أدباء عرب: التجربة الروائية مزدهرة بالرغم من وجود المتطفلين عليها

 ​بعيداً عن التساؤل الذي كثيراً ما يطرح، وهو هل هناك جذور للرواية في تاريخنا العربي؟  فقد استطاعت تجربة الرواية العربية تحقيق وجودها والسطوع بروادها، وقدم الروائي العربي الكثير من الروايات على مدار أكثر من قرن، تناول فيها العديد من المواضيع كل بحسب أسلوبه المشبع بالخبرة والتراكم. 

واستطاعت الرواية العربية عبر عقود من الزمن أن تتجدد وتواكب التحولات وتعكس في بعض الأحيان الواقع بكل تناقضاته، وكأنها تؤرخ لحقبة من التاريخ، مثلما عادت بعيداً وراء الأيام وأعادت تناول التاريخ، إنها الرواية عوالم وحيوات مجتمعة تتجاوز الصفحات إلى قلوب وعقول الناس وتحلق بعيداً لتصل إلى القادم، فكما ترك التاريخ إبداعات لن تنسى سيحقق الروائيون المتميزون التواجد في المستقبل، بينما ستمحى من الذاكرة أعمال من تطفلوا على عالم الرواية بسبب سهولة النشر. 

وواكب هذه المسيرة احتفال الجوائز بالتجربة الروائية العربية إذ خصصت لها الكثير من الجوائز في بلدان عدة، وقدمت للقُراء العديد من التجارب الروائية الجديدة. 

عن تقييمهم للتجربة الروائية العربية تحدث عدد من رواد الرواية العرب لـ "البيان" وأكدوا على أن الرواية العربية مزدهرة، حتى إن ظهرت بعض التجارب التي دون المستوى، كما تحدثوا من خلال التحقيق التالي عن مشروعهم الروائي وهواجسهم التي تحركهم للاستمرار بالكتابة.  
 
مشروع حياة

الروائي السوداني د. أمير تاج السر الحاصل على عدة جوائز عربية. قال: أعتقد أن الرواية العربية مزدهرة جداً بالرغم من التطفل عليها من أشخاص ربما لم يهتموا بالاطلاع على تجارب، أو معرفة كيف تكتب.

وأضاف: أرى أنها وستظل موجودة ومزدهرة لمدة من الزمن.

وعن مشروعه الروائي قال تاج السر: حين بدأت الكتابة عموماً، بما في ذلك كتابة الشعر في البدايات، لم أكن مهتما بصياغة مشروع إبداعي أو غير ذلك، هي خواطر شعرية كانت تأتيني وأدونها، ثم أطلع عليها أصدقائي وأساتذتي في المدرسة، وأحس بالرضا من آرائهم الإيجابية، لكن الأمر لم يتوقف عند تلك النقطة، وانزاح بعيدا خاصة حين بدأت أكتب الرواية.

وأوضح: كانت كتابة الرواية، منذ البداية، ترجمة لم أحسه تجاه العالم، وما قد يحسه العالم تجاهي، وأيضا استهدافاً لما يعانيه الإنسان في كل حالاته من حزن وفرح وفقر وجوع وأيضا رخاء.

وأضاف: كان عالمي الذي اخترت الكتابة فيه مشحونا بمتناقضات كثيرة، وأتاح لي استكشافه بروية، وهكذا تلك الأعمال التي مزجت فيها بين الواقع والخيال، الواقع والأسطورة، الحاضر والماضي، وتلك الشخصية التي انتقيتها بجدية وكتبت عنها بجدية أيضاً.

وذكر الكاتب السوداني الذي ترشحت أكثر من رواية له إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية: مشروعي لم يكن رواية أو روايتين أو عشرة، إنه مشروع حياة، بمعنى أنني أتنفس عبره، وأطالع الحياة بخيرها وشرها عبره أيضاً. واستطعت عبره أن أرصد حتى الأمراض، والأوبئة، وتطفل الديكتاتوريات على الشعوب المقهورة، وأيضاً رصد الحياة اليومية، بكل ما فيها من رتابة أو ضجيج. وأظنني استطعت إيصال شيء للناس، لذلك استمررت في الكتابة، وما زلت آمل أن أستمر.  

سرديات جديدة

الروائي السوري خليل صويلح الفائز بجائزة الشيخ زايد فرع الآداب عن روايته "اختبار الندم". قال: هل كان على الحرب أن تأتي الآن؟ بسببها، بسبب الفزع والكارثة والأحلام المجهضة والكوابيس والحيرة، سأجد نفسي مرغماً على الانخراط بسرديات جديدة، لم تكن يوماً في خططي الروائية.

وأوضح: أن تكون في دمشق، على مرمى قذيفة طائشة، بالقرب من حاجز عسكري، من هدير طائرة حربية، من موجة اعتقالات، من جنون بشري، سيأتي النص إليك لا أن تذهب إليه. هكذا تسللت رواية "جنّة البرابرة" مقطعاً وراء آخر، مثل يوميات.

وأضاف: سوف تتراكم على مدى ثلاث سنوات من التدوين، فقررت توثيق ألف يوم ويوم من التراجيديا السورية. كان هذا الخيار حلّاً تقنياً بالنسبة إلي.

وذكر: وذلك بقصد إغلاق القوس على ألف ليلة وليلة جحيمية، وليست سحرية كما هي الحال في كتاب الليالي العربية؛ كما أن اللجوء إلى هذا السرد المتشظي كان محاولة للإلمام بأحوال الجدارية السورية، لجهة الزلزال الذي أطاح بكل الاحتمالات السردية المتعارف عليها.

وشدد صويلح: نحن إزاء متاهة حكائية يصعب الركون فيها إلى راوٍ مطمئن لسرديته، نظراً إلى تعدّد" سرديات الشهود". تشغلني اليوم، في هذه اللحظة الملتبسة والمراوغة صورة الهوية بطبقاتها المتعددة، خصوصاً ما أسميه الهويات الدموية، تلك التي تستدعي دماء الأسلاف، وبناء على ذلك كانت روايتي "عزلة الحلزون" محاولة في فحص الجينات الأولى للكائن، والصراع ما بين قلب الذئب وقلب الطائر!

تجارب مهمة

وقال صويلح: أتساءل أحياناً، ماذا لو ظهر اليوم روائي مثل الطيب صالح ونشر رواية بعنوان "موسم الهجرة إلى الشمال"، هل ستنال روايته الاهتمام النقدي نفسه الذي نالته في الأمس؟.

وأوضح: هكذا احتلت الساحة الروائية العربية حفنة أسماء وتصدرت الواجهة إلى اليوم، وذلك بوجود نقّاد روجوا لهذه الأعمال، فيما يقترح المشهد الروائي اليوم تجارب مهمة سردياً وتخييلياً.

وأضاف: لكن تراجع النقد وضع هذه التجارب في مهب الإهمال، وبالكاد يجد هذا الروائي أو ذاك مراجعة صحافية عجلى حول روايته، وربما يبتهج حين يجد صورة لقارئ مجهول يحمل كتابه، منشورة في مواقع التواصل الاجتماعي. وأجزم أن هناك عشرات الأسماء التي قدمت مشاريع سردية مهمة، لكن الطفرة الروائية قادت إلى الفوضى، وصعوبة الفرز.

وذكر الروائي السوري الحاصل أيضا على جائزة نجيب محفوظ: ما ينقصنا اليوم هو الغربال النقدي الذي ينبه إلى رواية عربية جديدة بلا ضفاف، رواية تمكنت من تحطيم الأسوار في رسم خرائط تخييلية جريئة تعمل من منطقة الجسارة تقنياً وحكائياً.

وفسر ذلك أن روائي الأمس كان مؤرخاً، فيما يحتل روائي اليوم موقع عالم الاجتماع بامتياز.

صيرورة ومنجز

يحيى القيسي الروائي والباحث الأردني المقيم في بريطانيا قال: لم تعد تجربة بل أصبحت صيروة ومنجزاً ضخماً يضاهي الحالة الروائية في الكثير من الدول التي لديها خبرات طويلة في كتابة الرواية سواء في الشرق أو الغرب.

وأوضح: لكن المنجز العربي ينقصه التسويق، والترجمة، والإضاءة الكافية حوله، والنقد المتابع والكاشف، والنظر التفاؤليه لا الانتقاصية منه.

وأضاف: بالطبع وسط كل هذا الكم الكثير نوعية عالية لكنها للأسف تضيع أحياناً بسبب نقص في الغربلة والتمييز، واستسهال عند الكثيرين للكتابة الروائية، حتى أصبحت عند بعضهم تنفيساً عن خسارات حياتية، أو تعبيراً عن عواطف مجانية، أو ثرثرة وفائض كلام لا يصنع أدباً ولا يساهم في تقديم أي جديد.

وعن تجربته قال القيسي: بالنسبة لمؤلف مثلي أتى من الشعر إلى الرواية، كانت الرافعة السردية للنصّ، الرهان على نقل جماليات قصيدة النثر إلى المتن الروائي، بمعنى استثمار الهامشي والعابر والخاطف كملاط أساسي في تشكيل العجينة السردية، بضربات إيقاعية مضبوطة. الملاط الذي يحتاج إلى شكل أو إطار يتلاءم مع هذا النص الهجين.

وأضاف: لماذا أكتبُ رواية، إن لم تحمل نبرة جديدة ومفارقة عما قرأته من روايات؟ ثم لماذا لا أكشف مطبخي الروائي على الملأ؟ طيش دونكيشوتي، لمن لم يسبق أن حمل رمحاً لمحاربة أعداء متوهمين.

وذكر: عليّ أن أعترف هنا بشغفي ودهشتي وتأثري برواية "دون كيخوته" لسرفانتس العظيم، ليس لجهة الجدّة في البناء فقط، وإنما لجهة النبرة الساخرة في بنية الشخصية: السخط من أفعال دون كيخوته، والبلاهة المرحة في شخصية سانشو، ثمّ الهوس بكتب الفروسية ومحاكاة أفعال هؤلاء بامتطاء فرس هزيلة في رحلة مجنونة خرجت من بين رفوف مكتبة إلى فضاء مفتوح على المغامرة.

أسئلة كونية

وأوضح القيسي: بهذه الروح القتالية، وببسالة الهواة، كتبتُ روايتي الأولى "ورّاق الحب" غير عابئ بالمساطر النقدية والمناطق المحرّمة، والوصفات الجاهزة للكتابة. كتبتُ هذه الرواية بما يشبه الحمّى. صفحة ونصف فوق طاولة المطبخ ثمّ لم أتوقّف عن الكتابة طوال ثلاثة أشهر.

وأضاف: كانت الوقائع تتدفّق بغزارة، وكانت الرواية بدون عنوان، فيما كان الراوي يخوض معاركه لاكتشاف أكثر الطرق جسارة في كتابة رواية، مستحضراً عشرات المراجع عن أساليب السرد، في مسعى غامض لكتابة اللايقين، في أقصى حالات اللعب الروائي/ السردي "بمحاورة السرد الأدبي القديم والمعاصر معاً.

وتابع: ومخاتلته والسخرية منه/ وبه، وتسخيره لمقترح جمالي ودلالي بنصب فخاخ واصطياد فرائس، وافتراض وقائع وتخيّل سيناريوهات محتملة لسيرورة الأحداث وتطوّر علاقات الشخصيات بقصد تخصيب المتخيّل السردي". لطالما نظر معظم النقّاد، والقرّاء إلى رواياتي على أنها سيرة ذاتية.

وبين: أن سبب هذا الاشتباك بين ما هو سيروي ومتخيّل يعود إلى أن هذه الروايات مكتوبة بضمير المتكلّم، وتالياً فإن أفعال شخصية الراوي تخصني كمؤلف في المقام الأول، لجهة التلصص على أسرار الراوي المفضوحة علناً! ولكن ما هي المسافة الفاصلة بين المؤلف والراوي؟ بالنسبة لي هي سيرة مشتهاة أكثر منها سيرة حقيقية. 

وقال القيسي: إن ما يبهج المؤلف قناعة القارئ بأنه أزاء وقائع دامغة ارتكبها المؤلف، ذلك أن الإقناع ركن أساسي في الكتابة. ما حدث حقاً بأن المسافة شاسعة بين حياتي الشخصية واشتهاءات الروائي/ الراوي، أو أنها توابل لاذعة أُضيفت إلى المائدة الواقعية للحكي. الحكي؟! ليس لدي حكاية يوماً لكي أرويها.

وأوضح: ما أكتبه ضد الحكاية، تقويض سيرورتها الأفقية بضربات شاقولية، حراثة المعنى بقراءة سيسيولوجية تنطوي على جرعات من المكاشفة والحفريات والاعترافات بقصد وضع الكائن في مهب أسئلة معلّقة، سلالة وراء أخرى، في ما يخصّ الهوية.  

وذكر القيسي: عبر خمس روايات بدأت أولها في العام 2006 وإلى آخرها والتي نشرت هذا العام 2020 حاولت ترسيخ السرد القائم على المعرفة، أي تقديم الرواية المبنية على البحث والتأمل، أكثر من رواية الحكاية أو السرد لذاته، فأنا أؤمن بضرورة أو يقدم الروائي كل ما هو جديد ومغاير للسائد سواء من ناحية الشكل أو المضمون.

وفسر: من خلال هذه "الخماسية السردية" انشغلت بالأسئلة الكونية الكبرى، والبحث عن المسكوت عنه، والمغيب، وعن تلك القوى الخفية التي تتحكم بالبشرية، وتساهم بشكل غير مباشر في مسيرتها.

وقال: سواء بدا هذا الأمر لبعض القراء نوعاً من الواقعية السحرية، أو الخيال العلمي، فإن الواقع في حقيقة الأمر يبدو أشد عجائبية وغرابة، ومن يبحث يجد، وخصوصاً في تراث المتصوفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات