كان لنعي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أخيه، المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، ومن ثم رثائه له في رائعته الشعرية «حمدان العضيد»، كبير الأثر في النفوس والعقول، إذ وضح شدة تأثر فارس العرب لفقد أخيه وعضيده ومدى حبه ووفائه له.

حيث كتب سموه في تغريدة: «رحمك الله يا أخي وسندي ورفيق دربي»، ومن ثم عرض في قصيدته جملة من مآثر ومناقب الراحل وحكمته وطيبه وصدقه. ولكن تلك الأبيات والكلمات الصادقة الشفيفة النابضة بالمحبة والتقدير والوفاء من قبل فارس العرب لأخيه، طالما اعتدنا عليها من سموه، إذ نستشفها ونتبينها في جملة مواقف وكتابات وأحاديث ومحطات متنوعة، أشار فيها سموه سابقاً، إلى منزلة أخيه وعضيده، المغفور له الشيخ حمدان بن راشد، الرفيعة، وحبه الكبير له.
ومن المؤكد أنه على رأس هذا ما نتبينه من استعراض وإضاءات موسعة في كتاب سموه «قصتي 50 قصة في خمسين عاماً»، إذ حكى فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عن مراحل متنوعة من حياة أخيه، وتطرق إلى علاقتهما ومواقف شتى جمعتهما منذ الصغر.
ومن الثابت أن هذه الإضاءات الأخوية الإنسانية، مكتوبة بمداد فارس وشاعر وأخ وفيّ أبيّ، تعد كنزاً ووثيقة بديعة عن سيرة حياة فارس العرب، يروي فيها أيضاً، شذرات من سيرة وحياة الراحل، المغفور له الشيخ حمدان بن راشد، حيث تتيح للقُراء، الآن وفي فترات لاحقة في المستقبل، معرفة الكثير عن حياة فقيد الوطن.
والمنزلة الكبيرة التي يحظى بها في قلب ووجدان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إذ نطالع في تفاصيل ومحطات «قصتي» جمال وألق تلك العلاقة الأخوية السامية التي ربطت بينهما، والتي امتزجت تفاصيلها بمحطات ومراحل عملية التنمية والبناء في دبي والإمارات. إنها وثيقة عن قادة أوفياء تمتزج محطات حياتهم بقصص الوطن بجانب كونها مكللة ومعطرة بقيم الأخوة والوفاء والنبل.
قادة الاتحاد
استعرض صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في القصة 26 من كتاب «قصتي»، والتي جاءت بعنوان «سباق مع الزمن والمستشارين»، العديد من التفاصيل التي سبقت قيام اتحاد الإمارات، ومن ما ذكره سموه: «كانت المشاعر التي سبقت اتحادنا بثلاث سنوات تتأرجح بين الحماسة للحلم الجديد، وبين خيبات الأمل من بعض من كنا نظنهم أصدقاء، كما كان هناك خوف أيضاً من عدم إنجاز الاتفاق في موعده وتفويت فرصة تاريخية قد لا تتكرر»، وأوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد:
«في تلك الظروف كان الشيخ زايد والشيخ راشد هما الركنان اللذان كنا جميعاً نستند عليهما». وواصل سموه الحديث عن الكثير من التفاصيل إلى أن قال: «عملنا أن ووالدي وأخوتي كما يعمل فريق التتابع، فلم نتوان لحظة واحدة عن بذل الجهد اللازم، وكانت الحاجة ملحة لتحقيق نتائج هائلة».
ورافقت القصة صورتان، شرح سموه إحداها بقوله «خلال اجتماع مع أخوي الشيخ مكتوم والشيخ حمدان بن راشد عام 1971»، وهو ما يُذكر الجميع بأن الراحل كان واحداً من الذين عملوا بتفانٍ من أجل قيام الاتحاد واستمراريته، وهو ما يستذكره المسؤولون والناس على اختلاف شرائحها عند الحديث عن فقيد الوطن، بل وذهب بعض كبار المسؤولين إلى الكشف عن أن الراحل الشيخ حمدان بن راشد وضع رؤيته للخمسين سنة المقبلة في بناء الدولة التي تحتفل بمرور 50 عاماً على تأسيسها.
لحظات إنسانية
في «رحيل راشد» وهي القصة 43 في كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي يستحضر فيها رحيل والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، في السابع من أكتوبر من العام 1990 سرد صاحب السمو تلك اللحظات المؤثرة والصعبة عند رحيل الشيخ راشد، رحمه الله، عندما كتب سموه تفاصيل ذلك اليوم الفارق في تاريخ الإمارات:
«حين وصلنا إلى المقبرة، حملت أنا وأخي الشيخ حمدان جثمانه الطاهر، لنسجيه في مثواه الأخير، وسط الآلاف من أبناء دبي وأبناء الإمارات، الذين شاركوا في جنازته، وبكونه مستذكرين صفحات عظيمة من كتاب إنجازاته ومآثره». ونشر في القصة صورتين ذكر صاحب السمو شارحاً إحداها «مع أخوي الشيخ مكتوم بن راشد في عزاء والدي الشيخ راشد بن سعيد عام 1990».
كما بين صاحب السمو نائب رئيس الدولة في عدد من القصص كيف كان المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم أخاً ورفيقاً، يتقاسم معه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد العديد من تفاصيل اليومية على اختلافها، إذ جاء في القصة 4 «علمني والدي عندما كنت صغيراً.
وقد حدث أن ضعت أنا وإخوتي الكبار وأصدقاؤهم خلال رحلات الصيد، أو تعطلت سيارتنا، أتذكر المرات العديدة التي مشينا فيها فترات طويلة دون طعام أو شراب، وكان أخواي الأكبر مني الشيخ مكتوم والشيخ حمدان، يثقان بي ثقة عمياء عند السير بين الكثبان الرملية، لأنهما يعرفان ما تعلمته من والدي».
محطات الذاكرة
وفي القصة 9، والتي جاءت بعنوان «عاصفة مثل يوم القيامة»، يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تلك العاصفة التي هبت على دبي، إذ قال سموه:
«كنت أغط في نومي بالبيت في ليلة 8 أبريل عام 1961 عندما أحسست بضجة كبيرة مفاجئة، اشتدت على أثرها ضربات قلبي بتسارع كبير لأجد سريري في وسط العاصفة، والنوافذ تُغلق وتفتح بقوة كأنها تريد أن تطير من شدة الرياح في جميع أنحاء البيت الكبير. وتابع سموه وصف تلك الليلة العاصفة: «سمعت صوت والدي حمدان... محمد... أيديكما.. قفزت وركضت باتجاه الصوت ثم سمعت صوت حمدان: محمد أحضر فرشتك نريد أن نسد الباب، ركضنا جميعاً، تدافعت أمي وأخوتي بحثاً عن أية ألواح، لنضع كل ثقلها على الأبواب لمنع الرياح من تكسيرها، وتدمير كل ما بدا لي في ذلك الوقت نهاية العالم من حولي».
أما القصة 14 والتي كانت بعنوان «الخيل الأول» فيشير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى اختيار سموه لخيله الأول، إذ قال سموه: «علاقتي مع الخيل بدأت في مساء أحد الأيام الجميلة كنت عائداً مع أبي من الصحراء، قال لي أبي أريد أن أنظم سباقاً للخيل في دبي، السباق سيكون مفتوحاً لجميع القبائل، وأريدك أن تشارك فيه كنت في العاشرة من عمري تقريباً».
وذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «بطبيعة الحال كان دوري الثالث في اختيار الفرس، لأن ترتيبي الثالث بين إخوتي، يختار أخي مكتوم، ثم حمدان، ثم أختار أنا الحصان الثالث، الأخ الأكبر دائماً يبقى احترامه مقدماً في جميع الأحوال، تربينا وأنا شخصياً حتى اليوم، لا أقدر أي إنسان لا يحترم من هو أكبر منه في أسرته».
في بعض القصص حضرت صور للمغفور له الشيخ حمدان بن راشد دون ذكر تفاصيل محددة عن فقيد الوطن مثل القصة 11، التي جاءت «راشد بن سعيد دروس لا تنتهي»، والتي كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في شرحها «مع والدي وأخي الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم عام 1963».
وبعد أن ترجل الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم بعد تاريخ من الإنجازات العظيمة، رثاه أخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقصيدة «حمدان العضيد» لافتاً في ختامها إلى ما يؤكده التاريخ والناس على أن القادة باقون، إذ قال سموه:
ذكرك الـبـاقي بــذكـرك نـحتفل وإسـمـك مـخلد إلــى يوم الوعيد وهكذا يبقى الراحل الشيخ حمدان ينبض في حبات تراب الوطن وفي العبارات التي تبجل قادة هذا الوطن.
