى، ومحاولة الوصول إلى أسئلة مركزية، تهم هذه «العلاقة الدائمة».

وتروم هذه الندوة تمثل حضور الخطاب الصوفي في التجربة الشعرية المغربية اليوم، على ضوء ما تراكم من منجز شعري وعلى اعتبار تاريخية هذا الحضور للصوفية في الشعري المغربي. إن تأكيد علاقات التواشج والصلات، بين الشعر المغربي والمرجعيات الصوفية، على مختلف تجلياتها وتجاربها، أفضى إلى استخلاص العديد من السمات المحددة اليوم، في القصيدة المغربية. وبما أن هذه العلاقة تنحدر جذورها التاريخية، قديماً ومازالت، فيمكننا اليوم أن نتوقف عند سمات هذا الخطاب وشعريته. ويفيدنا هذا الحضور للخطاب الصوفي، في الاقتراب من التجارب الشعرية المغربية، وقدرتها على تخصيب أفق نصوصها وإعطائها ميسما خاصا، يرنو إلى الإقامة في اللانهائي حيث تسمو تجربة الشاعر، و«بلاغتها المتفردة»، في تشكيل النص الشعري برؤى وانشغالات معرفية عميقة، حيث اللغة والوعي الشعري المتقد، والذي يسمو إلى عمق الشعر وحقيقته الداخلية.

إن اختيار طرح موضوع «الشعر والصوفية»، من خلال التجربة الشعرية المغربية قديمها وحديثها، عبر سفر نقدي في ثنايا التجارب الشعرية وأكوان القصائد، هي رغبة لحلحلة هذه الصورة «النمطية»، والتي تكرست في حصر هذه العلاقة في حدود التجاذب والتقاطع. وعي بإدراك المرجعيات المعرفية للتجربة الصوفية، في إخصاب النص الشعري، وفي السمو بتجربة الشاعر إلى دخول دهاليز أفق القصيدة ورهاناتها. وحين نستدعي اليوم تجارب محمد السرغيني وعبدالكريم الطبال وأحمد بلحاج آيت وارهام وأمينة المريني وآخرون، فلرغبة التمييز بين قدرة الشاعر على السمو بتجربته الشعرية، في وشائج حواريتها مع التجربة الصوفية، والانتقال بهذه التجربة وأفقها الإبداعي إلى أنطولوجية رحبة.

وتكفي الإشارة إلى تجربة الشاعر السرغيني، والذي أدرك بوعي طافح قدرة تمثل هذا العالم الشعري، المسكون برؤى وفعل اختراق للنص واستعاراته، في تحول أثرى التجربة الشعرية المغربية وفتح آفاقها على منطق التحول. إن هذه التجاذبات التي ظل المنجز الشعري المغربي، يحدد مساراتها تبعاً لسياقات سوسيولوجية وسياسية وتاريخية، أفضت وعبر تاريخية ملموسة ضمن شواهد الشعر المغربي القديم، إلى تحول عميق في حضور الخطاب الصوفي، خصوصاً في راهن الشعر المغربي اليوم. إذ تظهر تجليات هذا الخطاب وتمظهراته في مثون القصيدة المغربية الحديثة، وضمن أنساقها اللغوية وبنيات النص الشعري الداخلية.

إن سمو هذه العلاقة، وقدرتها على فتح كوة جديدة للقصيدة المغربية الحديثة، بل ونسج أفق مختلف نحو إقامة في القصيدة، بكل ما تحمل الكلمة من رمزية واستعارة التشكيل النصي والرؤيوي، هو ما يجعل من جدوى إعادة تمثل هذه العلاقة اليوم، بين الشعر والصوفية، وعلى ضوء من نسجه الشعر المغربي من منجز وتجارب شعرية، سؤالا راهنيا ممكنا يفيد في تمثل سمات هذا الحضور وأبعاده المعرفية نقدياً. هي علاقة تتكامل أحياناً، بين الشاعر والصوفي، في قدرتهما على إنتاج رؤى وجودية واستنباط بواطن الأشياء وروحها، والذهاب بعيداً في اللانهائي.

ولقد سبق لندوة «الشعر والفلسفة»، والتي نظمتها دار الشعر بمراكش شهر فبراير الماضي، أن لامست هذين البعدين الوجود والكينونة، من داخل ديدن هذه العلاقة، واختيار هذه الندوة اليوم نابع من بلورة هذين المسوغين، أفقاً مختلفاً للنص الشعري في المغرب. ينفتح باب «المعاني، وصوره» و«الشطح الصوفي» على اجتهاد الشاعر اليوم، في نسج علاقات «موجودة بقوة النصوص وتخييلها»، دون الذهاب بعيداً في وجود «تجربة شعرية متفردة»، نسجتها هذه العلاقة، في إنتاج نصوص إبداعية جديدة. إن استضافة النفري وابن عربي والسهروردي والحلاج وابن الفارض..الخ، هو استضافة لرؤى وفلسفة وجود وعوالم تخييلية مشبعة بالاستعارات، وما تفتحه الصوفية للشعر المغربي اليوم، هذا الأفق المختلف وما يفضي إلى محاولة مراجعة هذه العلاقة، ومقاربتها من خلال أسئلة جديدة وزوايا النظر الكفيلة، نفترض، بأن تبلور لنا خلاصات أساسية.

ندوة «الشعر والصوفية»، تفتتح البرمجة الرمضانية لدار الشعر بمراكش في موسمها الرابع، هي لحظة معرفية تشكل تحفيزاً مضاعفاً، للتفكير في المنجز الشعري المغربي، على مختلف مرجعياته وتجاربه. وهي محطة جديدة، ضمن استراتيجية الدار، للمساءلة والتمحيص النقدي، ستتواصل مستقبلاً، بمزيد من الانفتاح والمقاربات، سعياً للإنصات البليغ لنبض النصوص ولجغرافيات شعرنا المعاصر اليوم وللاقتراب أكثر من نبض أسئلة النقد الشعري وقضاياه المحورية.

طباعة Email