يحلق الإبداع الشعري في فضاءات لا حدود لها، متسلحاً بكلمته وفكره وإبداعه، ينصفه تاريخه وتدعمه جماهيريته، حتى يجد الشاعر نفسه أمام معايير تفرضها عليه مشاركته في المسابقات والجوائز المخصصة للشعر والشعراء، والتي بدورها تهدف إلى تحريك رمال الإبداع الراكدة، وبث الحماسة وتشجيع المواهب الحقيقية، ودفعها نحو مزيد من الإبداع، وبين الفوز والخسارة، وتنوع الجوائز، في كثرتها وقلتها، نجد أنفسنا أمام تساؤلات عدة: هل أنصفت هذه الجوائز الشاعر؟ وما هي آلياتها؟ وما هي الجهات المخولة بإطلاق مثل هذه الجوائز؟ وهل يوجد محاباة حقاً، كما يقول البعض؟
«البيان» تضيء على جملة هذه التساؤلات من خلال استطلاع آراء عدد من المبدعين في الحقل.
قالت الشاعرة فاطمة ناصر الحاصلة على المركز الثالث في مسابقة «فتاة العرب» في محور المجاراة، إن الإنصاف الحقيقي للشاعر هو تحقيق الإنجاز الذي يستحق عليه الشكر، وتقديم تجربته بالشكل الذي يليق به وبمجتمعه، والشاعر الذي يصنع من نفسه قطباً جاذباً هو الذي في تقديري تأتي إليه الجوائز وليس العكس، هذا الثناء يحفز المبدع على المزيد لكن لا يصنع منه مبدعاً إذا كان لا يملك ما يؤهله لذلك.
وحول معايير الجائزة الشعرية، وآلية عملها والجهات المخولة بإطلاق الجوائز الشعرية قالت فاطمة ناصر، يجب أن تتبع الإبداع والمبدعين وفق معايير نقدية هادفة، والعناية في تقديم ما يمكن تقديمه خلال هذا السياق الثقافي والفكري، أعتقد أن المعيار المهم والأدق في إعطاء كل ذي حق حقه من حيث التكريم والتحفيز هو التأهيل الأولي لمن لديهم الحق في ذلك، بمعنى أن المهم أن تجري العناية بالمبدع ونتاجه بشكل عميق.
وأضافت في تقديري الجهات الرسمية هي المنطلق الأول والأساس الذي تهوي إليه كل أفئدة الشعراء، فعندما يكون ذلك تحت مظلة رسمية يكون الأمر مريحاً نوعاً ما من حيث التكريم، وكذلك القيمة الفنية التي تمنح للشاعر المكّرم، إضافة إلى اختيار جهة مؤهلة ومنصفة لفرز وتتبع وترشيح من يستحق التكريم ومنح الجوائز التقديرية. أو إذا كانت المسابقة تحت رعاية جهة خاصة وجهود فردية فلا بأس حينما تقوم على أساس هادف وفني وآلية تمتلك المهارة والإدارة في إقامة مثل هذه الجوائز.
دافع للنهوض
بدورها قالت الشاعرة هنادي المنصوري: قد تمر الساحات الشعرية عبر العصور بركود؛ ولكن ما يجعلها تنهض وتتدفق بالجديد والإبداع والتلألؤ شهادات التكريم والحوافز المقدمة للشعراء من خلال إعداد برامج ومسابقات شعرية ومهرجانات شعرية؛ كل هذه الفعاليات الشعرية تعتبر دافعاً رئيسياً وسبباً مباشراً للنهوض بمستوى الشعر لدى الشعراء، نظراً للتنافس والتحدي فيما بينهم لبلوغ المراكز الأولى والفوز بالمشاركة في تلك المهرجانات الشعرية وما يتصل بها. ومنذ القدم نلاحظ أن تكريم الشعراء المميزين قد ساهم في ظهور قصائد رائعة خلّدها تاريخ الشعر العربي والعالمي بشكل عام.
ونشير هنا إلى جهود ودعم والدنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إذ لا يمكن لشعراء الوطن نسيان دعمه الدائم لهم عبر الحوافز التكريمية التي كان يقدمها لهم في جميع المناسبات؛ وهو ما سارت عليه قيادتنا الحكيمة من بعده، ما أدى إلى تميز وتجدد مستويات الشعر على الساحة المحلية؛ خاصة في ظل وحود جوائز رسمية نوعية ومحفزات مباشرة تُقدَّم للشعراء.
وقد أكمل رجال زايد الأوفياء المسيرة بدعم حركة الأدب والشعر عبر مهرجانات شعرية وبرامج تختص بالشعر ورصد جوائز مادية ضخمة لقاء بلوغ المراكز الأولى فيها. وتابعت : وأريد أن ألفت هنا إلى اهمية مسابقات ومهرجانات نوعية تبث الطاقات الإيجابية في نفوس وعقول الشعراء، مثل : المسابقات الشعرية التي يطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله؛ وبرنامج شاعر المليون الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ ومهرجان الشارقة للشعر النبطي والذي يرعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة؛ والبرامج الشعرية الأخرى. وتعد هذه الرعاية الكريمة من سموّهم دعماً مباشراً وإنصافاً رائعاً للشعر والشعراء؛ فهي تثري وتنهض بمستوى الشعر؛ وأرى أنه عصره الذهبي اليوم؛ فكل الشكر لهم والتقدير.
وأضافت : الجهات المخولة لإطلاق مثل هذه الجوائز، كما ذكرت، التي تنطوي تحت رعايتهم الكريمة؛ والجهات الرسمية من أي مكان حول العالم؛ ولكن لاحظت في الآونة الأخيرة عبر برامج الإنترنت أن كثيراً من الأفراد الذين لا يحملون خبرة طويلة في الساحة الشعرية يطلقون مسابقات شبه يومية ويقدمون شهادات دون تمعّن فيما تم تقديمه من شعر في مسابقاتهم. لا بد من التصدي لهذه الظاهرة، ومن الضرورة أن تكون جهة رسمية أو جهة معترف بها على مستوى الدولة، فقط ، هي من تقدم هذه الجوائز؛ وإلا فلن تحمل القيمة الحقيقية لمسيرة الشاعر الحقيقي.
ومن الضرورة أيضاً أن تملك لجنة التحكيم في أي مسابقة شعرية الخبرة الكافية والمستوى الأسبق لمستوى المتسابقين؛ وليس كما الحال في هذه المسابقات "الإنترنتية"، فلا يمكن أن يشارك متسابق مخضرم في مسابقة تضم لجنة تحكيمها شاعراً لا خبرة لديه وعمره الشعري لا يتعدى العامين على سبيل المثال؛ يجب أن تضم لجنة التحكيم في أي مسابقة مختصين ذوي خبرة عريقة في الساحة الشعرية وليست خبرة تقاس بعدد متابعيه عبر برامج التواصل الاجتماعي وحسب.
تأثيرات سلبية
وقالت الشاعرة ومسؤولة منتدى شاعرات الإمارات، إن جوائز الشعر ليست كثيرة، وتأمل أن تزيد هذه الجوائز وتمنح لمن يستحقها من أصحاب العطاء الأدبي الكبير، وأضافت: إن المسابقات الشعرية التي تطلقها الجهات الرسمية في الدولة، إيجابية وفاعلة، ولكن المشكلة انه شهدنا أخيراً، إطلاق بعض الجوائز المتعلقة بالشعر لم تكن منصفة في بعض اختياراتها، فإذا أردنا أن نرتقي بالشعر والشعراء يجب أن نكرّم من يستحق بالنظر إلى تاريخه من العطاء والإنجازات، بغض النظر عن المعايير الأخرى البعيدة كل البعد عن الشعر والأدب، ومن المؤكد أن تجاوز أي هنات في هذا الشأن، يكون من خلال حصر تنظيم وإطلاق هذه المسابقات بالجهات الرسمية المختصة بالشعر والثقافة والأدب، وأن تكون هي فقط من تقدم هذه الجوائز والتكريمات، إذ إننا بهذا نكفل ان تكون المعايير منهجية في التقييم وتبتعد عن العشوائية والمحاباة والشللية التي تتسيد المواقف في ساحات المسابقات التي ترعاها جهات خاصة، وتأتي بآثار سلبية على الشعر الحقيقي والشاعر المجيد ذي العطاء المتميز والبصمة الفريدة.
واقع وحاجات
أثنت الشاعرة حمدة العوضي على عدد من الجوائز الأدبية، مثل جائزة الشيخة شمسة بنت سهيل للنساء المبدعات، وجائزة راشد بن حميد النعيمي للثقافة والعلوم، مبينة أنها جوائز قائمة منذ سنوات وليست مستحدثة، تأسست وعملت على أعلى معايير الجودة والتقييم، إضافة إلى جائزة عوشة بنت خليفة السويدي، فهذه الجوائز تضم فرق عمل متخصصة ولها باع في مجال الثقافة والأدب، هذه الجوائز أنصفت الشعر والأدب، وشجعت على أن يقدم المشارك الأفضل والأجود والأجمل.

واقترحت أيضا، أن تعنى الوزارات المعنية في الدولة، بإطلاق مسابقة خاصة لكبار المواطنين ممن يملكون ملكة الشعر لكن لا يمكنهم كتابته أو تدوينه، وأن تقوم أيضاً وزارة التربية والتعليم باستحداث جائزة شعرية للطلاب والمعلمين والإداريين، مما فيه تحفيز وتشجيع للمواهب ولحركة الشعر.
نايلة الأحبابي: الجوائز تخلّد الشاعر وتقدر الشعر
قالت الشاعرة نايلة الأحبابي: جوائز الشعر التي تعود لجهات رسمية في الدولة، تحتفي بالشعر والشعراء، كما أنها تفعّل حركة الشعر، وتكريم الشعراء دليل على مكانتهم الأدبية وتشجيع لهم. وتختلف آلية الجوائز حسب موضوعها وخصوصيتها والمجال الذي تتطرق له أو تتخذه، ولا شك أن الجائزة تحمل اسم الجهة التي تطلقها، وجميل أن يكون في اسمها تخليد لاسم صاحبها، ولا بد أن نحرص على المرجعية الرسمية لأي جائزة شعرية، لأن ذلك يضمن إنصافها.
مسؤولية الشاعر

أكد الشاعر أحمد الزرعوني أن المسابقات الشعرية أنصفت الشعر والشعراء إلى حد ما، ولكن لا بد أيضاً من الحرص على تعزيزها وإثراء معاييرها بشكل دائم، كي تبقى تحاكي مطمح الشعراء. فبلا شك الشاعر سيقدم أفضل ما لديه ضمن أطر المسابقة وتوجهات اللجنة المشرفة عليها. إن الشعر هو الإحساس الصادق والفكرة المدهشة والتعبير الذي يتغلب على روتينية الكلام وجميع ما سبق يجب أن يرتب ولا يعلّب، وهنا يتحمل الشعراء المشاركون في المسابقات مسؤوليات كبيرة، حيث نرى حالياً أن القصائد المعلبة هي أكثر ما نراه يطغى حيث يعمد شعراء كثيرون غلى كتابة نتاجهم ليكون حسب مقادير ومعايير معينة يرون انها تفيدهم في الفوز، من دون أن يبالوا كثيرا بفضاءات الإبداع الرحب.. وختم الزرعوني حديثه بتساؤل حول نجوم الساحة وحاجتهم لبرامج ومسابقات شعرية.
حاجة المبدع للتقدير والدعم
تحدث خالد الظنحاني رئيس جمعية الفجيرة الاجتماعية الثقافية عن حاجة المبدع للتقدير والدعم، فقال: لعل من أبرز ما يحتاجه المبدع، لمسة تقدير ودعم له من خلال مكافأته على مثابرته بجوائز تقديرية، تحثه أكثر على مزيد من المثابرة والحرص على نيل الاستحقاق الحقيقي والتمييز الفعلي الذي يجب أن يكون معانقاً لمسيرة كل مبدع وتاجاً على رأس موهبته في مملكة الإبداع، وهو ما تحرص عليه المسابقات الشعرية التي تنظمها وترعاها الجهات الرسمية في الدولة، حيث لا مكان فيها لغير الموهوبين وللألقاب الورقية. علينا التصدي لبعض الممارسات والفعاليات الخاصة التي تسلك هذا النهج، بحيث نتيح أن يشارك الجميع في تكريم المبدع وفق معايير منصفة.

وأضاف الظنحاني: لا أحد منا يمكن أن ينكر ما قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة وما فعلته ولا تزال من أجل الشعراء منذ نشأتها على يد القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فإيمانها بالاستثمار في رأس المال البشري، جعلها تكبر المعارف والطاقات والمواهب وتسعى لاحتضانها والدفع بها نحو التألق، ومن منطلق غيرتنا على ما تحقق من إنجازات في هذا الصدد، ويجب ان نعزز هذا المسار دوماً .
وتابع الظنحاني: مؤكد تتعدد حلقات التأثير في مسيرة المبدع الإماراتي، ولا شك أنه يلقى التحفيز من جهات كثيرة، ولكن لا بد من تنويع وإثراء هذا التشجيع والتحفيز.. فالكلمة زهرة فؤاد الشاعر أو الأديب، وهي تزهو وتورق بأضواء التقدير ومياه الدعم وشمس التشجيع، وطبعا المؤسسات الرسمية، كالوزارة أو الهيئات الثقافية المحلية، هي الجهات المخولة لإطلاق الجوائز مع الحرص على اختيار الكوادر المتخصصة في إدارتها والإشراف عليها.
وضوح المعايير
أكد عتيق خلفان الكعبي الفائز بجائزة القصيدة النبطية في جائزة عوشة السويدي، أهمية الجوائز والمسابقات بمختلف أنواعها وفروعها إذا كانت شروطها واضحة وأيضاً الجهة التي تدعمها وتقف وراءها رسمية.

وأضاف: إن أكثر ما يجعل المسابقات منصفة للشعر والشعراء هي طريقة طرحها والإعلان عنها واختيار لجنة تحكيم ذات دراية وخبرة، وهذا نجده محققاً في المسابقات الرسمية بوضوح، ويضاف إلى ذلك وضوح المعايير ووضع الدرجات، والالتزام الموعد والتاريخ المحدد لتلقي المشاركات ويوم حفل التكريم، إنصاف الجوائز للشعراء يبقى حسب قناعة الشاعر ومدى قبوله في خوض هذا التحدي فيها، الإنصاف يبقى صعباً وإرضاء الشعراء ككل أمر مستحيل ولكن المصداقية والوضوح يضيفان زخماً وثقة لدى الشعراء قبل الإقبال على المشاركة، أما الآلية التي يجب أن تعمل عليها الجوائز التي هي خارج الرعاية الرسمية، فلا بد أن تكون انطلاقتها والإعلان عنها بطريقة صحيحة ومدروسة لكي تصل إلى كل الشعراء، يجب منح وقت كافٍ لاستقبال النصوص المشاركة، العمل على وضوح طريقة إرسال المشاركة.
وتابع: استمرارية الجائزة وتطويرها كل عام من الأمور المهمة التي ترفع من الجائزة، وضوح قيمة الجوائز للمتسابقين. ومن وجهة نظره فإن الجهات المخولة لإطلاق الجوائز يجب أن تكون حكومية أو برعاية وزارة الثقافة والشباب والمنصات الأدبية، ويجب أن يكون لديها تصريح رسمي ومعتمد من الجهات الرسمية.
