الحمّامات الدمشقية عراقة تاريخية ومهنة مهددة بالاندثار

عندما تدخل دمشق القديمة تتنفس عبق التاريخ، بيوت قديمة مر عليها مئات السنين، وأسواق تاريخية كانت مقصداً للأقاليم المجاورة، ودور العبادة أعرقها المسجد الأموي والكنائس المسيحية، والمدارس والمكتبات الأثرية التي احتضنت العلم وأهله، والخانات التي كانت بيوتاً للزوار البعيدين. 

ولا تزال الحمامات أحد أهم المعالم الأثرية في المدينة، إلا أنها تأثرت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب والحصار، كما أنها لم تنجُ من تداعيات أزمة «كورونا»، حتى باتت هذه المهنة مهددة بالانهيار بسبب تراجع عدد مرتاديها.

معالم

تعد الحمامات الدمشقية أحد أهم معالم المدينة الأثرية، بعد الجوامع والمكتبات والمدارس، إذ لم تكن معظم البيوت قديماً تحتوي على حمامات، وكان الأهالي يزورن الحمامات بهدف النظافة في مدينة مياهها غزيرة.

وتشير المراجع التاريخية إلى أن الحمامات في دمشق موجودة منذ العصر الأموي، فيما يشير ابن عساكر في كتابه عن تاريخ دمشق (1169 م) إلى أن عددها في المدينة والمناطق المرتبطة بها وصل إلى 137 حماماً.

ويعد حمام «الملك الظاهر» في حي العمارة، وحمام «نور الدين الشهيد» في سوق البزورية الشهير (متخصص في بيع التوابل) من أقدم الحمامات، إذ تجاوز عمر الأول 1000 عام، فيما وصل عمر الثاني إلى قرابة 900 عام.

وكانت تتوضع الحمامات بجانب المساجد والخانات، وكان أحد أسباب وجودها وفرة المياه (الينابيع ونهر بردى)، وتوزيعها الذي كان يعتمد على نظام يدعى الطالع، مهمته توزيع حصص المياه على الأحياء، وفقاً لوحدة قياس تدعى القيراط.

طقوس ومناسبات

لعبت الحمامات دوراً اجتماعياً مهماً في حياة الناس بدمشق، إذ كانوا يجتمعون عشية الأعياد وفي المناسبات كالزواج، فضلاً عن أن الحمام كان مقصداً للقاء الأقارب والأصدقاء وللنزهة لكلا الجنسين.

ويعد غسل العريس تقليداً اجتماعياً، إذ يجتمع أصدقاء العريس ويحجزون الحمام ويقومون بالتسلية واللهو، والتراشق بالمياه، و«وخز» العريس بالدبابيس، وتناول المأكولات، ويخرجونه من الحمام بعراضة شامية، ويوصلونه إلى مكان الرجال في حفل الزفاف.

وكانت النساء يجتمعن عند غسل العروس أيضاً ويحتفلن بها، ويقمن بالغناء والزغاريد، فيما تستحم العروس بماء الورد، يليه وضع الحناء، وهناك بقجة خاصة بالعروس تتضمن مناشف مطرزة مصنوعة من الحرير غالية الثمن.

كما كانت النساء يعددن زيارة الحمام، في الفترة المخصصة لهن في الحمامات (الفترة الصباحية) سيران (نزهة)، إذ يقمن بسرد الأخبار والغناء والمزاح، فضلاً عن تحضير مأكولات فيها.

ومن التقاليد والطقوس في الحمامات كانت زيارة «النفساء» (حديثة الولادة)، إذ تذهب إلى الحمام مرتين، الأولى اسمها حمام الفسخ بعد الولادة بسبعة أيام، فيما تسمى الزيارة الثانية حمام الأربعين، وتكون بعد أربعين يوماً من الولادة، إذ يدهن الجسم بمزيج أصفر مكون من العسل والزنجبيل، بهدف شد الجلد وسحب الرطوبة من الجسم، ثم تسقى مستحلب اللوز مع الحليب وهو يدر حليب الرضاع.

ويعد الحمام للنساء أيضاً مكاناً للبحث عن زوجات لأبنائهن، إذ تظهر الفتيات على طبيعتهن ومن دون وضع مستحضرات التجميل.

تطور

قال محمود حمامي، الذي يدير 3 حمامات (نور الدين الشهيد والناصري والقيمرية)، في حديث لـ«البيان» إنه «نتيجة للتطور الحضاري وظهور الكهرباء، فإن معظم الحمامات تخلت عن مهامها، إذ هُجر بعضها، فيما تحولت حمامات إلى محال تجارية، وتخلت عن المهنة الأساسية التي كانت تقوم بها».

وتابع حمامي «كانت الحمامات الدمشقية وجهة السياح العرب والأجانب لما لها من طقوس وأجواء جميلة، إلا أنه بعد اندلاع الأزمة في البلاد تراجع عدد الزوار بشكل كبير جداً، وبقي القليل من المواطنين العرب الذين يرتادون الحمامات (العراقيون) وأصبح الموضوع ترفيهياً للسوريين».

وأشار حمامي إلى أن «الأزمة ساهمت بشكل كبير في تراجع مهنة الحمامات وهي على طريق الاندثار، إذ أغلقت معظم الحمامات بسبب تراجع عدد مرتاديها بسبب الحرب والوضع الاقتصادي السيئ للسوريين»، لافتاً إلى أن «تفشي فيروس كورونا ساهم أيضاً في تأثر المهنة سلباً».

ولفت حمامي إلى أن «إحدى الصعاب الحالية في عمل الحمامات هي تأمين حوامل الطاقة لتشغيلها إذ شهدنا تراجعاً في توافر الوقود والكهرباء بسبب العقوبات والحصار على البلاد».

وتابع حمامي إن «الحمامات ما زالت تعد تراثاً دمشقياً بحد ذاتها، وما زالت الطقوس كحمام العريس وحمام العروس وزيارة النفساء واجتماع الأصدقاء موجودة، إلا أنها بالحد الأدنى بسبب الوضع الاقتصادي الصعب للناس».

وبقي حالياً في دمشق 8 حمامات تتابع وظيفتها، وهي حمام نور الدين الشهيد، والقيمرية، والملك الظاهر، والناصري، والبكري، والفيروزي، وأمونة، والشيخ رسلان.

هوية

على الرغم من التطور الحضاري، إلا أن الحمامات حافظت على هويتها العمرانية القديمة، التي هي جزء من العمارة الإسلامية، مع إضافة تحديثات كغرف ساونا وجاكوزي.

ويتألف الحمام من 3 أقسام وهي البراني وهو أول ما يصادف الزبون إذ يتضمن 4 مصاطب (2 كبيرة و2 صغيرة)، وبحرة الماء وقسما المحاسبة والبوفيه، والأقواس الحجرية.

وتتميز المصاطب بارتفاع محدد وكلها من الرخام أو ما يعرف بـ«الحجر المزي»، كما أن البعد بين الأقواس ثابت والقسم الثاني هو الوسطاني، ويتألف من طاولات من البازلت يتخللها خط من البخار من الداخل، وهذه الطاولات المصنوعة من البازلت أو الحجر المزي مخصصة لمساجات الزيت، وهناك طاسات قديمة مصنوعة من النحاس القديم يتم وضع الليفة والرغوة فيها.

كما يوجد في القسم الأوسط مقاصر مخصصة للعائلات إذا رغب أبناء العائلة في أن يستحموا وحدهم، بالإضافة إلى القبب التي تتضمن فتحات زجاجية ملونة بالأحمر والأخضر والأزرق، وفقاً لأشكال هندسية مستقاة من العمارة الإسلامية.

والقسم الأخير هو الجواني، ودرجة الحرارة فيه تكون أعلى من الوسطاني، ويتألف من أجران يجلس حولها الزبائن ومقاصير عائلية وغرفة بخار.

وكان هناك قسم رابع قديماً كان يسمى القميم، وهذا القسم له مدخل خاص، وكانت مهمته تسخين مياه الحمام عن طريق استخدام نشارة الخشب أو روث الحيوانات، إلا أنه لم يعد موجوداً نتيجة تطور أساليب التسخين.

الناطور

وعن كيفية استقبال الزبائن في الحمام، قال حمامي إنه «عندما يدخل الزبون يضع حاجاته عند المحاسب، ويتم إعطاؤه مفتاحاً يضعه في معصمه، ثم يستقبله عامل يسمى الناطور إذ يقوم الزبون بخلع ثيابه ويلبس القبقاب ويقوم الناطور بإعطائه منشفة يلف بها جسده تسمى الماوية».

وأضاف حمامي بعد ذلك يدخل الزبون القسم الوسطاني، وتكون حرارته أعلى ويستقبله شخص يدعى (التبع)، ويقوم الزبون بسكب الماء على جسده وغسل رأسه، وإجراء مساجات الزيت.

وتابع حمامي ثم يدخل إلى الجواني إذ يستقبله في غرفة البخار عامل يدعى «المكيس»، وفي يده «كيس التفريك» القديم المصنوع من شعر الخيل أو الجمل، إذ يقوم بفرك جسده عقب تعرضه لدرجة حرارة عالية، حتى تخرج من الجسم ما يسمى «الفتايل» (الجلد المتموت)، وذلك من أجل تقشير البشرة.

كما يوجد في الجواني غرفة المساج، إذ يدهن جسم الزبون بالزيوت الطبيعية بعد أن يسترخي على طاولة البخار المصنوعة من البازلت، ويتم وضع كاسات الهواء ويدهن الجسم بعد ذلك بماء الورد، وبذلك يكون الحمام قد انتهى.

ثم يقوم التبع باستقبال الزبون في القسم الوسطاني، ويأتي بـ«طقمي مناشف» يقوم بتغييرهما له وتدعى هذه «السحب»، ليخرج إلى القسم البراني إذ يستقبله الناطور، الذي يغير المناشف التي تستر جسد الزبون بـ«طقم يسمى الكسوة»، الذي يتألف من 3 قطع تغطي كامل الجسم والرأس.

بعد ذلك يتم سؤال الزبون عن المشروب الذي يرغب في تناوله وإن كان يريد تدخين النرجيلة أمام إيقاع صوت البحرة وصوت القباقيب.

 

طباعة Email