دبي.. مدينة الإبداع وملهمة الكتاب

صورة

بعض المدن تمتلك قدرة عالية على تشكيل علاقات صداقة مع زائرها، تجدها سريعة في شق طريقها نحو القلب، تسكن فيه ولا تغادره، ومع مرور الوقت، تتحول إلى جزء حميم من حياته، وكذلك هي دبي، التي سكنت قلوب صناع السينما والدراما، فهاموا فيها عشقاً، واستوطنت أفئدة كتاب الرواية، والذين فتنتهم تفاصيل جمالها وتنوعها البشري، فراحوا يتزينون بعطر بخور العود الذي يفوح في أروقة أسواقها، ليسيل مداد أقلامهم، مانحين «دانة الدنيا» في سردهم الروائي دور البطولة، لتصبح ملهمة لهم، حيث مفاصلها عامرة بالحياة، وأرضها خصبة بالمواقع السينمائية، وهي متحف مفتوح، يتزين بألوان التشكيل، وتحت سقفها تتعايش جنسيات الدنيا، وتجتمع الألسن، بعضها ينطق بالعربية، وأخرى تلهج بلغات أعجمية، حتى باتت المدينة واحة للتسامح والمحبة، ففي شوارع «دانة الدنيا» تولد الحكايات، حيث كل لسان يرويها على طريقته الخاصة.

أحداث

ورغم كونها تمثل شقيقة «ديرة»، إلا أن منطقة «بر دبي»، آثرت أن تتخذ من غلاف رواية الكاتب والناقد السينمائي زياد عبد الله، مكاناً لها، حيث أحداث الرواية تدور في دبي، التي يرى الكاتب السوري زياد عبد الله في حديثه مع «البيان»، بأنها «تتخطى مفهوم الإلهام»، ويقول: «ربما تستدعي إضافات توضيحية، تضيء على خصوصية هذا الإلهام الآتي بالتأكيد من خصوصية المدينة نفسها، بوصفها مدينة كوسموبوليتانية، تتفاعل على أرضها يومياً مئات الجنسيات، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، مولدة أحلاماً وتطلعات ونجاحات وخيبات»، ويصف زياد دبي، بأنها «موطن الحكايات»، ويقول: «كل من يأتيها يحمل حكايته من حيث جاء، ويصوغ حكاية جديدة في دبي»، مؤكداً أن في ذلك «ثراء إنساني استثنائي، لا بد أن يشكل غواية لكل كاتب عاش في دبي بحق!». وينوه زياد بأنه سعى في روايته الأولى «بر دبي»، «إلى المضي خلف حكايا شخصيات وفدت إلى دبي».

وقال: «هي شخصيات من لحم ودم، ومن خلفيات وتوجهات متعددة، سردت حكاياتها ومصائرها، فإذا هي خاصة جداً، كما هي دبي، وفي الوقت ذاته، فرضت المدينة علي أسلوباً خاصاً على صعيد الشكل»، وتابع: «الرواية توحي بداية أن الأحداث منفصلة، كما لو أن كل شخصية تعيش عالمها بمعزل عن الأخرى، لكن الأحداث في النهاية، تصبح متصلة، وتتلاقى مصائر الشخصيات بشكل أو آخر. هذا يقودني للقول، إن أبراج دبي الشاهقة، وطرقاتها السريعة، ودينامكيتها العالية المتسارعة، توحي أن سكانها معزولون، أو أن كل واحد له مشاغله وعمله والسلام! وهذا غير صحيح بتاتاً، وهكذا مقاربة لا تقود إلى التقاط نبض دبي الحقيقي، فهي مدينة آهلة بالقصص اللا متناهية».

كما حجزت مكانها في القلوب، حجزت دبي محلها في قائمة كبريات مدن العالم، وباتت معالمها بمثابة أيقونات تتخاطفها عدسات المصورين، وعيون صناع السينما والدراما، وتلفت أنظار مهندسي العمارة. أما اكتشاف أسرارها، فبدت مهمة تولاها مؤلفو الكتب، ومن بينهم الكاتب الجزائري، محمد حسين طلبي، الذي شغلته أسرار المدينة، وسعى جاهداً لاكتشافها، وهي تجربة ثرية، يقدمها لنا عبر دفتي كتابه «في دبي مهندس زاده الخيال»، الفائز بجائزة العويس للإبداع، فها هو طلبي يصف «دانة الدنيا» في حديثه مع «البيان»، بـ «مغارة علي بابا»، ويقول: «دبي مثل مغارة علي بابا، كلما اقتربنا من نهاية نفقها، نكتشف أننا ما زلنا في بدايته».

ويقول: «دبي مدينة تختلف عن أي مدينة في العالم، لا يحلو لها أبداً أن تشعر أو تشعرك بالثبات، وعندما أكتب عن هذه المدينة، التي ملأت الدنيا، وشغلت الناس، لا أدعي معرفة كاملة بأسرارها أو معادلات تطور خطها البياني، فذلك أبعد ما يخطر على البال».

ويضيف: «إن ما كتبته لا يتعدى كونه مجموعة من المحطات الإنسانية التي أثارتني منذ السنوات الأولى من وجودي بين مفاتنها»، مشيراً إلى أن دبي مدينة ملهمة، ويصفها بـ «هوليوود العرب»، ويقول: «قد لا تكون دبي بحجم تلك المدن التي أثثت طويلاً للسينما، ولكنها مدينة مغرية للأفكار، التي لا تزال بعيدة عن التناول، نظراً للفسيفساء البشرية التي تعيش فيها وتتحرك في شتى الاتجاهات، يضاف إليها جانب ساحر، هو ثقافة وإرث المنطقة الخليجية برمتها، أو ما ينبثق عنهما من جماليات، لا يمكن أن تتوفر في أماكن أخرى». ويتابع: «شكراً لسحر دبي، الذي أعيشه يومياً، وكأنه الحب في أول أوانه».

طباعة Email